(1)
مشهد من الطفولة يظل حاضرًا في ذهني الفترة الحالية، الذاكرة ليست شريطـًا مسجلاً بالطبع، ولكن الأحداث تتداعى للذاكرة كالحلم:

كنا أطفالاً وكنا نعشق لعب الكرة في الشارع، وفي يوم من الأيام نمت شائعة قوية تقول إن (جاي يلاعبنا من شارع تاني “مسيحيين ولاد &*)”)، وتأهبنا كلنا لأن الموضوع تعدى حاجز متعة المنافسة، ومس بحساسية سمعة ديننا في الشوارع الأخرى، وبالفعل ظهر المسيحيون وبدأنا (الماتش).

 

ما زلت أذكر بدقة الأضواء وتركيزنا الشديد واستماتتنا على الكرة وأن (الماتش) فعلاً شهد منافسة شديدة من الجانبين، وأحيانًا عنفـًا غير مبرر، ومع كل هدف نحرزه فرحة هيستيرية، ومع كل تعادل من جانبهم عار غير معلن عنه ولكنه ظاهر، كانت النتيجة 3-3 وانتهت المباراة بطريقة درامية، بعد ما أحرزنا الهدف الأخير واحتفلنا بطريقة هيستيرية وكأنها مباراة الأديان النهائية، لم نكن نواجه أربعة أشخاص على ملعب للكرة، ولكن أربعة جنود على مرأى الرب.

 

تلك الليلة نمت أسعد ما يكون، أعتقد كل شاب من جيلنا تقريبًا شهد تجربة مماثلة، وجزء كبير منّا (لسه عايش جواها).

 

(2)
هناك نوع من المغالطات يسمي مغالطة رجل القش، وفكرتها ببساطة هي تحريف وجهة نظر معارضة لك وتشكيلها بما يتفق كرجل قش يسهل عليك نقده والهجوم عليه، وهو خطأ شائع يظهر عند احتدام المناقشات أحيانـًا، فمثلاً بدلاً من مناقشة فكر الإخوان السياسي نشكل الإخوان كعصابة إرهابية تهدف للسيطرة على مصر / تقسيمها / تحويلها إلى إمارات إسلامية، ونشرع في مناقشة فكرة تقسيم مصر والكوارث المتوقعة واحتماليات وصولنا لكأس العالم بثلاث فرق في التصفيات وما إلى ذلك؛ فنخلق رجلاً من القش ونهجم عليه بشيء من البطولة، الأمثلة تستمر بالطبع في كل الاتجاهات، فالعلمانية يعني “أمي متلبسش حجاب! أمي أنا ليه؟ أنا ماما بتحب الحجاب ليه تعملوا كدا”، وهكذا نساق خارج مضمون النقاش لمناقشة أمور ليست فقط فرعية، وإنما من وحي خيال البطل.

 

الحقيقة يعجبني الاسم أكثر من المغالطة نفسها: رجل القش، ذلك الوحش المخيف غير المؤذي فعليًّا، يشكله وعينا ونستدعي أثناء تهشيمه سعادة وبطولة ليالي خيالات الطفولة الساذجة، كما بنيت في صغري رجلاً من القش أحاط بأطفال مسيحين كأنهم جاءوا لمحاربة ديننا، وأعتقد أننا أيضًا لا نرتكب مغالطة رجل القش أثناء نقاشاتنا المحتدمة فحسب، ولكننا أيضًا نصنع نقاشات من القش أثناء كوارثنا المحتدمة!

 

(3)
الاعتقاد الشائع أنه عند إدراك وقوع كارثة ما أو أزمة تتولى غريزتك من أجل البقاء دفة الأمور، وتصارع للنجاة بشتى الطرق، في البدء تبدو فكرة منطقية ووجيهة، ولكن ما يحدث هو شيء ملفت للانتباه، وهو الميل إلى التصرف بهدوء والتظاهر بأن كل شيء طبيعي؛ حيث يخدع الشخص نفسه ويفكر بهذا الشكل غير العقلاني، وكأنه يتمنى أن يتماهى الواقع مع تمثيله بأن كل شيء على ما يرام، فيصبح كل شيء على ما يرام بالفعل.

 

تعرف هذه الحالة من الشلل اللحظي بالـ Normalcy Bias، وتتجلى في حوادث الكوارث الطبيعية أوالحوادث ذات الضحايا الجماعية، كأن تحذرك الأرصاد بفيضان فتلبث في بيتك بدلاً من الهرب، أو مثل ما حدث سنة 1977، عندما اصطدمت طائرتان أثناء محاولة إقلاع، ورغم ما أحاط المشهد من دخان وتحطم سقف الطائرة بفعل الاصطدام لم يتحرك أي راكب للهروب من الطائرة، ولبثوا فيها حتى انفجر خزان وقودها ولقوا حتفهم، هل يمكنك الآن ملاحظة بعين جديدة هدوء شاب ينتظر دوره ليذبح في مذبحة اعتيادية لمجاهدي داعش؟

 

أحيانـًا كبشر في أوقات الأزمات نقلل تقديراتنا لوقوعها وحجم أضرارها، ويتحد وعينا ليمارس بشكل جماعي التظاهر المغيب والهدوء، بينما تزأر العواصف بالخارج استعدادًا لاقتلاع كل ما نختبئ وراءه من أقنعة ورجال قش.

 

(4)
يوم عن يوم تزداد أعداد وعتاد جيش الدولة الإسلامية وهي نتاج فكر “التراث كمرجع لتأويل الحداثة لا الحداثة كمرجع لتأويل التراث”، وليست كما يظن بعضهم مجرد فعل متعصب بلا أساس فكري قوي يمكن التخلص منه بمجرد التبرؤ منه، بل أساسه يمتد من عشرات ومئات السنين من تأويل النصوص الدينية بشكل حرفي ورفض التعامل مع القرآن كنص أدبي، الاتجاه الذي بدأه محمد عبده وطه حسين بالإشارة إلي خروج آدم من الجنة بالمعنى البلاغي لا الحرفيكمثال، وما كان يلي هذا المنهج الثائر في تأويل النصوص بدلاً من التعامل مع القرآن ككتاب ثابت للأوامر والنواهي والسنة كمرجع يسد ما تبقى من ثغرات، وبالتالي غلق الباب أمام أي اجتهاد أو أية طريقة تأويل جديدة لاعتبارها كفرًا بهذا المنهج الوحيد.

 

نتعامل مع نصوص ثابتة لا تتغير في زمن لا يعرف طريقة للبقاء غير التكيف مع التغيرات، ونتيجة لهذا نرى اختلافـًا بين السلفي والإخواني والسلفي الجهادي ولكنها اختلافات غير جوهرية، فقط الاختلاف في مدى تمسكهم بالتراث، اختلاف في الدرجة لا النوع، الأمر الذي يسهل انزلاق الشباب من درجة إلى الأدنى منها بمقدار تمسكه بالتراث ومقدار تفضيله للنقل عن العقل ومحاربته للتغير، مازلنا نتجاهل تلك الحقائق ومازلنا نحاول البحث عن تسوية لحساب اهتمامنا ببطولات زائفة.

 

نهاجم الخمور والمخدرات والأفلام الجنسية ونتلهف لمنعها لأنها تغيّب شبابنا عن الوعي، ثم ترسلهم للعالم ليحدثوا ضررًا ما، بينما تمارس مؤسسات إعلامية ودينية الدور نفسه بشكل ممنهج وبأضرار أكثر جسامة، تعيش وسطنا أفكار تكفيرية وأصوات مهللة لتصرفات داعش على خلفية تفسير سلفي للإسلام ونصوصه، وآخرون ما زالوا مؤمنين ويروجون لنموذج أسطوري يسموه الدولة الإسلامية بدون رؤية متماسكة قابلة للتطبيق، رغم مآسي السودان وباكستان وأفغانستان والسعودية.. إلخ

بينما انشغل مثقفونا بخلق رجال من القش تسمى “خطر الإلحاد علي شبابنا” بدلاً من تناول أطروحات تأويل أكثر تسامحًا ورؤى أكثر تطورًا للإسلام كأفكار نصر حامد أبو زيد وجمال البنا، ننزلق في جوف دولة عسكرية تقوم على أنقاض مذابح ودماء ولا تمانع في إراقة المزيد، ونتجاهل الأحداث الجارية ونمارس حياتنا الطبيعية على أمل أن تمر، بينما تشتعل بيننا نفوس من الغضب والكره منتظرة غد الانتقام ممن ارتكبوا وممن صمتوا.

 

 

تزأر العواصف بالخارج وبيننا، وما زلنا نصنع رجالاً من القش، ونستدعي لذة وسذاجة الطفولة ونحن نحطمها، متظاهرين بامتلاك رفاهية الوقت والعبث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد