وقع الصدام بين العرب والغرب، منذ حملة نابليون بونابارت على مصر سنة 1798م، فكان في الحقيقة صدامًا بين ثقافتين مختلفتين كل الاختلاف، صدام بين الأنا والآخر، ومن ثمة كان شعور العرب تجاه هذا الآخر شعورًا مزدوجًا.

فهذا الغرب هو من جهة غرب الحضارة والتقدم والعلم والتكنولوجية، وقيم الحرية وحقوق الإنسان. ولكن من جهة أخرى فهذا الغرب ذاته هو غرب الاستغلال والاستعمار الذي حكم الشعوب بالحديد والنار.

ولذلك كان شعور العرب تجاه الغرب هو أقرب ما يكون إلى ما سماه المحلل النفسي سيجموند فرويد بـ«التناقض الوجداني»؛ أي تلك المشاعر المتناقضة من كره وحب في الآن ذاته، التي يحسها الطفل تجاه أبيه، والذي يشكل الحجر الأساس لمركب العقدة الأوديبية.

لذلك فقد كان لهذا الشعور المتناقض انعكاس على تفكيرهم، فكان منهم مدافعون عن التراث الغربي، وبالتالي نبذهم للتراث العربي جملة وتفصيلًا لزعمهم أنه لم يعد صالحًا لمواكبة العصر، ومنهم آخرون الذين كرسوا جهدهم للدفاع عن التراث رافضين بذلك كل تجديد أو إدخال جسم غريب عليه من ثقافة الغرب. ومنهم أيضًا من عمد إلى نوع من المصالحة بين هؤلاء وأولئك، فعملوا على محاولة الجمع والتوفيق بشكل تلفيقي بين التراث والحداثة، أي بين مفاهيم مختلفة ينتمي كل منها إلى تراث مختلف، كالجمع بين الديمقراطية والشورى، وبين الشك الديكارتي وشك الغزالي… إلخ.

ولعل من بين المفاهيم التي اثارت جدلًا واسعًا – ما يزال قائمًا إلى يومنا هذا – أكثر من أي مفهوم آخر، وهو مفهوم «العلمانية» لقد كان وقع هذا المفهوم على الفكر العربي بمثابة محاولة لـ«إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها» بتعبير السيرفي في مناظرته مع متَّى المنطقي، ونحن لا نريد أن ندخل في نقاش المفهوم أو الانتصار لمؤيدي المفهوم أو لرافضيه، كلا، إن ما نريده هو الوقوف عند مفكر كان له رأي وموقف متميز عن الآراء والمواقف الأخرى، سواء منها المعارضة أو المؤيدة لمفهوم «العلمانية»، وهو الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935- 2010م) صاحب مشروع نقد العقل العربي، والذي أطلق عليه بعضهم لقب «ابن رشد الثاني».

في كتابه عن «العقل السياسي العربي» يرى الجابري «أن الإسلام هو دين ودولة»، وهذا يتماشى مع الاستراتيجية التي اختارها للنهضة والنهوض، وهي استراتيجية التجديد من الداخل، فالتجديد إذن ينبغي أن يكون من داخل التراث العربي الإسلامي لا خارجه.

يلاحظ الجابري بادئ ذي بدء أن «العلمانية» كما تداولها المثقفون العرب هي ترجمة غير موفقة لمصطلح اللائكية بالفرنسية فلفظة «لائك» لا تربطها أي علاقة اشتقاقية بالعلم، فأصل المصطلح مشتق من اللغة اليونانية وهو لفظ «لايكوس» وتعني كل ما هو عام؛ أي كل ما ينتمي لعامة الشعب، وهي بذلك مقابل للفظة «كليروس»، والتي تعني كل ما ينتمي للخاصة من رجال الدين، أي الكهنوت، ثم حصل شطط في استعمال المصطلح بعد ذلك في اللغة الفرنسية؛ إذ أصبحت تدل على كل ما يمت بصلة العداء لرجال الدين (كما نجد ذلك في كتابات فولتير وموليير مثلًا).

وإذا كانت الكنيسة قد استعانت بالتعليم الديني لاستمالة الناس إلى جانبها، والسيطرة عليهم روحيًّا، فقد استعملت الدولة في المقابل التعليم العمومي لتدريس العلم من رياضيات، وعلوم الطبيعة، والإنسان، والفيزياء… إلخ، فأصبحت «العلمانية» بذلك تعني تعليم العلم في المدرسة وتعليم الدين في الكنيسة، ومنه فإن الملاحظ يرى أن المصطلح ليس نقيضًا للدين، بل هو فقط إقامة نوع من التمييز بين ما هو دنيوي متغير، وبين ما هو مقدس.

ومع ذلك فإن المجتمع العربي لم يعش في وجدانه هذا الصراع بين الدولة والكنيسة، والتي كان من نتائجها إقامة العلمانية بأوروبا، وإنما الصراع في الحضارة الإسلامية كان بين أيديولوجيتين (السنة والشيعة)، لكل منهما نظامها المعرفي الخاص، تستخدمهما السياسة حسب منطقها القائم على المصلحة والبرغماتية، أما العلم فقد كان على هامش الصراع السياسي، هكذا يمكننا أن نفهم ذلك التساهل مع النظريات العلمية التي كانت شائعة بين علماء العرب والتي كانت في مجملها مخالفة للدين (كدوران الأرض حول الشمس مثلًا)، والتي لم تثر أي ردود فعل من قبل السلطة، لكونها لم تتعرض للسياسة لا بالنقض ولا التأييد.

وإذن فإن بنية المجتمع العربي تختلف عن بنية المجتمع الأوروبي، وبالتالي فالحلول يجب أن تختلف بالضرورة هي الأخرى. فما هذه الحلول التي يقترحها علينا المفكر محمد عابد الجابري؟

إنها العقلانية والديمقراطية، اما مصطلح «العلمانية» فيطالب الجابري بشطبه من القاموس العربي الحديث، ولكن أولًا وقبل كل شيء ينبغي لنا أن ننجح  في «تبيئة» هذين المفهومين (نقصد العقلانية والديمقراطية) داخل الثقافة العربية؛ حتى يتسنى للعقل العربي تقبلها. نعم، إنها استراتيجية التجديد من الداخل، التي ما انفك الجابري يدعو إليها ويدافع عنها، ففي كتابه نحن والتراث مثلًا يرد على دعوى أولئك المثقفين إلى استيعاب مباشر للفكر الليبرالي الذي حاربت به «الطبقة البورجوازية الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية» فيقول: «إننا نعتقد أن طرح المسألة بهذا الشكل طرح خاطئ تمامًا. ذلك لأنه عندما يطلب من العرب أن يستوعبوا الليبيرالية الأوروبية، فإن ذلك يعني أن عليهم أن يستعيدوا على صعيد وعيهم تراثًا أجنبيًّا عنهم بمواضيعه وإشكالياته ولغته، وبالتالي لا يشكل جزءًا من تاريخهم. إن الشعوب لا تستعيد في وعيها، ولا يمكن أن تستعيد إلا تراثها أو ما يتصل به. أما الجانب الإنساني العام في التراث البشري كله فهي تعيشه داخل تراثها لا خارجه».

لم يعمل الجابري على التوفيق بين التراث العربي والحداثة الغربية، والقول بالتالي إن العقلانية الغربية هي نفسها عقلانية الغزالي، أو أن الديمقراطية هي نفسها الشورى في الإسلام… وهلم جرًّا.

كلا إن الجابري يدعو إلى استلهام المنهجية الرشدية (=نسبة إلى ابن رشد)، فابن رشد لم يعمل على الجمع بين الدين والفلسفة، كما فعل ذلك فلاسفة المشرق كالفارابي وابن سينا، اللذان اعتبرا أن ما في الدين هو مجرد «مثالات لما في الفلسفة»، بل لقد عمل هو بخلاف ذلك؛ أي «الفصل بين الدين والفلسفة»، واعتبار أن لكل منهما خصائص ومبادئ تختلف عن الأخرى، وبالتالي عمد إلى تبرير الفلسفة داخل الشريعة الإسلامية في كتيبه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، وطرح السؤال: «هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به إما على جهة الندب، وأما على جهة الوجوب؟»

فبدأ أولًا بإعطاء تعريف دقيق للفلسفة قائلًا إن«فعل الفلسفة ليس شيئًا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع»، وبعد استقرائه لنصوص الشريعة التي تنص على الاعتبار واستخدام العقل يخرج بنتيجة وهي «أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها».

يستلهم الجابري إذن هذا النوع من الاجتهاد الرشدي ويقرر «أن هذه الطريقة التي سلكها ابن رشد هي الأنسب وأقوم للإجابة عن سؤالنا المعاصر: هل يقبل الإسلام الحداثة ومقتضياتها من ديمقراطية وعقلانية وحقوق الإنسان.. إلخ؟«» ثم يضيف قائلًا «فالعقلانية مثلًا واجبة لأن«الشرع أوجب النظر العقلي في الموجودات واعتبارها» حسب تعبير ابن رشد. أما الديمقراطية والاشتراكية وحقوق الإنسان… إلخ، فيمكن أن يُلتمس لها هي الأخرى حكم الوجوب كما في العقلانية، وذلك بتوظيف مفاهيم «الشورى» و«تكريم الإنسان» والدعوة إلى «العدل والإحسان» وغيرها من المفاهيم الواردة في القرآن والحديث، بصيغة فعل الأمر، في كثير من الأحيان».

إن هذه الطريقة التي يصفها الجابري بالواقعية تارة وبالعقلانية تارة أخرى، تعمد أساسًا إلى اعتبار المصلحة العامة ودفع المضرة أولًا وأخيرًا، وفق مبدأ «وما أنزلناه إلا رحمة للعالمين»، ولذلك نجد الجابري يدعو إلى استرجاعها، بل استرجاع كل من تأثروا بها وعلى رأسهم الشاطبي، الذي دعا إلى اعتماد «مقاصد الشريعة»، وسعى بالتالي إلى إعادة تأصيل الأصول، وعدم الاقتصار فقط على «استثمار الألفاظ» كما كان يفعل الفقهاء الذين سبقوه والغزالي واحد منهم.

إن استراتيجية التجديد من الداخل التي دعا إليها ناقد العقل العربي لهي استراتيجية أصيلة فعلًا تفتح أمامنا آفاقًا جديدة وواسعة للاجتهاد، تساعدنا على الخروج من الجمود الفكري الذي عانينا منه وما زلنا نعاني من رواسبه، فمن خلالها نستطيع نحن العرب أن نندمج في الحداثة دون أن نفقد هويتنا العربية والإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلمانية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد