في ظل التخبط الذي تعيشه حكومات كل من السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر عقب فشل حصارهم السياسي والاقتصادي لدولة قطر – على الأقل حتى يومنا هذا – وعدم تحقيقهم أي مطلب من مطالبهم الثلاثة عشر، خرج مؤخرًا سفير دولة الإمارات بالولايات المتحدة الأمريكية يوسف العتيبة بتصريح لشبكة PBS الأمريكية مفاده أن هناك سببًا آخر يجعل هذه الدول تختلف مع دولة قطر والذي يتمثل في رغبتها (الإمارات والسعودية والبحرين والأردن ومصر) في رؤية أنظمة علمانية مزدهرة بالشرق الأوسط خلال العشر سنوات القادمة وهذا ما ترفضه قطر – حسبه -.

إن هذا التصريح يبيّن حجم تورط هذه الدول في الحصار غير القانوني وغير الأخلاقي الذي تفرضه على دولة قطر منذ حوالي شهرين، في محاولة منها لتبرير هذا الحصار بعد سقوط تهمتهم لقطر بالإرهاب ودعمه، حيث تحاول أن تصوّر للمجتمع الدولي أن دولة قطر هي حجر عثرة في وجه علمنة دول المنطقة وأنظمتها «الدينية».

ولو حاولنا تبسيط مفهوم العلمانية، نجد أنه يشير اصطلاحًا إلى فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة، وعدم إجبار الأفراد على اعتناق معتقد أو دين أو تقليد ما لأسباب ذاتية غير موضوعية، بمعنى عدم خلط الدين وتعاليمه في أمور التشريع والتنفيذ والقضاء في الدولة. هذا عن العلمانية، فكيف يمكن علمنة دول الشرق الأوسط من قبل دولة كالمملكة العربية السعودية التي تزاوج بين الدين والسياسة في الحياة العامة، ويتخذ حكامها من الدين الإسلامي مبررًا وشرعية لسلوكياتهم وسياساتهم داخليا وخارجيا؟. كما أن هذه الحكومات (المملكة العربية السعودية،والإمارات العربية المتحدة، والمملكة البحرينية والمملكة الأردنية الهاشمية) ووفق تقسيم السلطة الذي وضعه العالم الألماني ماكس فيبر (1864-1920) هي حكومات تقليدية تستند على الاعتقاد بقدسية التقاليد التي كانت وما زالت موجودة في المجتمع بغضّ النظر على أساسها الواقعي، وأن الأفراد في هذه المجتمعات يخضعون للحاكم الذي وصل للحكم بطرق بعيدة عن الديمقراطية والشرعية كالوراثة أو الانقلابات باعتباره يتمتع بقدسية وقوة روحية يتعرّض المخالف له للعقاب الدنيوي والأخروي.

إن رغبة الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين في رؤية دول المنطقة خلال العشر سنوات القادمة دولا علمانية هو إعلان واضح على التدخلات التي ستقدم عليها هذه الدول في المنطقة لنشر الفوضى والقلاقل بحجة علمنة الأنظمة السياسية، وهو اعتراف على تدخلاتهم في دول الربيع العربي التي أفرزت فيها صناديق الاقتراع حكومات مدنية منتخبة ديمقراطيًا من قبل شعوبها على غرار فوز الإخوان المسلمين في مصر والانقلاب العسكري عليهم المدعوم إماراتيًا وسعوديًا في صائفة 2013، والانقلاب والحرب الأهلية في ليبيا والتي تدعم مصر السيسي والإمارات أحد أطرافها (قوات حفتر). إضافة إلى الحصار المطبق على قطاع غزة بحجة إدارته من حركة حماس «الإخوانية» والتي يصنفونها (دولة الإمارات وحلفائها) منظمة إرهابية.

على صعيد آخر، يحمل تصريح يوسف العتيبة تناقضًا حين يؤيد إقامة دول علمانية في الشرق الأوسط وفي الوقت ذاته تناصب دولته العداء لتركيا العلمانية ويسعون في إسقاط نظامها وبث الفوضى فيها خاصة بعد تورطهم في عملية الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016.

إن العلمانية والديمقراطية وشكل النظام السياسي ونوع النظام الحزبي والانتخابي هي أمور تخضع في تطبيقها لطبيعة الشعوب ورغبتهم وقناعاتهم، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تفرض من الخارج أو حتى من الداخل بالقوة والإكراه، وأفضل مثال على ذلك فشل الديمقراطية الأمريكية في العراق ونجاحها في تركيا عندما أفشل الشعب التركي محاولة الانقلاب على النظام السياسي الحاكم العام الماضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلمانية
عرض التعليقات
تحميل المزيد