العلمانية هي الحل! هذا هو الشعار الأبرز لدعاة التحديث في عالمنا العربي من المغترين والمبهورين بالحضارة الغربية، إنهم عندما يعقدون المقارنة بين دولهم العربية وتلك الغربية ويرون ما بينها من البون الشاسع في كل المجالات تقريبًا يخلصون إلى أن البسلم الشافي لما بنا من علل إنما يكمن باستنساخ التجربة الغربية في التحديث، وإذا كانت هذه التجربة تقوم على أساس العلمانية فإن العلمانية هي كلمة السر في أحجيتنا العربية، أحجية التقدم والترقي.

وقد درج المتدينون في نقض هذا الزعم على الجدل بأن استنساخ التجربة الغربية لن يجدي نفعًا؛ لأننا والشعوب الأوروبية مختلفون في كل شيء، في الدين والتاريخ على العموم، لذا فكل بواعث الغرب لتبني الرؤية العلمانية لا وجود لها ألبتة لدينا.

غير أننا نزعم فوق ذلك أن العلمانية لا تصلح أساسا لحضارة على اختلاف الأديان والسياقات التاريخية، وظني أن الإنسانية لم تصب بداء في تاريخها الطويل أكثر خبثًا وأشد فتكا من العلمانية، وما كانت إلا وعدًا عاجلًا بالتغيير إلى الأفضل ووعيدًا آجلا بالويلات، رؤية ظاهرها خير عميم وباطنها شر مستطير.

من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة

فصل الدين عن الدولة هي أكثر تعريفات العلمانية شيوعًا، سواء في الشرق أو الغرب، ولكن العبارة تشير إلى العلمانية الجزئية؛ لأنها تحصر عمليات العلمنة في المجال السياسي، وربما الاقتصادي أيضًا وتستبعد شتى النشاطات الإنسانية الأخرى، وتقتضي تمايز المجال الديني عن المجال السياسي وإبعاد رجال الدين والكهنوت عن مؤسسات صنع القرار السياسي.
وإذا ذهبنا مع المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري إلى أن العلمانية الجزئية حالة لازمة للمجتمعات كلما تجاوزت طور البساطة والبدائية إلى التركيب والحضارة، فليس ثمة تعارض بين العلمانية والتدين.

وكذلك لا تعارض بمعنى من المعاني إذا ذهبنا مع المفكر محمد عابد الجابري إلى أن العلمانية تعني فصل الكنيسة عن الدولة لأن الاسلام كما يقول (ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة)، وعلية يكون مفهوم العلمانية جزء من التشكيل الحضاري الغربي، وليس قضية للفكر العربي، وينبغي استبعاده من قاموس الفكر العربي؛ لأنه لا يعبر عن الحاجات العربية الموضوعية.

لا يأتي الخطر على الإنسانية من جهة العلمانية الجزئية بحد ذاتها، ولكنه يأتي منها إذا كانت منطلقاتها مادية صرفة كما حصل في الغرب؛ لأنها لا بد أن تستحيل بمرور الأيام، وتمكن الدولة العلمانية من السيطرة الخارجية والداخلية على الفرد إلى علمانية شاملة، وهي (رؤية شاملة للواقع ذات بُعد معرفي (كليّ ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة. فإما أن تُنكر وجودها تمامًا في أسوأ حال، أو تهمِّشها في أحسنه، وترى العالم باعتباره ماديًا زمانيًا كل ما فيه في حالة حركة، ومن ثم فهو نسبي).

مكمن الخلل في العلمانية

يجدر بنا حتى نضع أيدينا على مكمن الخلل في العلمانية أن ندرك ماهيتها بما هي متتالية نماذجية تتحقق عبر الزمان، وليس بما هي فكرة ثابتة ومخطط محدد.

من المفترض أن العلمانية متتالية تحديثية تدور في إطار الواحدية المادية، (الواحدية المادية موقف فكري ينكر الثنائية ويرجع في كل تصور عن الكون والإنسان والحياة إلى المادة)، وكان المفروض كما يقول المسيري (أن تؤدي حلقاتها إلى نهاية سعيدة: سيطرة الإنسان على الطبيعة وعلى نفسه وتأكيد مركزيته المطلقة في الكون (الاستنارة المضيئة والعقلانية المادية). ولكن هذه المتتالية كانت تحوي داخلها تناقضات النظم الواحدية المادية (تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة في الوقت نفسه الذات الإنسانية مقابل الموضوع الطبيعي المادي – الكل مقابل الجزء – التجاوز مقابل الإذعان والتكيف، المعنى والثبات مقابل الحركة التي لا معنى لها).

هذة التناقضات عبرت عن نفسها عبر عملية التحقق التاريخي وحسمت المعركة في خاتمة المطاف لصالح العنصر الثاني في الثنائية؛ الطبيعة والموضوع الطبيعي وهزمت العقلانية المادية في حين ظفرت اللاعقلانية المادية، باختصار هزم الإنسان، وهي نتيجة منتظرة لأنها تتسق مع الاطار الواحدي المادي الذي تدور فيه العلمانية، وهكذا توارت مكانة الإنسان كمركز للكون لتحل محلة الطبيعة وتصبح مرجعية ذاتها، وكذلك استحالت كافة مجالات الحياة الإنسانية، وقد أفلتت من قبضة الإنسان مرجعية ذاتها، وبالمحصلة انفصلت عن المنظومات القيمية والغائيات الدينية، ثم الإنسانية.

مظاهر الخلل

حيثما ألقيت النظر في عالم اليوم، فلن تعدم مجالًا إنسانيًا إلا وقد لحقة العطب جراء لعنة العلمانية، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، نتناول مثالًا على ذلك المجالين الاقتصادي والسياسي.

في عالم الاقتصاد نلاحظ أن غاية الإنسان تحولت من الإنتاج إلى الاستهلاك، وبالتالي انتقل النظام الرأسمالي من تحصيل المنفعة إلى اللذة، فلم يعد هدف المجتمع إشباع الحاجات، وإنما تخليقها؛ مما رسخ في العقل الجمعي ثقافة استهلاكية ألقت بظلالها على الأخلاق عامة، وتجسد ذلك بتفكك الروابط الاجتماعية وانغلاق الذات على نفسها وملذاتها، وكما يقول الفيلسوف فيخمونت باومان: (إن احتمال ملء العالم بالمزيد من الناس العطوفين، ودفع الناس ليعطفوا أكثر، ليس مما يظهر في البانوراما التي يرسمها العالم المثالي للاستهلاك.. الفضاء الذي يحتاجه المستهلكون في عصر الحداثة السائلة وينصحون من كل الجهات بالكفاح من أجله لن يهزم سوى بطرد الناس الآخرين، خصوصًا أولئك الذين يساعدون الآخرين أو قد يحتاجون المساعدة هم أنفسهم).

وفي المجال السياسي أدت العلمانية إلى نشوء الدولة القومية في أوروبا وهي بدورها جيشت الجيوش ونهبت العالم فأسست البنية التحتية والفوقية للمجتمعات الغربية من خلال التراكم الإمبريالي الذي يُقال له (التراكم الرأسمالي)، وكان من ثمارها الإبادة النازية والإرهاب الستاليني والمكارثية وهيروشيما وناجازاكي وفيتنام وكمبوديا وتأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين، ثم تظهر أسلحة الدمار الكوني والأسلحة الميكروبية لأول مرة في تاريخ البشرية، ومن ثم أنتجت النظام العالمي الجديد، وهو على حد تعبير المسيري (تصعيد لعمليات العلمنة، ومحاولة لإعادة صياغة العالم بأسره حتى يصبح جزءًا من الآلة التي ستستمر في الدوران إلى أن ترتطم بحائط كوني، مثل الإيدز وثقوب الأوزون والفشل الذريع في التخلص من النفايات النووية وغير النووية).

هذه هي جناية العلمانية على الإنسانية التي دعتنا إلى نعتها بداء العصر، ومهما يقل العلمانيون أن العلمانية تعطي مجالًا للدين في المجتمع يؤدي دورة فيه فلن يغير ذلك من واقعها شيئا ذلك أن المادية الواحدية وهي روح العلمانية ستؤدي بنا عاجلًا أم آجلًا إلى تحييد القيم الدينية عن كافة مجالات الحياة الإنسانية وتاليًا يصبح الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان كما أكد هوبز.

وفي الختام استحضر كلمة لا تبرح ذاكرتي للفيلسوف الأيرلندي توماس كارليل ينحي فيها على المذهب المادي، وكأنما كان يستشرف مستقبل الإنسانية (تبًا للمادية لقد عرت ذلك الوجود الرائع من كل آيات الشرف والروعة والجلال والقدس وتركته جثة بلا روح، وهيكلًا بلا حياة، فأنى للإنسان بعد ذلك بمساعي الأبطال ومآثر ذوي الهمم والمروءات من الرجال، وإنما الذي يستفيده من ذلك المذهب الكاذب أن ليس في الحياة إلا حب الملذات والشهوات وخوف الهم والألم، وأن الحقيقة القصوى في حياة المرء هي الحرص الممقوت على المدح والمال وسائر الماديات، أو باختصار هي الكفر، والكفر عقوبة نفسه).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد