لا يخفى على اثنين يربطهما الانتماء العربي كيف أن الربيع بميزات الخريف، الذي عم بعض الدول العربية، قد أيقظ نقاشًا قديمًا متجددًا بين العقول العربية المفكرة السياسية والمدنية منها، إنه نقاش الحسم بين خصمين فكريين، هما العلمانية والأصولية الإسلامية.

لقد بدأت فكرتا العلمانية والسلفية على أنهما ثورتان فكريتان، غايتهما محاربة الاستبداد الفكري التركي على الفكر العربي، لكن سرعان ما تحولا إلى طرفي صراع، كل واحد منهما يحاول فرض هيمنته في المسارين الفكري والسياسي للأمة العربية؛ إذ تفاعل معهما العقل العربي كموجهين للدولة وبهما يتبين نجاحها من فشلها.

بيد أن الصراع المشار إليه سلفًا لا يتجاوز حدود الفكر النظري المجرد، فحتى في عالم السياسة المحتد بالصراع نظريًّا، نلحظ غياب وانعدام هذا الصراع، إذ ترتكز التحالفات الانتخابية على تغليب المصلحة العامة للوطن، وهذا ما ميز أغلب الحكومات المغاربية خصوصًا؛ فهذا حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالمغرب يقود حكومة ذات غالبية يسارية علمانية، والشيء ذاته في تونس وإن انقلبت المعادلة.

إن تحليل مآلات الصراع القائم بين العلمانية والسلفية، يجعلنا نقر بنفعية هذا الصراع على الدول العربية؛ إذ إن وجوده دليل على الديمقراطية بهذه الدول، إضافة إلى دوره في فتح عقول المواطنين بها للتفكر والإبداع الفكري. وعليه فإني أرى ضرورة فسح المجال لدولة مدنية تحتضن جميع الأطراف، استنادًا إلى اعتبارات عدة.

إن قيام دول بأنظمة مدنية من بين الضرورات التي لا مناص منها لتحقيق حياة تعج بالديمقراطية، وتضمن العيش الكريم للكائن البشري، سوى أن الإشكالية الحقيقية التي تحول دون ولادة هذا الجنين المبارك في بلداننا، هو عدم فهم العلاقة الوطيدة التي تربط بين فطرة البشر على اختلاف توجهاتهم وبين الدولة المدنية وولعهم بها أحيانًا، أو أن ثلة منهم يفهمون هذا المفهوم والمفاهيم المحيطة به فهمًا خرافيًّا مجانبًا للحقيقة.

ولن أبين الحاجة إلى دولة مدنية، قبل الإشارة إلى الفهم المغلوط للعلمانية الوسطية، كونها اللبنة الأساس التي تقوم عليها الدولة المدنية الناجحة، إذ لم يستطع الكثيرون محو الأفكار المضللة التي تراكمت لدينا حول العلمانية، بفعل التضليل الممنهج الذي تمارسه الدولة علينا في المقررات الدراسية، أو التسويق للعلمانية بوصفها رمزًا من رموز الكفر والزندقة والإلحاد.

لن ينكر عاقل أن ما من فكر إلا وله فكر متطرف مواز له، لذا سأحاول الحديث في ما سيخلف عن العلمانية الأصل، العلمانية الوسطية، إذ تعني التعامل داخل مؤسسات الدولة وفضاءتها العامة انطلاقًا من زاوية لا تمييزية بين التوجهات والاعتناقات الأيديولوجية للمواطنين في حدود حرياتهم الفردية، كذا تركيز سياسات الدولة على القيم الأخلاقية العامة بدلًا من القيم الدينية الخاصة التي كانت إلى عهد قريب بوصلة الدولة.

لقد برزت الدولة المدنية مع الفلاسفة اليونانيين القدامى، خصوصًا مع أفلاطون، الذي روج بطريقة غير مباشرة للفكرة، عبر كتابه الشهير «الجمهورية»، إذ يرى أن لا حياة كريمة إلا بدولة تحفظ حقوق المواطنين الأبدية، مع تقليص سيطرة العقليات الميتافيزيقية على الحياة اليومية للدولة، الشيء ذاته الذي دعا اليه الغزالي بلغة غير مباشرة أيضًا في كتابه المفخرة «المدينة الفاضلة».

وإذ أنني متأكد من أن الحجج النظرية السالفة الذكر ليست كافية بما يليق، فإني أدعو إلى التفكر في حال الجمهورية التركية بعد العلمانية، وكيف نجح النظام العلماني فيها بتحقيق إقلاعات نوعية في مجالات حقوق الإنسان والتنمية، فتعالوا بنا نقتفي آثار هذه التجربة الناجحة ونفسح المجال لدولة مدنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد