العلماني باختصار شديد وبساطة ودون تعقيد واستخدام لكلمات كبيرة جيلاتينية فضفاضة هو الشخص الذي يرفض تدخل الدين في إدارة الشؤون العامة للمجتمع. وهذا الرفض فيما يتعلق بالدين الإسلامي على وجه الخصوص، يخرج صاحبه، أدرك ذلك أم لم يدركه، من دائرة ذلك الدين، وذلك لأسباب عديدة وجيهة سيأتي المقال على نقاشها.

والحديث في المقال يتناول العلماني- المسلم حصرًا، أي ذاك الذي يؤمن بالفعل بالإسلام عن اقتناع، تمييزًا له عن العلماني الملحد أو الذي يتظاهر بقبول الإسلام إما خوفًا وإما نفاقًا وإما رغبةً في تشويهه من داخله. أي أن الكلام يتعلق بالعلماني حسن النية الذي يتبنى نظرة خاطئة عن الإسلام ودوره في الحياة، ربما نتيجة النشأة في بيئة جاهلة بحقيقة الإسلام، أو عدم الاطلاع الكافي على مصادر تضمن له تكوين تصور صحيح عنه. مع التأكيد بأن تلك النظرة لا تعفي صاحبها من المسؤولية أو تنقذه من العقاب، فمن لا يحرص على تعلم دينه والتعمق فيه، ويترك نفسه للجهلة ولشياطين الجن والإنس كي يشكلوا أفكاره ويسيّروه، إلى أن يتورط في تبني رؤية منحرفة عن دينه، ويدافع عن هذه الرؤية بعناد وكبر ضد من يحاولون تصويبه، قد ينطبق عليه حال الأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا! فكثير من العلمانيين المسلمين يحامون بضراوة عن موقفهم المختل، ليس من باب الكفر، بل من باب الجهل، وربما من باب رفض الاعتراف بالخطأ في بعض الحالات!

إن العلماني – المسلم يذكرني ببعض بنات هذه الأيام، ممن يرتدين بناطيل لا يعلم إلا الراسخون في اللياقة البدنية ومساحيق التدليك كيف يرتدينها لفرط ضيقها، ويلبسن في الوقت نفسه خرقًا على رؤوسهن، ليقنعن أنفسهن بأنهن محجبات. وكأنهن يردن أن يرضين الله ويرضين عبيده في ذات الوقت! لكنهن لا ينجحن مع الأسف الشديد إلا في جلب سخط الله، وإن تمكنّ من إرضاء بعض الناس من زائغي العيون!

فالعلماني- المسلم، يحاول الجمع بين زيت الخروع والآيس كريم في طبق واحد! فهو يناضل عبثًا لتنضيد ما لا يمكن أن ينضد، شرعًا أو عقلًا، على رف واحد! وذلك بحكم جهله فيما يبدو بحقيقة الإسلام، وبأسباب مجيئه، فهو يظنه مثل بعض الأديان الأخرى، مجرد حفنة من الطقوس والشعائر والأخلاقيات وانتهى الأمر!

حتى يفهم العلماني- المسلم ما هو الإسلام، عليه أن يفكر في عدد من النقاط، كمجرد أمثلة تحفيزية للعقل، التي سيلي عرضها، فلعله وعساه ينقذ نفسه من مصير أسود، لأنني أستطيع أن أرجح، حسب ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، أنه من الخاسرين الهالكين إن لم تتداركه رحمة ربه ويستفق من غفلته وسباته! وهنا لا بد من استطراد مهم، فالكثير من الناس يرددون أنه ليس من حق أحد أن يحكم على إيمان أحد أو كفره أو ضلاله، وهذا زعم باطل وخاطئ وساذج تمامًا، فالإسلام جاء بمعايير واضحة ودقيقة تحدد من هو المؤمن ومن هو الكافر، ومن هو على الحق ومن هو على الباطل، وإلا لما كان بالإمكان مثلًا الحكم على مسيلمة بأنه كذاب ومدع للنبوة، وإلا لأصبحت الأمور عائمة مثل الشوربة الصينية، كما هو حادث بالفعل في أيامنا، بسبب جهل الناس المريع بدينهم، وتنصيبهم لبعض الجهلة الضالين المضلين من الرويبضات كي يعلموهم أمور دينهم!

وقد يكفي إيراد الحديث النبوي التالي، حتى ندرك أن شهادة أهل الصلاح للمرء بالخير أو بالشر هي أمر شرعي ومهم، بل إن تلك الشهادة توجب له الجنة أو النار. فبينما الصحابة جلوس حول النبي عليه الصلاة والسلام مرت جنازة رجل من المسلمين، فإذا بالألسُن تُثني على صاحبها خيرًا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وجبَتْ، وجبتْ، وجبتْ، ثم مُرَّ بجنازة أخرى، فإذا ألسن الناس تثني على صاحبها شرًّا، فقال الرسول الكريم: وجبتْ، وجبتْ، وجبتْ. وعندما تساءل الصحابة عن تلك التي وجبت، رد عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَن أثنيتم عليه خيرًا، وجبتْ له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض».

ولكن علينا الانتباه جيدًا هنا، فالشهادة ينبغي أن تكون من أهل الصلاح حقًّا، فلو جاء كل أهل الرقص مثلًا وشهدوا لإحدى الراقصات اللولبيات بالصلاح، لما أغنى ذلك عنهم وعنها من شيء، ولوجدناها وإياهم، على الأرجح، والله أعلم، يرقصون في الجحيم على أنغام إبليس، حتى وإن «استشهدوا» في سبيل الفن!

نعود إلى النقاط التي أرجو من العلماني- المسلم أن يفكر فيها، ومن أبرزها ما يلي:

لماذا دخل النبي عليه الصلاة والسلام في عشرات المعارك والغزوات؟

إقدام النبي عليه الصلاة والسلام على الدخول في عشرات المعارك ضد الكفار يشكل دليلًا قاطعًا على استحالة فصل الدين عن الدولة في الإسلام. فلو كان الإسلام يتعلق بمجرد حفنة من الطقوس والشعائر والسلوكيات الشخصية ذات البعد الروحي والأخلاقي، لكان النبي عليه الصلاة والسلام قد أخذ أتباعه إلى الكهوف ورؤوس الجبال واعتزلوا العالم يتعبدون لربهم، بعيدًا عن صراعات الدنيا ومشاكل أهلها! أو لكان على الأقل قد عاش بين ظهراني الكفار بهدوء وسلام وسكينة، وأمر أصحابه برفع الشعارات التي يرفعها العلمانيون اليوم، من قبيل: الدين لله والوطن للجميع؛ الوحدة الوطنية؛ الهلال والصليب وهُبَل إيد واحدة…!

ولكن الإسلام جاء لإقامة نظام شامل ينظم حياة الناس من جوانبها المختلفة، ولذلك أمر أتباعه بالقتال إن اقتضت الضرورة في سبيل إقامة ذلك النظام وتمكينه والدفاع عنه ضد الأنظمة الفاسدة المنحرفة التي يمكن أن تقف في وجه وجوده ونموه، وكل الأنظمة هي فاسدة منحرفة بالضرورة، إلى هذه الدرجة أو تلك، إذا لم تهتد بهدي السماء.

لماذا حارب أبو بكر الصديق القبائل التي رفضت دفع الزكاة؟

عُرف الصديق رضي الله عنه باللين ورقة الطبع، ولكنه لم يتردد في إعلان الحرب دون هوادة ضد بعض القبائل العربية التي رفضت دفع الزكاة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فهي لم ترتد عن الإسلام مباشرة، وإنما أبت دفع الزكاة فقط، ومع ذلك وجدها خليفة رسول الله والأعرف بنهجه وتعاليمه قد انحرفت عن الإسلام، حتى باتت مستحقة للقتال.

والآن فكروا قليلًا فيما يحدث على أرض الواقع في المجتمع العلماني الذي يحول دون تمكين الدين من تسيير شؤون أفراده. إن الامتناع عن دفع الزكاة قد يكون أهون الشرور، فالمجتمع العلماني مثلًا يتعامل بالربا، الذي توعد الله المتعاملين به بحرب منه ومن  رسوله، بل ووصف المصرّين على التعامل به بالكفر وأنذرهم بالخلود في جهنم. وهو يبيح الخمر التي لعن الله كل من له علاقة بها من قريب أو بعيد. وهو يشرّع الفاحشة والرذيلة والهرطقة تحت مسميات عديدة مخادعة، من قبيل تشجيع الفن والسياحة والثقافة وحرية الفكر… إلخ. لذلك فإن من يدعو إلى مجتمع علماني لا يقوم الدين بأداء دور رسمي حقيقي ملزم ومباشر وجدي في ضبط تعاملاته وتفاعلات أفراده؛ يغدو شريكًا أساسيًّا في كل تلك الجرائم التي ترتكب في ذلك المجتمع، وليقابلني في المشمش إن دخل الجنة أو شم رائحتها يومًا، حتى وإن صلى وحج وصام!

وقد يحتج أحدهم هنا ويقول: ولكن الله غفور رحيم، وهو يغفر الذنوب جميعًا، باستثناء الشرك به!

هذا صحيح تمامًا، ولكن من يقول ذلك لا يدرك أن الداعي إلى النظام العلماني ليس مخلصًا عمليًّا في عبادته لله في حقيقة الأمر. فالعبودية لله تستلزم الخضوع المطلق لأوامره ونواهيه، دون نقاش أو تذمر أو حتى تلكؤ، ومن رفض الالتزام بتلك الأوامر والنواهي، أو اعتقد بعدم صلاحيتها للتطبيق، وقال، ولو ضمنيًّا، بوجود خلل أو عيب أو حتى تزمت فيها، وبأفضلية تشريعات بشرية وضعية عليها، كما يفعل العلماني، فإنه يكفر بما أنزل على محمد، ويطعن بشكل أو بآخر في الله ودينه ونبيه. إذ إن لسان حاله يقول بأن الله لم يستطع أن يرسل لنا نظام حياة عمليًّا قابلًا للتطبيق، وقد استطاع الغرب تقديم أنظمة أكثر فعالية وحكمة وملاءمة لاحتياجات البشر! وإلا لما دعا إلى تحييد النظام الرباني الذي جاء به الإسلام، وتسويد الأنظمة الغربية التي جاء بها الغرب بديلًا عنه! والعجيب في الأمر، الذي يظهر حالة من الفصام الفكري العصية على التسوية عند العلماني- المسلم أنه يمنح الأولوية للأنظمة الغربية ويزدري النظام الإلهي وينفر منه، ويصر في الوقت نفسه على أنه مؤمن فعلًا بالله الذي جاء بذلك النظام وأنه حريص حقًّا على اتباع نبيه ودينه!

وفي هذا السياق، أحد الأصدقاء البؤساء سألني متحديًا: أي نظام إسلامي تتحدث عنه! أعطني نموذجًا واحدًا لنظام أو دولة إسلامية ناجحة يمكن الاقتداء به!

أحيل ذلك الصديق البائس إلى كتاب لمؤلف أمريكي يدعى: مايكل هارت، الذي قام بوضع ترتيب لأكثر مائة شخصية تأثيرًا عرفها التاريخ البشري، واضعًا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام على رأس تلك الشخصيات المائة. وفي حيثيات تبريره لذلك الاختيار، وهو غير المسلم، يقول هارت في مقدمة كتابه:

«إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي. فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدؤوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضًا في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها».

فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما هو واضح من كلام الكاتب الغربي عنه، هو أكثر الذين نجحوا في إقامة نموذج لدولة شهدت تحقيق أعلى مستوى ممكن من النجاح في التوفيق بين المقومات المادية والروحية. فوا عجبًا إذ يتمكن كاتب غربي من التقاط ملامح ذلك النموذج الساطع المبهر، ويعجز العلماني- المسلم عن إبصاره! فهل نقول فيه: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»!

وعندما نتحدث عن نموذج لنظام إسلامي أو لدولة إسلامية، فإننا نتحدث عن تلك الدولة التي تجعل من القرآن والسنة دستورها الأوحد، دون أن تنسى الأخذ بالأسباب أو تنسى بأن الحكمة هي ضالة المؤمن، وأنه أولى بها أينما وجدها! إنها الدولة التي يبدي حاكمها استعداده لقطع يد ابنته لو سرقت! إنها الدولة التي لا يسطو أحد فيها على الحكم عنوة، دون اجتماع أغلب المسلمين عليه! إنها الدولة التي ترسل جيشًا من بضعة ألوف قليلة من المجاهدين لقتال جيش جرار من الطغاة يتجاوزه عددًا بأكثر من ستين ضعفًا، معتمدًا ومتوكلًا على الله وحده، وليس على أمريكا وروسيا، فينتصر عليه بفضل الله، كما حدث في غزوة مؤتة! إنها الدولة التي لا ظلم ولا قهر فيها ولا فساد، حتى ليقول أحد الأفراد المغمورين للحاكم: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا، دون أن يخشاه أو يخشى عقابه، فيغتبط الحاكم ويحمد الله أن هناك من هو مستعد لتقويمه إذا ما انحرف عن سواء السبيل! إنها الدولة التي يتم فيها جلد ابن أحد الولاة لاعتدائه على رجل من عوام الناس من غير المسلمين، كما فعل عمر بن الحطاب مع ابن عمرو بن العاص الذي اعتدى على واحد من الأقباط! إنها الدولة التي يدور فيها خزنة بيت المال كي يوزعوا على الناس الزكاة، فلا يجدون فقيرًا واحدًا يمد يده لأخذ المال بعد أن اغتنوا بفضل الله وعدل حاكمهم! إنها الدولة التي يؤمن أفرادها بقول الله تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون»، لذلك فإن أهلها لا يعصون الله ولا يغضبونه ولا يرضون بأن يحولوا أرضهم إلى أوكار للمراباة والقمار والدعارة لقاء حفنة من الدولارات!

وحتى وإن افترضنا، من باب الجدل وأخذ صاحبنا العلماني على قدّ عقله، أنه لم يوجد في التاريخ الإسلامي فعلًا أي نموذج يمكن القياس عليه أو البناء على غراره، مع عدم صحة ذلك بالطبع، إلا في نظر جاهل أو أعمى أو منافق، أفليس ذلك أدعى إلى أن يعمل المسلم جاهدًا على إيجاد ذلك النموذج، وترجمته من كلمات تتواجد في القرآن الكريم والسنة المشرفة إلى واقع حي، اللهم إلا إذا كان لا يؤمن أيضًا بوجود مثل ذلك النموذج، ولو نظريًّا، فيهما!

وأخيرًا، إن العلماني- المسلم بحاجة ماسة إلى أن يعيد النظر جذريًّا في معتقده ولا شك. فالإيمان ليس مجرد كلمات، بل إنه ما وقر في القلب وصدّق به اللسان وعملت به الجوارح. فإن لم يعمل الإنسان بكل جوارحه على تنفيذ أوامر ربه جملةً وتفصيلًا، ففي إيمانه ثغرات وتشوهات وخدوش، قد تودي به إلى الجحيم. وليتذكر قول الله تعالى: «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله وليّ المتقين». صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد