عن نقدِ عزمي بشارة لمهدي عامل.. الجُزء الثاني

في رأينا أن التحدّي الكبير الذي وضعَتهُ الظروف التاريخيّة للمشرقِ العربيّ الكبير أمام الباحثين العربي في موضوعِ الطائفيّة، ينقسمُ إلى اثنين: أوّلًا، رصدُ تحوّل الطائفةِ الاجتماعيّة إلى طائفةٍ سياسيّة تتخطى تمييزات نظامِ الملل وسياساتهِ إلى بلورةِ الجماعة. وثانيًا، رصدُ عمليّة تحويل الجماعات أو الديانات والمذاهب «الأخرى»، وتفكيكها إلى أقليّات قياسا بأكثرية طائفيّة… وصولًا إلى الأكثريّات بعقليّة طائفيّة. وهذا ما لم يكن قائمًا بصورةٍ دائمة.

اقتبسُ عزمي بشارة من مقالةٍ كتبها، حول الظروفِ والمُجرياتِ التاريخيّة لصناعة الأقليّات في المشرقِ العربيّ وينظرُ في علاقةِ الطائفةِ بمسألةِ الديمقراطيّة في المشرقِ العربيّ، ووفقًا لذلك تكونُ الطائفيّة تخيّل مُنحرف، قائم على تفتيت الدولِ والأوطان(4). وغيرُ قادرة على إتمام مهامِ الحداثةِ العربيّة، بالتالي تشكيل أمّة عربيّة على أساسِ المواطنة في الأقطارِ العربيّة. فسؤالُ عزمي بشارة لمهدي عامل كما أراهُ: هل الطائفيّة السياسيّة من المُمكنِ تفكيكُها وبناءِ أمّة المواطنين دونَ الثورةِ التي ستهدمُ «البُنيةِ الكولنياليّة» بالتالي إنجازُ مهامِ الاستقلالِ والنهوضِ العربيّ دونَ شرط تشكيل العلاقاتِ الاشتراكيّة؟ سأناقشُ سؤالَ عزمي بشارة خلال مُصطلحين: «الحداثةِ المشوّهة» ثمّ «الجماعة الطائفيّة المُتخيّلة».

العمليّة التاريخيّة التي جرت منذُ نهايات القرن العشرين، خلالِ فترةِ الرأسماليّة الجديدةِ(neoliberalism) هي أعادت إنتاج ما تمّ إنتاجهُ منذُ الاستعمار في القرنِ التاسع عشر، الأيديولوجيّات المحليّة، والعصبيّات القبليّة، والهويّات الطائفيّة. مما يُعيق التخيّل على أساسِ الهويّة العربيّة، لذلك تكوّنت «الحداثةِ المشوّهة» من خلالِ علاقاتِ الإنتاج في الدولِ العربيّة التي لا تخدم المصالحِ القوميّة (رأس المال، السوق، المُجتمعِ المدنيّ)، بل تخدمُ الصراعاتِ المحليّة في إطارِ الدولةِ القُطريّة العربيّة. بما أن الأنظمةِ القُطريّة ربطت مصالحَ «قطاعاتٍ اجتماعيّة» مُعيّنة بوجودِ الدولةِ، فأصبحت الدولةِ حكرًا لهذهِ «القطاعات الاجتماعيّة»، وهي بالتالي مسؤولة عن تطوير أدواتِ تخيّل الهويّات المحليّة من أجلِ شرعيّتها وهيمنتِها كطائفةٍ أو قبيلةٍ… إلخ(5).

المقولةِ المركزيّة التي نجدُها عبرَ شروحاتهِ حول «الحداثةِ المشوّهة» بأن الهويّات أصبحت سياساتُ قوّة تتبعُ لمصالحَ الصراعاتِ القائمةِ منذُ فشلِ مشروع الحركاتِ الوطنيّة والقوميّة بمأسسةِ التخيّل على أساسِ الهويّة العربيّة. يُحاول عزمي بشارة من خلالِ شروحاتهِ عن تعثّر الديمقراطيّة، فهم تعثّر الهويّة العربيّة من خلالِها، أي رصدُ ديالكتيك الهويّة ذاتِها وتحوّلاتها داخلِ الفضاءِ العربيّ. الوعيُ بهويّةٍ نتيجةِ انحسار أو انفتاحِ أدواتِ التخيّل يقودُ إلى مشروعٍ سياسيّ حديث، أو مشروع حداثةٍ مشوّهة. الوعيُ متحوّل وأيضًا مُتخيّل نتيجةِ الجوانب الخارجيّة (علاقاتِ الانتاج وصراع قوى الإنتاج)، ولكن تخضعُ لمركزيّة الهويّة، تحوّل الهويّات في الفضاء العربي هي نقطةِ انطلاق عزمي بشارة في فهمِ الطائفيّة، وفي الطريق لفهمِ هذهِ التحوّلات التي جرت، يربطُها في سياقِها المادّي الاقتصادي والسياسيّ. وينتجُ عن ذلكَ فاصل نظريّ بين الهويّة والسياقِ المادّي.

ويفتحُ إمكانيّة نظريّة لحلّ مشكلةِ الطائفيّة دون القطع البُنيويّ في الفضاء العربيّ بالضرورةِ، كما كتبَ مهدي عامل. الفصلُ بين الطائفيّة الاجتماعيّة والطائفيّة السياسيّة (في ظلّ العلاقاتِ الاستعماريّة) هو أحد مُرتكزاتِ نظريّة عزمي بشارة حولَ الطائفيّة، بمعنى التمكّن من فصلِ الطائفيّة كهويّة ومُمارساتٍ اجتماعيّة، والطائفيّة كمصالح ومُحاصصة سياسيّة في الفترةِ الحديثة، أداة نظريّة لحلّ مسألةِ الطائفيّة من خلالِ سياساتِ المواطنة والديمقراطيّة دونَ شرطِ هدمِ البُنيةِ.

«الجماعة الطائفيّة المُتخيّلة» هي نتيجةِ انحسار أدواتِ التخيّل، وتشكّلت على أساسِ القرابةِ والمذاهب، في فترةِ تصلّب عُود الاستبداد وفشلِ عمليّة «التحديث» بتكوين طبقةٍ وسطى تخترقُ الطوائف وتفتح أفق التخيّل على أساسٍ القوميّة العربيّة الثقافيّة، تبعًا لذلك عادت القوى الاجتماعيّة التقليديّة لتُصبح سياسيّة، وتُطالب بحصصٍ من ثروةِ الدولة. وتظهرُ الطائفةِ المُتخيّلة من خلالِ أدوات الدين والمذهب وماضٍ مُشترك ومظلوميّات تاريخيّة وشُهداء وأبطال، وتُصبح أساسُ المُمارسةِ الاجتماعيّة عند الجماعةِ وتكونُ بذلك أحد بوادر تفتيت الجماعةِ القوميّة المُتخيّلة على أساسِ اللغةِ والثقافةِ. والفرقُ عند عزمي بشارة بين الاثنين، فقط أدواتِ التخيّل وتكونُ بالضرورةِ معياريّة (6).

وفهمُ بروز الطائفيّة وأزمتِها في لبنان، ينظرُ إليها من خلالِ أزمةِ نظامِ التوافقيّة الديمقراطيّة. ويقصدُ بذلك عدم مرونةِ النظامِ التوافقيّ الذي وضعتهُ الطائفةِ المارونيّة، بالنسبةِ لتمثيلِ الطوائف الاسلاميّة وموقعها من السُلطةِ والدولةِ وأصرّت على شكلٍ من النظام يُكرّس هيمنةِ الطائفةِ المارونيّة. فشلُ النظام بعدمِ قيامهِ على المواطنةِ المُتساوية (على الأقلّ نظريّا)؛ مما يجعلُ قيادة الطوائف عبرَ الطائفيّة السياسيّة التي تُنهي على المواطنةِ المُتساوية والتخيّل العربيّ كمشروع سياسيّ. وهُنا يظهرُ الفصلُ النظريّ بين الطائفيّة الاجتماعيّة والطائفيّة السياسيّة، والفصلُ النظريّ عند عزمي بشارة يقع ضمن التمسّك بالهويّة، بأن الهويّة وبالتالي التخيّل، أساسُ المُمارسةِ الاجتماعيّة ولكن دون المُمارسةِ السياسيّة، بمعنى تحديد الصراع الطائفي كصراع هويّات بالأساس، ويُتيح إمكانيّة نظريّة لإصلاحِ النظامِ اللبناني دون الحاجةِ إلى الثورةِ في العلاقاتِ الاجتماعيّة(7).

خاتمةُ المنهج والفهم

إن موازين القوّة هي أساسُ الرأسماليّة. ويُمكن إيجادُها على كافّة مستوياتِ الحياةِ الاجتماعيّة.

الكلماتُ الأخيرةِ أضعُها وأقتبُسها من المؤرخ الفرنسيّ فرنان بروديل (8) لكي أحاول استخلاص مُرتكزاتٍ نظريّة من الاثنينِ معًا، مهدي عامل وعزمي بشارة. من خلال رؤيةِ العلاقات بين الطائفيّة كمُمارسةٍ اجتماعيّة وتخيّلٍ والبُنيةِ الكولنياليّة في المنطقةِ العربيّة، كما كتبَ بروديل عن تطوّر الرأسماليّة عبرَ العلاقاتِ (التراتبيّة) والحياةِ الاجتماعيّة في أوروبا.

المنهجُ الذي وضعهُ مهدي عامل في تحليل الطائفيّة كمُركب عضوي للعلاقاتِ الكولنياليّة في لُبنان، وهُنا نجدُ عدم التمييز بين الطائفيّة الاجتماعيّة والطائفيّة السياسيّة، ويضعُ مُصطلح الطائفيّة لوصفِ العلاقاتِ بين البرجوازيّة الكولنياليّة وزُعماءِ الطوائف وجماهير الطوائف، دونَ اعتبارٍ لتاريخيّة الطائفةِ ذاتِها كمُمارسةٍ اجتماعيّة، بمعنى القطعُ البنيويّ الذي حصلَ مع دخولِ الاستعمار منذُ القرنِ التاسع عشر، كان سببًا في تنحيةِ الطائفيّة الاجتماعيّة عند مهدي عامل ولذا لم يستطع نقاشِ السؤال الذي يطرحهُ عزمي بشارة: هل مُمكن حلّ مسألةِ الطائفيّة دونَ شرط الثورةِ الاشتراكيّة؟

تماسك وترابط العلاقات الكولنياليّة، الاقتصاديّة والأيديولوجيّة والسياسيّة كما يطرحُها مهدي عامل تُمكننا من فهمِ الحاجةِ إلى ثورةٍ بنيويّة من أجل تفكيكِ الطائفيّة نظريّا، ولكن السؤال الذي يطرحهُ عزمي بشارة وبذلك يُكمِل مهدي عامل، هو حولَ المُمارساتِ الاجتماعيّة للطائفةِ. وفي الحين ذاتهِ التمييز والفصلُ بين المُمارسةِ الاجتماعيّة والسياسيّة في الراهن، هو فقط نظريّا. وهُنا مهدي عامل يُكمل عزمي بشارة بأن فهمُ العلاقات الكولنياليّة في لُبنان هو بالضرورةِ مُتماسك مع الطائفيّة كحياةٍ اجتماعيّة، وهكذا مهدي عامل يضبطُ الإمكانيّات التي طرحها عزمي بشارة حول نظامِ التوافقيّة الديمقراطيّة، ويبيّن بأن هذهِ الإمكانيّة غير مُجدية طالما مسألةُ العلاقاتِ الكولنياليّة لم تُحلّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر