بلداننا علمانية في الأصل فلماذا الدعوة إليها؟

في ردّي على المغالطات الشائعة عن العلمانية في المقال السابق. لم أقصد أن أطرح العلمانية كحلّ سحري لجميع مشاكلنا. كما سبق وأن فعل القوميون العرب والاشتراكيون بأطروحاتهم أيّام الستّينيات والسبعينيات، فرغم اهتمامها في البداية بالمساواة والعدالة الاجتماعية، إلا أنها غرقت في اللاواقعية والطوباوية ومعاداة الثقافات الأصلية للبلدان الإسلامية والدعوة إلى التخلّي عنها، ونسخ أقوال أبرز منظّري اليسار التي جعلها عصرنا الحالي عبارة عن ثرثرات وسخافات، بل هي جزء من الحل شئنا أم أبينا، لكن أحذّر من محاولة نسخ ولصق النماذج العلمانية الناجحة في أوروبا وبلدان آسيا مباشرة.

لأن الفكر العلماني حاليا يحتاج إلى إعادة اكتشاف وتطوير وإعادة صياغة توافق تكوين المجتمع العربي. مثلما حصل سابقا في المجتمعات الأوروبية بحيث تم إعادة قراءة الموروث الديني المسيحي والتراث الفكري اليوناني والإغريقي وترجمة أعمال المسلمين الفكرية، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بالآخر وبالدين وبالدّولة وبالعالم لينتج عن هذه العمليّات فصل الكنيسة عن الدّولة كنتيجة نهائية للعلمنة. فإن العالم العربي الإسلامي أشد ما يحتاج إليه هو التحييد المذهبي للدين نفسه، بحيث يصبح المذهب معبّرا عن رأي جماعته لا عن الدين. وقبل ذلك لا بدّ من عمليّة جد مهمة تسبق العلمنة وهي نقد الموروث الفكري الديني. الذي هو في الأصل يشكّل جزءا كبيرا من المصائب التي يعيشها العالم العربي الإسلامي إلى الآن. وهو من أحد الأسباب التي أعاقت جميع عمليّات تحديث المجتمعات العربية.

 لذلك لا يمكن التكلّم عن العلمانية في المجتمعات العربية وأنت أصلا لم تقم بنقد الموروث الفقهي بدليل أن غالبية مجتمعاتنا العربية لم تستطع أن تفهم مفهوم (نسبية الحقائق) المدعوم علميا ولا زالت تحاول قراءة الحاضر بالرجوع إلى الماضي، ولا تزال ترى الحلول التي واجه بها أجدادها مشاكلهم في جميع المجالات صالحة في زماننا، بل لكل الأزمان، إن جمود العقل المسلم عند شريعة معيّنة وفهم معيّن للدين وعند تطبيق معيّن للنصوص ما هو إلا نتيجة للوهم الذي ركض أجداده خلفه وهو وهم الحقيقة المطلقة.

والسبب هو طغيان عقلية البديهيات عليهم. غافلين عن أمر مهم وهو أن لكل مجتمع بديهيته وكل مجتمع يرى قوانينه هي الصحيحة والخالدة.. كما لم تبذل الدول العربية أي مجهود لإعادة تربية مجتمعاتها على التقبل بشرعية التعدد داخل الأديان وخارجها. ولم تفعل أي شيء حيال معضلة خلط العقل العربي بين الخلاف والعداء. ولا يزال عندها استغلال للدين لتمرير قراراتها وممارساتها ودعم المحاصصة الطائفية في المجتمع الواحد بسياسة (فرّق تسد) ولا زلت تتّفق على دونية المرأة والوصاية عليها إلخ.

 كما لا يمكن أن ننسى دور علاقات الإنتاج في المجتمع في دفع عجلة الفكر إلى الأمام، فكيف نتحدّث عن علمانية وديمقراطية ومساواة في دول ريعية يحكمها أناس فاسدين من حديثي النعمة الذين بنوا ثروتهم على الاختلاس والمعارف مع العائلات الحاكمة وشعوب لا تجد قوت يومها ومحرومة من أبسط حقوقها ثم تذهب وتحدّثها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.. إن الدول العربية الاستبدادية لا تريد لهذا الوضع أن يتغيّر، لأن التاريخ يخبرهم أنه كلّما تقدّم اقتصاد بلد ما تحتّم معه التقدّم في مجال حريّات الانسان والحاجة إلى مساواة أكثر وعدالة أكبر.

إن الإسلام نفسه يحتاج إلى الفصل بين الزمني والروحي. فالكثير من الأحداث التاريخية أصبح يتم النظر إليها، وكأنها من أصول الإسلام على سبيل المثال قضيّة الخلافة. فأكبر دليل على أن الخلافة ليست من ضرورات الدين هو بقاء الإسلام نفسه كما هو على الرغم من قيام وسقوط العديد من الإمبراطوريات التي انتمت إليه، لكن يبدو أن مدّة أربعة عشر قرنا غير كافية للبعض للاعتراف بهذه الحقيقة… لقد أتاح لنا عصر المعلومات أن نطّلع على حقيقة ما يسمّى بالفتوحات الاسلامية على سبيل المثال لا الحصر، والتي كنّا نراها بعين التقديس والعظمة، وبعد دراسة نقدية بسيطة، ظهرت لنا كمجرّد غزوات بربرية وعودة الى ما ألفه العرب عن أجدادهم من شريعة الغاب ثم قدّموها للناس على أنها الشريعة الاسلامية وجنّدوا لها وعّاظ السلاطين ليلصقوها بالإسلام وأنها الفريضة السادسة، وهي أصلا عبارة عن أطماع توسّعية تقاتل بسببها المسلمين سعيا للنفوذ لا من أجل الدين ناهيك عن أنّها أسقطت حضارات وأبادت شعوبا بأكملها، ولا داعي للتشدق على عقول البسطاء بالقول إنها كانت نشرا للإسلام، لأنه اعتراف ضمني منك أن دينك لا ينتشر بالسيف والحرب.

إن علمنة الإسلام ستتيح لهذا الأخير التحرر من قيود الأدلجة والتسييس التي وضعها الإسلام السياسي. فيقطع الطريق على الفتنة الطائفية بين المذاهب الإسلامية التي قسّمت المسلمين بسبب التسييس؛ لأن أصل الخلاف بينها لم يكن دينيا، بل سياسيا. وستنهي الظلم الذي يتعرّض اليه، بسبب تصرّفات معتنقيه الذين لم يتورّعوا بتطرّفهم في القضاء على جميع قيمه التنويرية، أصلا هل تساءل أحد لماذا تواجدت السياسة ولا زالت تتواجد؟ لأنها تعبر عن حقيقة أن الانسان غير كامل وغير مثالي، ولو كان الدين والسياسة شيئا واحدا لكانت سياسة المسلمين قديما وحديثا مثالية مادام الاسلام مثاليا والدين والسياسة شيئا واحدا، وهذا ما لم يحدث. لقد تسبب هذا التسييس في تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا. والموروث الفقهي معه كمبرر للعنف، فوضع الإسلام في صدام مع الآخر الذي أصبح يراه مرادفا للإرهاب. وهذا ليس خطأه، فالإنسان أحببنا أم كرهنا مجبول على الحكم على الأشياء من ظواهرها. لذلك الأجدر بنا تكريس وقتنا لتخليص المسلم من التطرّف، أكثر من بذله في إقناع غير المسلم بأن ما يفعله الإرهابي لا علاقة للإسلام به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد