اشكالية حاملي الفكر العلماني في الوطن العربي

غالبًا ما ينادي التيار العلماني الليبرالي بلا للحجاب والنقاب، ونعم للعلمانية لا لتجار الدين، ونسويات مستقلات، وأشياء من هذا القبيل، وبدلًا من أن كان على أصحاب هذا التيار الاهتمام بحركة الترجمة من الإنجليزية للعربية، لفتح آفاق المتلقي العربي على أفكار الليبرالية الكلاسيكية ومنظريها، مثل جون ستيوارت ميل، وميلتون فريدمان، وأيان راند، وآدم سميث، وهربرت سبنسر وآخرين، رغم وجود محاولات بدائية خجولة لكن مُخلصة للكتابة في اﻷدب والنقد، فإن المستوى الثقافي الضحل لهؤلاء اﻷفراد، وتفكك وتشرذم رؤاهم، وكونهم لا يحملون مشروعًا حقيقيًّا للمجتمع ولا حلولًا ﻷي مشكلة، يدعونا هذ للتساؤل، ماذا بعد العلمانية؟ ماذا بعد تفريغ الصدور من العقيدة؟ لا شيء. الليبرالية عندهم تتلخص في إقناع النساء بخلع الحجاب وارتداء الفساتين القصيرة، والمشاعية الجنسية، دون الاهتمام بليبرالية الاقتصاد وتحريره من تسلط الحكومة، ودون الاهتمام بجوانب حياتهن المادية الملموسة، من تعليم وعمل، ومساواة في الفرص والأجور، ولا بقضايا الزواج والطلاق والحضانة، فهذه القضايا ليست جذابة ولا تلفت الانتباه. وكثيرًا ما يتباهى الناشطون داخل هذا التيار بعناوين لافتة للنظر وصادمة للمجتمع المحلي، كمثل لماذا أنا ملحد؟ أو لا للجبرية الدينية والحرية للشذوذ الجنسي، متجاهلين أن المشاعية الجنسية هي بوابة اضمحلال كل حضارة، وفي الدول الاستهلاكية والنامية تنتهي بالنساء إلى الدعارة، بفعل انغلاق السوق، وقلة فرص العمل الشريف.

إن مستواهم الفلسفي ضعيف للغاية، وكتاباتهم ضحلة ولا يرقى معظمها لمقال في جريدة صفراء، ويمكن أن ترى بنفسك كيف يبترون اﻷفكار الاجتماعية والفنية المستقاة من تجارب الغرب من سياقها الزمني والتاريخي هناك، ومحاولة تطبيقها عنوة على مجتمعنا الذي لم يمر بالصراعات نفسها اللاهوتية التنويرية، والثورات البلشفية، والحروب النازية الفاشية، والحرب الباردة، وينطلق من منطلقات ثقافية مغايرة تمامًا، بحثًا عن بعض الشهرة الرخيصة، تحت ادعاء التجديد والتنوير، وركزوا كل اهتمامهم على المرأة، وتجاهلوا قضايا الماسكولانية تمامًا، ركزوا على تعرية جسد المرأة وتسليعه للمشاع بدلًا من «سجن الزواج» والحصرية، لدرجة ارتفاع اﻷصوات مطالبة بعودة بيوت البغاء.

هكذا بدأ يسقط ببطء المشروع العلماني الليبرالي، كاشفًا عن مشروع نرجسي فردي رخيص للشهرة والنجومية الشخصية والأضواء، لكنه فارغ المحتوى لغةً وفكرًا، ويعكس فشلًا مخيفًا في حل قضايا المرأة أو المجتمع. وحتى اليوم ما زالت كلمة «مثقف» تصيب سامعها بالغثيان، كبيدق من بيادق السلطة، أو كمتطفل على الإنتلجنتسيا، و كما ظهرت العلمانية على حقيقتها جزءًا من تطور المسيحية في أوروبا، فإنه من المستحيل أن تكون هي التطور الطبيعي للإسلام ﻷسباب تاريخية وثيولوجية بحتة، ضف لذلك تفاقم الخلاف والتراشق بين الليبراليين الغربيين والليبراليين اليساريين، والشيوعيين الذين كانوا يرفضون تحرير الاقتصاد ويطالبون بدولة اشتراكية سلطوية، تشرف على إعالة الجميع لكنها لاسلطوية فيما يتعلق بالجنس وحده، في مقابل جهل الغالبية العظمى بمبادئ الليبرالية الكلاسيكية اﻷمريكية، وضم هذا التيار شخصيات مشبوهة وفاشلة ومطرودة من العالم الحقيقي، الذين يريدون استدعاء المعركة التي دارت في القرن السادس الهجري إلى العصر الحالي، بشخوصها أنفسهم وآلياتها، وخرجوا علينا بمؤلفات وكتب من الدرجة الثالثة، كتب ركيكة وغبية، ككتاب شريف الشوباشي «تحيا اللغة العربية يسقط سيبويه»، الذي كتبه بركاكة في عجالة بهدف تدمير اللغة العربية الفصحى، وأقاموا محاكم التفتيش كمعركة تنوير مبتذلة ومضحكة تقرن فيها الثقافة بالرقص البلدي، لدرجة أن هناك جرائد وقنوات مُنحت مساحة ثابتة لتكتب فيه وتردد كلامها الببغائي عن رجعية المجتمع، والفاشية الدينية، وغيرها من هاته الأفكار المسمومة.
لا أرى أي مستقبل في المنطقة لما يسمى بالتيار العلماني الليبرالي، بل كحركة وتيار قد ولد ميتًا، طفيليًّا لا يمكن أن ينمو أو أن يتوسع إلا تحت مظلة الديكتاتورية العسكرية أو الشيوعية، ولهذا دائمًا ما نجد نشطاء هذا التيار في الصفوف الأولى والداعمين لأي انقلاب عسكري ضد أي حكومة منتخبة من الشعب، لا تسير وفق هواهم، وأمثلة ذلك كثيرة، كانقلاب العسكر وتوقيف المسار الانتخابي ضد حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، في بداية تسعينيات القرن الماضي، وانقلاب العسكر في مصر ضد الرئيس محمد مرسي، ومحاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس التركي أردوغان، ففي كل الحالات نجد أن من نادى ودعم وفرح بالانقلاب هم من تيار العلماني الليبرالي الذي يتغنى دائمًا بالحرية والديمقراطية، وما يفتأ أن ينقلب على عقبيه في حالة فوز الإسلاميين، وإنما أرى المستقبل في التنشئة السياسية للمجتمع، وتشجيع الشباب للمساهمة في تطور الوطن وتنميته، مع تطوير الخطاب الديني، وفي تحرير الاقتصاد من بطش الطغمة الفاسدة وحكم الجيش، وتسلط الحكومة، وفتح المجال وورشات لإصلاحات عميقة في التعليم والسياسة، والثقافة مع احترام وجهات النظر والاحتكام للصندوق .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد