مع ظهور “مفهوم الدولة” وتشكله ومعه كذلك ظهور مفهوم “الحدود السياسية” وتشكله اللذين يستندان في أسسهما على مبدأ “المواطنة”، – حيث القانون الوضعي هو المعيار الذي يستند إليه الجميع- بدلاً من “مفهوم الأمة” الذي تلاشى كليًا والذي كان يستند على مبدأ “الرعية” – حيث الديانة أو العرق أو النوع بشكل عام، هو معيار الحكم والاحتكام- أصبح معه الأمر بعد ذلك من اللازم والحتمي  تغيير القوانين والتشريعات وتكييفها مع ضرورات المرحلة ومتطلباتها.

في هذا الصدد نجد أن تبني نمط الحكم وفق الأسس العلمانية كما هو سائد في معظم الدول الديمقراطية في العالم، ومن خلال مختلف التجارب، تبين فيما لا يدع مجالاً للشك أن النظام العلماني – رغم ما يمكن أن يعتليه من عيوب ونقائص- يبقى أحسن الأنماط السائدة في تدبير العلاقة بين الدولة والمواطن، وأن تلك الدول التي تعيش عدالة اجتماعية، ورقيًا في مختلف المجالات هي تلك الدول التي يسود فيها هذا النمط من الحكم، لذلك نرى أنه من الجحود وحتى من اللا منطق البحث عن مبررات أو مسوغات تمنع الأخذ بالنموذج والعمل به، خاصة في فلسفته العامة الهادفة إلى تقدير قيمة الإنسان كإنسان بغض النظر عن شيء آخر.

لكن مع كل هذا لماذا نجد كل ذلك – الرفض المطلق-  و تلك –اللا قابلية- عند المجتمعات الشرقية بالذات “للعلمنة”؟، وما سر تعلق الإنسان الشرقي بأنماط سياسية وثقافية – بالية- ومتجاوزة كثيرًا بالمقارنة بتلك السائدة حاليًا، وفيما يتماشى في ذلك مع ضرورات العصر الراهن ومتطلباته؟ بالرغم من أن هناك مجتمعات وأمم مماثلة، بما فيها تلك الأكثر والأشد ثيوقراطية، قبلت بها واعتمدتها كنظام للدولة، وكآلية في تدبير شؤون النظام في علاقته بالمواطن، دون أن يثير ذلك حفيظة تلك المجتمعات أو اعتراض كبير منها، عكس ما هو عليه الأمر في الشرق؟.

ولماذا كذلك كل ذلك الرهاب عند الإنسان الشرقي (المحافظ في عمومه)، من كلمة “علمانية” و”علماني”، ونبذه لهما ولا يرتاح عادة لمضمونهما، رغم أنه يعرف أنها يمكن أن تكون -الحل السحري- الأمثل لما تعيشه المجتمعات والدول من حوله من صراعات إثنية ودينية وثقافية، وغيرها؟

فهل للأمر علاقة بالمفهوم نفسه وحمولته الثقافية أو حتى السياسية، وما يمكن أن يثيره من سوء فهم أو خلط، خاصة في ظل شبهة إسقاطاته في سياقات توظيفه كآلية مبدئية في أي نظام حكم في الغرب مثلا؟ أم أن الأمر لا علاقة له نهائيًا بذلك، بقدر ما هو فقط في الأول والأخير مرتبط بأشخاص وتيارات تبنته وروجت له داخل المجتمع الشرقي، والتي نقلت صورة محرفة ومشوهة عنه وعن الغاية والهدف الحقيقي له؟

نعتقد من كل هذا وذاك أن أجوبة التساؤلات السابقة تكمن في عقلية -العلماني الشرقي- وتفكيره بالدرجة الأولى، إذ من خلال مختلف الصراعات والنقاشات الفكرية والإيديولوجية بين أنصار هذا التيار ومتبنيه ومعارضيه من المحافظين أو حتى من العوام، فإننا نجد أن سبب الرفض المطلق والمبدئي لأي شكل نظام سياسي من هذا القبيل، وأن نفور الإنسان الشرقي عامة من “العلمانية” بالذات، مرده بالأساس إلى الطريقة “المستفزة” والانتقائية التي يعرضها بها كثير من المتبنين لها داخل المجتمعات.

إذ معروف أن مصطلح “علمانية” اكتسب دلالة سيئة في العالم الإسلامي بعد إقامة النظام السياسي العلماني في تركيا في عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك، وحتى بعده من خلال تجارب مختلفة حاولت تطبيق النموذج بشكل -قسري- وضدًا على إرادة المجتمع، إذ  باءت كل محاولات إخضاع المجتمعات أو إرغامها على القبول به بالفشل، بل إنها في كثير من الأحيان أدت تلك المحاولات إلى نتائج عكسية تمامًا، كما هو الحال  في تجربة الشاه في إيران، وبورقيبة في تونس وعبد الناصر في مصر… وغيرهم)، حيث أفرزت تلك التجارب مجتمعات أصبح الإنسان فيها -أميل- إلى النموذج الإسلامي المحافظ منه إلى النموذج العلماني.

صحيح أن السبب الديني هو الذريعة الأساسية التي يواجه بها معارضو العلمانية في الشرق للنموذج، ولذلك دائمًا ما يكون الرد في هذا الصدد لا يقل تطرفـًا من التطرف العلماني، وذلك من خلال شعار أن “الإسلام هو الحل”، خاصة في تبنيه من قبل العديد من الحركات والتيارات الإسلامية، والتي غالبًا ما لا تراعي البنية الحديثة والمتغيرة للمجتمع والدولة والاختلاف بين مختلف مكوناته، مما يجعلنا نرى معه أن من اللاعدل إخضاع الجميع لنمط ديني معين مع اختلاف تركيبة الدولة.

لكن المبين من خلال سلوكيات وطرق تعاطي وترويج غالبية العلمانيين لهذا النموذج، أن الإشكال الأكبر ليس في مفهوم العلمانية في حد ذاته، بقدر ما هو في عقلية -العلماني الشرقي- نفسها، إذ تجد أن الأكثرية لا تؤمن حق الإيمان بالأسس والمرتكزات الحقيقية التي تستند عليها، بقدر ما يقتصر فهمهم وترويجهم للفكرة، على بعض الجوانب التي غالبًا ما تكون سطحية وهامشية وبطرق انتقائية، مع تركيزهم بالذات على تلك التي تثير وتستفز وتنفر الطرف الآخر منه، أكثر مما تحفزه على الانخراط والقبول به.

إذ غالبًا ما تجد العديد من العلمانيين يختزلون المفهوم فقط في شرب الخمر، والحرية الجنسية وطرق اللباس، وغيرها من الأشياء التي لا تشكل الهدف والغاية الأساسية التي ترمي إليها العلمانية، رغم أنها في الوقت نفسه هي مثار الجدل والاختلاف خاصة أنها لا تراعي الحقوق العامة، وخصوصية المجتمع، وهو ما يجعلهم في ذلك لا يختلفون في شيء عن أولئك الإسلاميين المتطرفين الذي يختزلون الإسلام في نكاح الجواري وقطع الرؤوس ونهب أملاك الآخرين باسم الدين… وغيرها.

وهذا ما يجعل من “العلماني الشرقي” إنسانًا تصادميًا وغير واع، إذ باقتصار دعواته بشكل شبه متعمد على تلك الأشياء التي تشكل بالضبط حساسية مفرطة لدى الإنسان الشرقي ولا تراعي النظرة المحافظة لدى فئات واسعة من المجتمع نحو تلك المواضيع، غالبًا ما يؤدي إلى ذلك النفور وربما يولد الرغبة في الاصطدام مع أصحاب الطرح ورفضه رفضًا باتًا، بل إن من الأسباب المباشرة لانتشار التطرف الديني هو انتشار التطرف العلماني.

زد على ذلك أن – العلماني الشرقي- متناقض في ذاته ومع نفسه، فهو يؤمن بحرية الاختيار، لكن مع ذلك يرفض تمامًا أن يقوم شخص “إسلامي” بتسيير نظام الحكم حتى لو تم ذلك باختيار من الشعب، كما أنه لا يسعى لإلغاء تحديد دين للدولة كما يتم الترويج له، أو لجعل معيار القانون هو الذي يسند إليه الجميع في حكمهم وتحاكمهم، بقدر ما تجد أن معظمهم بشعور أو بدونه يدعون ويسعون نحو علمنة الناس أكثر من دعواتهم لعلمنة القانون.

من كل هذا وذاك فلو أن – العلماني الشرقي- (تعقل) وتخلى عن نزعته الاستفزازية والمتطرفة التي يقدم بها الأمور، والتي تجعل من المفهوم مشوهًا ومرادفًا للميوعة والانحلال وكل تلك الصفات التي تثير صدامًا مع الآخر، وتخلق نفورًا لدى غالبية فئات المجتمع، بدل الترويج عن القيم المثلى والقيمة الكبيرة له، وما يمكن أن يكون له من دور في إنقاذ المجتمعات من كل ذلك التخلف والفوضى العميقة التي تعيشها، والتي تتفاقم يومًا بعد يوم وسنة بعد أخرى، فإننا نعتقد أنه لما كان لاقى كذلك كل هذه المعارضة الشديدة والرفض الكلي من المجتمع، وربما كانت الأمور ستختلف كثيرًا على ما هي عليه.

خاصة وأن ما سيساعد على ذلك، هو ظهور العديد من الأقلام المجتهدة والمجددة التي حاولت إيجاد صيغ مختلفة لا تتعارض مع الدين الإسلامي بالضرورة وتتماشى في الآن نفسه مع ضرورات الزمن الراهن، بعد أن فتح الباب على مصراعيه عمل “علي عبد الرازق”، وهو أحد علماء الشريعة الإسلامية، وإن كان أثار جدلاً كبيرًا في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” في عام 1925، إلا أنه أوصى فيه بأن الدين يمكن أن ينفصل عن الحكومة والسياسة، وصرح فيه لأول مرة في التاريخ الإسلامي بأنه لا يوجد في النصوص الإسلامية المقدسة ما يلزم المسلمين باتباع نموذج الخلافة بالحكومة الدينية، وأن بإمكانهم اختيار النظام السياسي الذي يناسبهم.

لكن حتى بغض النظر عن الكتاب أو حتى مختلف الكتابات التجديدية والاجتهادية الأخرى التي ظهرت لمختلف الفقهاء وكبار رجال الدين المعاصرين من التي تتماشى مع هذا الطرح، والتي استندت في معظمها على الموروث الفقهي والديني نفسه، إلا أن الواقع الحالي يفرض علينا الحسم مع هذا التخبط والتيه الذي يعيشه الإنسان الشرقي في مسألة اختيار النظام السياسي الذي يلائمه، وبما أن “العلمانية” أبانت على قدر كاف من النجاح في جل التجارب السابقة، فإنه من العقل والمنطق تبنيها كذلك في دول الشرق، ليس بالضرورة الأخذ بها كتقليد لعلمانية أوروبا والغرب بشكل عام، لكن يمكن العمل على صيغة “علمانية شرقية” أي تكييف النموذج وفق ما يراعي خصوصيات المجتمعات المحافظة.

فإذا كانت العلمانية “كمبدأ” وكنمط حكم يرمي إلى إقامة مجتمع تسود فيه عدالة اجتماعية بين مختلف أفراد وطوائف المجتمع،  فلا نعتقد أن الإسلام أو غيره من الديانات ضد هذا المبدأ، ولا نعتقد كذلك أن العلمانية تتعارض مع التشريعات السماوية العديدة بما فيها الإسلام، أو على الأقل ما هو مؤكد  أن هناك تقاطعات كثيرة يمكن أن نبني بها تشريعات مجتمعية يمكن أن تكون مخرجًا للأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات الشرقية حاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد