عن نقدِ عزمي بشارة لمهدي عامل.. الجُزء الأوّل

مُشكلة هذا النوع من «الكلامولوجيا» السجاليّة والاعتقادية عند مهدي عامل ليست فقط فُقدانه الصلة بالواقع التاريخي، وفرض تركيب طبقي من وحي كتاباتٍ ماركسيّة بنيويّة على بُنى اجتماعية مُركبة لا تقتصرُ على برجوازيّة كولنياليّة وطبقة عاملة، بل أيضًا عدم تمكّن هذه اللغة الأقربُ إلى الشعارات والقوالب الجاهزة الفاقدة العلاقة بالواقع التاريخي، وبالنظريّة الاجتماعيّة في آنٍ معًا، من تقديم حلّ ديمقراطي للطائفيّة، يقومُ على فهم دورها التاريخي ونهاية هذا الدور.
عزمي بشارة، الفصلُ التاسع من كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة

توطئة

ختم عزمي بشارة كلامهُ عن مهدي عامل بهذه الكلمات، بعد نقاشٍ لم يطل أمدهُ مع المنهج الماركسيّ، في النظر إلى ظاهرة الطائفيّة بالأخصّ في لبنان السبعينيّات والثمانينيّات، كونها كانت ساحة النقاش حول الطائفيّة، جذورها وتطوّرها. وجدتُ بأن النقاش الذي فتحهُ عزمي بشارة لم ينته عند كلماته في الاقتباس، لذلك من الواجب أن نُعيد النظر بكثافةٍ علميّة إلى الكتابات عند مهدي عامل في هذا المجال لكي نفتح باب النقاش والحوار من جديد عن الطائفيّة.

ما نراهُ عند مهدي عامل كناقد فلسفي هو عدم تميّز ظاهرة الطائفيّة من حركة التاريخ الدائمة (الصراعٍ طبقيّ) كما حددهُ كارل ماركس في بيانه الشيوعي بأن الصراع الطبقيّ هو عابرٌ للجُغرافيا ومُتجذّر في تاريخ العالم. بالمُقابل، عند عزمي بشارة نجد تميّزًا للظاهرة الطائفيّة في الجُغرافيا العربيّة وسيرورتها بالأساس هي خاصّة للجُغرافيا والهويّة.

لكي نستطيع أن نُطلق حوارًا حقيقيًّا ونخرُج من ذلك بمُقدّمة علميّة لفهم الطائفيّة في المنطقة العربيّة، يجبُ علينا أن نُدرك مُحاولة مهدي عامل في سياق مشروعه الفكريّ لفهم حركة التاريخ في المنطقة العربيّة المُتعلّقة برأس المال العالميّ والهيمنة الإمبرياليّة. ويكون بذلك مهدي عاملًا شارحًا ويضعُ نظريّة لسياقٍ نشأت فيه «الطائفيّة السياسيّة» التي هي مُركبٌ رئيسيّ لمُجتمعاتنا من منظور الرأس المال العالمي لضمان التراكم، بذلك نستطيع أن نعي إفادته في النظريّة الاجتماعية العربيّة.

بحثه في أسباب الحرب الأهليّة اللبنانيّة ينطلقُ من تحليلٍ للبُنية الاجتماعية الراهنة في لبنان، بمعنى علاقاتها الحديثة منذُ القرن التاسع عشر مع الرأس المال العالمي. المُقاربة في فهم الأزمة الطائفيّة من منظور الطبقة المُستغلة (مع فتح اللام) هي «العلميّة» الوحيدة على حدّ قوله. علاقات الاستغلال بين القطاع الخدماتي في لبنان (القطاع المركزي لخلق القيمة) و«القوى البشريّة» في لبنان هي العاملُ الرئيسي لفهم «الطائفيّة السياسيّة» الراهنة، من هُنا تقتصرُ إفادته على التحليل الراهنيّ للظاهرة الاجتماعية وضبط (أي فصل) علاقتها مع تُراثها وتاريخها كونها «الطائفيّة السياسيّة» هي ظاهرةٌ وأزمةٌ راهنيّة لذلك تحليلها يجبُ أن يكون حاضرًا وراهنًا. فمقالتي ستُحاول فهم المُقدّمات النظريّة عند مهدي عامل حول «الطائفيّة السياسيّة» في فصلها الأوّل، وفصلُها الثاني سأناقش نقد عزمي بشارة على مهدي عامل ومفهوم تخطّي المنهج لأولويّة الفهم، ومُناقشة سؤاله حول الطائفيّة بأنها ظاهرةٌ لها مُميّزاتها وفهمُها مُتعلّق بالظروف التاريخيّة، ولكن إمكانيّة الحلّ فقط عبر مُعالجتها كظاهرة اجتماعيّة.

ثلاثة مواقع لمواجهة الطائفيّة

قد تمكّن جرامشي بوضعه لنظريّة «حربُ المواقع» بإنشاء تمييزٍ وتعقيدٍ بين إمكانيّات مُمارسة الثورة وفقًا لشكل المُجتمعات وتطوّرها المادّي التاريخي. اعتمدها للتمييز بين المُجتمع الروسيّ الذي تحققت فيه الثورة بعام 1917، وعدم تحقق الثورة في دول غرب أوروبا، تقولُ نظريّتهُ بأن نموّ المجتمع المدنيّ ونضوجه خارج سُلطة الدولة في غرب أوروبا شكّل نوعًا من أنواع «الحصن الأيديولوجيّ» للرأسماليّة وهذا الحصن أو الموقع يُعبّر أيضًا عن مُمارساتٍ مادّية ليس فقط أيديولوجيا وفكرًا، ولذلك إمكانيّات الثورة تنخفض أو بحاجة لجُهدٍ أكبر وحرب أطول على المواقع. وعندما كتب مهدي عامل نظريّة في التخلّف أو جمود الوطن العربيّ، كشف لنا عن ثلاثة مواقع تمهيديّة لفهم العلاقات الاجتماعية أو البُنية في الوطن العربيّ.

فهمُنا لمهدي عامل ووعينا لكتاباته مُتعلّق بشكلٍ أساسيّ بالرجوع إلى «قاموسه الفكري» أي العودة إلى كتابه الأوّل (مُقدمات نظريّة)، كي نُحدّد مُصطلحاته وكلماته ووضعها في سياقها. المُصطلح المركزيّ «نمط الإنتاج الكولنياليّ» الذي سيُرافقنا خلال المقالة ومن خلاله تمكّن من اختراق العلاقات الاجتماعية سواء الطائفيّة، القبليّة و…إلخ.

المُصطلح هو نتاجُ أزمة تطوّر الرأسماليّة في العالم الثالث وبشكلٍ خاصّ المنطقة العربيّة، منذُ بدايات الفترة الاستعمارية في المنطقة العربيّة، كعلاقات تجاريّة ونهبٍ للموارد الخام، وحاجة أوروبيّة (أو المراكز الرأسماليّة) لتراكم رأس المال كما نجدُ ذلك مُفصّلًا في شروحات لينين وروزا لوكسمبورغ*.

والعلاقات الاجتماعية التي تتكوّن عبر ثلاثة محاور: الاقتصاديّة، الأيديولوجيّة والسياسيّة التي تكوّنت كبُنيةٍ في جوف المنطقة العربيّة في ظلّ تبعيّتها للمراكز، هذه العلاقات هي ما يُسميها «نمط الإنتاج الكولنياليّ». التي شكّلت بُنية العلاقات الاجتماعية في منطقتنا العربيّة منذُ القرن التاسع عشر، وهُنا يكمنُ ادعاءه المركزيّ بأن الطائفيّة في لُبنان كحالةٍ سياسيّة خاصّة هي جزء أو نتيجة هذه العلاقات أو البُنية الاجتماعيّة التي نضجت مع استقلال لبنان عام 1946.

هذه البُنية نجدها في قاموس مهدي عامل بعنوان «بُنيةٍ أزميّة» بأنها تشكّلت في الطور السالب للرأسماليّة، وسببُ ذلك تبعيّتها للإمبرياليّة التي تُعيق تطوّرها الرأسمالي بشكلها الواسع الصناعيّ (وفق النموذج الأوروبي للرأسماليّة) من هُنا التطوّر التاريخي للرأسماليّة في المنطقة العربيّة مُتميّز بتبعيّةٍ وأزمةٍ. يرى مهدي عامل بأن نقد تبلور الطائفيّة بشكلها السياسيّ الحديث (وأيضًا مواجهتها) عبر منظور الفئات الشعبيّة والجماهير المسحوقة في لبنان من ثلاثة مواقع:

في الموقع الأوّل الإمبرياليّة، كونها أصبحت جزءًا من تطوّر علاقات الإنتاج في المنطقة العربيّة ولبنان خاصّة من خلال ربط الإنتاج التقليدي في لبنان من زراعة وورشات مهنيّة منذُ القرن التاسع عشر بمصالح الإمبرياليّة إلى بداية عهد المصارف منذُ القرن العشرين وتشكّل دورُ لبنان، الوسيط التجاري ومن ثمّ الوسيط المالي بين الدول الرأسماليّة وبلدان المنطقة (1). تطوّر لبنان كوحدةٍ جيوسياسيّة في المنطقة مُتعلّق بدورها في ضمان تراكم رأس المال العالمي، وبذلك اقتصرت خيرات لبنان على فئاتٍ اجتماعيّة مُحدودة، الطُغمة الماليّة.

الموقع الثاني، البرجوازيّة الكولنياليّة التي يتحدّث عنها مهدي عامل في سياق لبنان خاصّة والمنطقة العربيّة، هي الطبقة التي تكوّنت عبر العلاقات واستفادت من هذه العلاقات وأيضًا تُحاولُ جاهدةً تأبيد هذه العلاقات مع المراكز الرأسماليّة. تطوّر البرجوازيّة الكولنياليّة هو فقط تطوّر لعلاقات التبعيّة، كونها تطوّرت في فترةٍ تاريخيّة نضجت بها الإمبرياليّة والرأسماليّة في أوروبا، فلن يكون أمامها إلا أن تكون في ظلّ التبعيّة**. لذلك عند سيطرة الإمبرياليّة الفرنسيّة على لبنان من خلال علاقتها مع الطائفة المارونيّة، أصبحت الطائفيّة الحجرُ الأيديولوجيّ الذي يقوم عليه «نمط الإنتاج الكولنياليّ».

في لبنان، سيطرت البرجوازيّة الكولنياليّة على قطاع الخدمات وتضمن بذلك ديمومة تجددها كطبقةٍ مُسيطرة، وتشكّل وعيًا بذاتها كطبقةٍ ووعيًا لذاتها. بمعنى، سلوكيّات البرجوازيّة الكولنياليّة هي من أجل ضمان سيطرتها وبالأخصّ على قطاع الخدمات وبذلك تَشكّل وعي برجوازي.

عدم تطوّرها الأيديولوجيّ وسيطرتها على الدولة، يعود لأزمتها البنيويّة بعدم استطاعتها تحقيق بناء علاقاتٍ اقتصاديّة رأسماليّة (صناعاتٍ ثقيلة وخفيفة) وهدم العلاقات الإنتاجيّة التقليديّة على حدّ قوله. ويعود ويُكرر مهدي عامل بأن علاقات التبعيّة للإمبرياليّة، هي التي تُعيق بالضرورة هدم العلاقات الإنتاجيّة التقليديّة: «معنى هذا أن ما يتميّز به هذا الإنتاج الكولنيالي من الإنتاج الرأسمالي، برغم كونه شكلًا تاريخيّا مُحددًا منه، هو بالضبط عجزه عن القضاء، في تطوّره التبعيّ وبفعل تبعيّته هذه، على علاقات الإنتاج السابقة على الرأسماليّة التي يؤمن لها، بتعايشه معها، نسبيّا، ديمومة التجدد».(2) هكذا يستخلصُ مهدي عامل بأن تكوين الرأسماليّة في شكلٍ مُتميّز وهو الإنتاج الكولنياليّ، على عكس الرأسماليّة الأوروبيّة، في علاقة «تعايُش» سياسيّ واقتصادي وأيديولوجيّ، مع الإنتاج التقليدي وليس في علاقة «تناحر» وضمن ذلك عدم فصل الدولة عن الطائفة والدين، ويكون للطائفة دورٌ في البُنية الكولنياليّة. وهكذا الدولة الطائفيّة هي تضمن إعادة إنتاج العلاقات الكولنياليّة.

الموقع الثالث، تكونُ المواجهة مع التمثيل السياسي الطائفي للجماهير، كونهُ يُلغي علاقات الاستغلال الطبقيّة ويُعيق صياغة نضالٍ ضدّ الإمبرياليّة والبرجوازيّة الكولنياليّة. ينظرُ مهدي عامل للطبقة، كوجود معياريّ يُصنّف موقع الجماهير من الصراع الطبقي الراهن. وهكذا يتمكّن الزُعماء الطائفيين بتحصيل وجودٍ سياسيّ، وكما أطلق عليها مهدي عامل «الإقطاعات السياسيّة» التي يتمّ إنتاجُها كضرورةٍ للعلاقات الكولنياليّة والتبعيّة القائمة للإمبرياليّة، من خلال «تعايُش» مع علاقات إنتاج سابقة على الرأسماليّة، وبالتالي الدور المادّي لتكوّن زُعماء الطوائف في ظلّ «نمط الإنتاج الكولنياليّ» لإعاقة تشكيل الجماهير كقوّة سياسيّة مُستقلّة وضمان تجدّد العلاقات الكولنياليّة التي تضمن لهم حصة مُتميّزة بحجم قُدرتها على إخضاع الجماهير كطوائف. التمثيل السياسي الطائفي عند مهدي عامل، هو أحد أعمدة البُنية الاجتماعيّة الكولنياليّة وهي تخدم المصالح الماليّة للبرجوازيّة الكولنياليّة، ويصفُها بأنها علاقات الوكالة الطبقيّة:

بأن القاعدة المادّية للبُنية الاجتماعيّة الكولنيالية التي تفسر لنا تلك العلاقة السياسيّة من التمثيل الطائفي القائمة بين الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبيّة وبين «الإقطاعات السياسيّة»، هي نفسُها التي تُفسّر لنا هذه العلاقة السياسيّة من نوع آخر بين هذه «الإقطاعات» وبين الطغمة الماليّة في إطار الوحدة الطبقيّة للطبقة البرجوازيّة المُسيطرة، أو للتحالف الطبقي البرجوازيّ المُسيطر. العلاقة السياسيّة هذه هي من نوع آخر لأنها، بالتحديد على نقيض العلاقة الأولى، ليست علاقة تمثيل طائفي بل هي بالعكس تمامًا، علاقة تمثيل طبقي على صعيد السُلطة، أو قل إن جاز التعبير، علاقة وكالة طبقيّة هي وكالة سُلطة.(3)

تتجلى الفروقات بين الطائفة والطبقة عند مهدي عامل في السلوك والمُمارسة الاجتماعيّة، بمعنى أنه يُميّز بين البرجوازيّة الكولنياليّة وزعماء الطوائف والجماهير من خلال مُمارستها الاجتماعيّة، بمعنى أن البرجوازيّة الكولنياليّة لديها وعيٌ بمصالحها المُتعلّقة بشكلٍ ضروريّ بالإمبرياليّة وعلى هذا تتصرّف اجتماعيّا، أما فيما يتعلّق بالمُمارسة الاجتماعيّة عند زُعماء الطوائف، فهي مُمارسةٍ طائفيّة تخدمُ أشخاصها وتنهبُ وتُحاصص الدولة عبر تمثيل الطائفة، ومُمارستها هي تحالفٌ مع البرجوازيّة الكولنياليّة لضمان تجدّد العلاقات الكولنياليّة. من هُنا يُلاحظ مهدي عامل بأن للطائفة وجودًا حقيقيًّا اجتماعيًّا من منظور البرجوازيّة الكولنياليّة المُسيطرة، ونقد الطائفيّة من منظور النقيض للبرجوازيّة الكولنياليّة (أي الفئات الشعبيّة) عبر نقد العلاقات الكولنياليّة التي شكّلت الطائفة السياسيّة.

هوامش

*في بداية القرن العشرين روزا لوكسمبورغ في دراستها «تراكم رأس المال» ولينين في دراسةٍ بعنوان «الإمبرياليّة أعلى مراحل الرأسماليّة» وجدوا بأن نموّ ونُضج الرأسماليّة التي تكوّنت في دول غرب أوروبا والولايات المُتحدّة بالضرورة ستقود إلى استعمار الشعوب ونهب ثروات العالم وتقسيمُ العالم. وأيضًا في الفترة الراهنة المبدأ ذاتهُ قائم، كما نرى في مقالةٍ نُشرت على الأخبار: «سلاسل القيمة المضافة» والاقتصاد العالمي الراهن تُفسّر لنا كيف يتمّ نهبُ العالم وتركيز الأموال والثروات في أوروبا والولايات ودول المركز الرأسمالي.

**يُعالج مهدي عامل مسألة العلاقات الكولنياليّة في لبنان والمنطقة العربيّة، من خلال تماسك البُنية الاجتماعيّة التي تقومُ على الاقتصاد، والأيديولوجيا والسياسة، لذا عند دخول المنطقة العربيّة طور العلاقات مع الرأس المال الأوروبي وتمازج العلاقات الاجتماعيّة السابقة الطائفيّة، القبليّة و…إلخ مع علاقات التبعيّة الاقتصاديّة للإمبريالية. بالتالي يقولُ مهدي عامل بأن حركة التحرّر الوطنيّة هي الوحيدة القادرة على مواجهة الإمبرياليّة وهدم العلاقات الكولنياليّة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد