يرى عبدالوهاب المسيري مصطلح العلمانية مصطلحًا خلافيًّا وإشكاليًّا للغاية، شأنه شأن مصطلحات أخرى مثل (التحديث) و(التنوير) التي شاع استخدامها وانقسم الناس بشأنها بين مؤيد ومعارض. ولعل مصطلح العلمانية بالذات من أكثر المصطلحات إثارة الفرقة؛ إذ يتم الحوار والأشجار حوله بحدة واضحة، وتعطي انطباعًا بأنه مصطلح محدد المعاني والأبعاد والتضمينات. ولكننا لو دققنا النظر قليلًا لوجدنا أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك لعدة أسباب يوجزها عبد الوهاب المسيري.

أولًا: إشكالية العلمانيتين، يؤمن عبد الوهاب أن هنالك علمانيتين وليس علمانية واحدة لكي نضع تعريفًا واحدًا.

مما يعني أن شيوع تعريف العلمانية بوصفها، فصل الدين عن الدولة، قد سطح القضية تمامًا.

ثانيًا: تصور أن العلمانية مجموعة أفكار وممارسات واضحة، الأمر الذي أدى إلى إهمال عمليات العلمنة الكاملة والبنيوية.

ثالثًا: تصور العلمانية باعتبارها فكرة ثابتة، لا متتالية آخذة في التحقق؛ فالعلمانية لها تاريخ، الأمر الذي يعني أن الدراسين _ كلٌّ حسب لحظته الزمنية _ قد درسوا ماهو قائم وحسب دون أن يدرسوا حلقات متتالية.

رابعًا: استقر المصطلح العلمانية في الغرب في الستينات، وظن الجميع أن معناه قد تحدد واستقر، لكن في الآونة الأخيرة بدأت تظهر بعض الدراسات الجديدة التي تتناول هذا الموضوع من منظور جديد، زادات المصطلح إبهامًا.

خامسًا: حدوث مراجعة للمصطلح في العالم العربي، وهو ما أدى إلى التصالح بين القوميين العلمانيين والإيمانيين.

في قراءة جديدة لهذه الإشكاليات، يضع عبدالوهاب المسيري العلمانية تعريفًا آخر، بل يقسمها إلى علمانيتين لا علمانية واحدة.

الأولى: (جزئية) وتعني  فصل الدين عن الدولة، والثانية: (شاملة) ولا تعني فصل الدين عن الدولة وحسب؛ وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، لا عن الدولة وحسب؛ وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبها العام والخاص، بحيث تنزع القداسة عن العالم ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.

وتعريف العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة وحسب، يعد أكثر التعريفات شيوعًا للعلمانية في العالم، سواء في الغرب أو في الشرق. والعبارة تعني حرفيا؛ فصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة)، وهى تحصر عمليات العلمنة في المجال السياسي وربما الاقتصادي أيضًا (وفي بعض المجالات في رقعة الحياة العامة)، وتسبعد شتى النشاطات الإنسانية الأخرى أو تلزم الصمت بخصوصها، فهي تشير إلى العلمانية الجزئية وحسب.

ويعتقد عبدالوهاب المسيري أن هناك فصلًا حتميًّا نسبيًّا للدين والكهنوت عن الدولة في كل المجتمعات الإنسانية تقريبًا (إلا في المجتمعات الموغلة في البساطة والبدائية؛ حيث نجد رئيس القبيلة هو النبي والساحر والكاهن وأحيانًا سليل الآلهة، وطقوس الحياة اليومية طقوس دينية (كما هو الحال في العبادة الإسرائيلية قبل ظهور القرآنية المركزية). ففي المجتمعات المركبة ثمة تمايز بين السلطات أو المجالات المختلفة يبدأ في الظهور. وحتى في الإمبراطوريات الوثنية التى يحكمها ملك متأله، فثمة  تمايز بين الملك المتأله وكبير الكهنة وقائد الجيوش؛ فالمؤسسة الدينية لايمكن أن تتحد مع المؤسسة السياسية في أي تركيب سياسي وحضاري مركب، تمامًا مثلما لا يمكن أن تتحد مؤسسة الشرطة الخاصة بالأمن الداخلي مع مؤسسة الجيش الموكل إليها الأمن الخارجي، كما لا يمكن أن تتحد المؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية. وفي العصور الوسطى المسيحية، كانت هناك سلطة دينية (الكنيسة) وأخرى زمنية (النظام الإقطاعي)؛ بل داخل الكنيسة نفسها، كان هناك من ينشغل بأمور الدين وحسب ومن ينشغل بأمور الدنيا.

ويرى عبد الوهاب المسيري أن العلمانية الجزئية موجودة في الإسلام، ويأخد نموذجين فعلهما الرسول- صلى الله عليه وسلم – أحدهما حينما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم -:«أنتم أعلم بأمور دنيكم» فقد كان في واقع الأمر يمثل التمايز المؤسسي.

والثاني في غزوة بدر قال ابن إسحاق في سياق حدثيه عن الاستعدادات لمعركة بدر الكبرى. «فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبادره إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به» قال ابن إسحاق:«فحدثت رجالًا من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل.. أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب المكيدة. قال يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماءً من القوم فنزله، ثم نغوِّر ماءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولايشربون. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -:  لقد أشرت الرأي»

حسب المسيري هناك تميز بين الوحي الذي لايمكن الحوار بشأنه، وبين الحرب والخديعة أي آليات إدارة المؤسسة العسكرية التي تخضع لإدراك ملابسات الخطة، فثمة تمايز بين المؤسسة الدينية والعسكرية.

ومن ثم، فإن فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة عملية ليست مقصورة على المجتمعات العلمانية بأية حال، وإنما موجودة في معظم المجتمعات المركبة بشكل من الأشكال. (والدولة) هنا تعني في واقع الأمر بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات الطابع الفني مثل الجوانب البيروقراطية في إدارة الدولة.

أو شراء نوع معين من الأسلحة أو مناقشة أمور فنية تتصل بالميزانية المعينة، وهى أمور لا يعرفها سوى الفنيين؛ ولذا فليس بإمكان رجال الدين؛ مشايخ كانوا أو قساوسة أن يفتوا فيها.

ولا يرى المسيري أن العلمانية الجزئية متعارضة مع التدين؛ بل يرى أنه بإمكانهما التعايش معًا. إذا كان المعنى هو مجرد تمايز بعض الجوانب السياسي والاقتصادي في المجال الديني، وإبعاد رجال الدين عن صنع القرار المؤسسة السياسية.

بالنسبة للمسيري فإن العلمانية الجزئية: ليست لديه إشكالية إذا كانت فصل الدين عن الدولة، ولكن لديه إشكالية كبيرة في العلمانية الشاملة: التي لا تعني- حسب تعبيره- فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الدولة وحسب؛ وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان التي أنتجت- حسب تعبيره – الظواهر السالبة، مثل الاستعمار والإمبريالية، وغيرها من المشكلات، والتي سنتكلم عنها في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد