في زيارته الأخيرة إلى فرنسا، صرح قيس سعيد الرئيس التونسي تصريحًا أثار ضجة كبيرة حينما قال إن فرنسا لم تكن «احتلالًا» في تونس مثل احتلالها للجزائر، وإنما كانت «حماية».

الحقيقة هي أن فرنسا ركزت على ضرب الهوية الإسلامية، ونشرت عملاءها لعلمنة الدولة، مثلما استعمرت العديد من الدول ثقافيًّا كالجزائر، فحاربت اللغة العربية للقضاء على الشخصية الوطنية؛ فقد أصدرت قوانين عدَّة في هذا المجال تطالب بأن يقتصر التعليم فيه على حفظ القرآن، وعدم التعرض لتفسير الآيات التي تدعو إلى التحرر، واستبعاد دراسة التاريخ العربي الإسلامي والتاريخ الوطني المحلي، إضافة إلى عدم دراسة الأدب العربي.

تونس كانت من أول الدول التي دخلها الإسلام في شمال أفريقيا على يد الفاتحين العرب، وهي مشهورة بمدينة القيروان الني أنشأها الفاتح عقبة بن نافع الفهري. ولذلك ركز الاحتلال على طمس الهوية العربية والإسلامية لجعلها مقاطعة فرنسية.

بعد معاناة الشعب التونسي على مدار سنوات طويلة تجرع فيها القهر والذل والمهانة على يد الاحتلال الفرنسي، بدءًا بقمعها الدموي لأي ثورة تونسية تريد الاستقلال، ومرورًا بسرقة ثرواتها ومواردها الاقتصادية، بالإضافة إلى جهود الفرنسة بهدف محو هوية المجتمع التونسي.

أخيرًا ذهب الاحتلال وحصل التونسيون على حريتهم واستقلالهم عام 1956، ليبدأوا عهدًا جديدًا تحت قيادة تونسية وطنية تأخذ بيد البلاد إلى النهضة والتقدم والازدهار، وبعد عام ونصف من إعلان الاستقلال جاء إعلان الجمهورية لتتكرس هيمنة الزعيم الحبيب بورقيبة وحزبه (الحزب الحر الدستوري الجديد) على الحياة السياسية وأركان الدولة.

جرى اختيار الحبيب بورقيبة أول رئيس لجمهورية تونس بعد خلع الملك محمد الأمين باي.

بورقيبة يعلن الحرب على تعاليم إسلامية

بدأ بورقيبة يُظهر وجهه الحقيقي وولاءه لفرنسا وانبهاره بالثقافة الغربية منذ أيام حكمه الأولى، كما لم يخف ولعه بكمال أتاتورك الأب الروحي للعلمانيين الأتراك والعرب، وكان يعده مثله الأعلى وقدوته في الحياة. فأعلن عداءه للإسلام، وحط من قدر رموز التاريخ التونسي، وشوه صورتهم وبطش بأبناء الحركة الإسلامية، وشردهم وأذاقهم الويلات. كما سن قانونًا يمنع ارتداء الحجاب ويعده زيًّا طائفيًّا يشجع على الانقسام داخل المجتمع.

عمل بورقيبة بكل جهده لتسهيل اختلاط الشباب بالفتيات، ففتح البارات وأمدها بالمعونات، وسخر قنوات الإعلام الفرنكوفونية السافرة، وراقب المصلين وجفَّف منابع التدين، وبدل المناهج وثار على الأعراف والتقاليد.

ولم يكتف بهذا، فتمادى به الأمر لتحدي الله، عز وجل، وشتم الدين، فصرح بأن القرآن مليء بالمتناقضات، واستهزأ بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وراح يبدل أحكام الله، ومن أسوأها حق المرأة أن تتزوج من غير مسلم، ومنع الصوم على الشعب التونسي حتى في شهر رمضان، بدعوى أن الصوم يقلل الإنتاج ويعوق تقدم تونس.

كما فرض يوم الأحد عطلة أسبوعية بدلًا من الجمعة، لمنع إقامة صلاة الجمعة، ولجأ إلى إصدار فتاوي من بعض المشايخ تقضي بجواز الجمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر معًا! هذا بالإضافة إلى أن جميع الخطب تأتي مكتوبة وموحدة بجميع المساجد، وعلى الخطباء الالتزام بها، وأغلبها يتحدث عن أهمية الحفاظ على قواعد السير والمرور، وأهمية الحفاظ على الزهور بالشوارع. كما أن المساجد تفتح في أوقات الصلاة فقط، وبعدها تغلق أبوابها فورًا. واستمر بورقيبة في حربه على الحجاب فدفع وزير الشؤون الدينية أبا بكر الأخزوري لمهاجمة الحجاب، واعتباره ظاهر تتسبب في تراجع المجتمع التونسي.

ونشطت الشرطة في مطاردة المحجَّبات في الشوارع، ومُنعت المحجبات من الأعمال الحكومية، بل إن المحجبة كانت لا تستطيع أن تلد في مستشفيات الحكومة. وقد أدَّى ذلك إلى اعتقال مئات النساء والفتيات المتدينات، وتعذيبهن ومحاكمتهن، وإيداعهن السجون بسبب اللباس الإسلامي، وهذا ما أدى إلى إصابة الكثير منهنَّ بانهيار عصبي.

واستمرت جرائم بورقيبة، ووصلت إلى حد إلغاء المحاكم الشرعية، وإغلاق جامع الزيتونة الأعظم، وتحويل المساجد الصغيرة إلى مستودعات ومخازن، وإلغاء القوامة باعتبارها إهانة للمرأة، ثم حظر الدروس والحلقات القرآنية في المساجد، واعتبار مواظبة الشباب على الصلاة في المساجد دليل تطرف يقضي باتهامهم جزافًا، وهذا ما أدى إلى خلو المساجد من الشباب. كما عمم بورقيبة نوادي الرقص المختلط في جميع المدن والأرياف، وترغيب الجنسين على الانخراط فيها وترهيب أوليائهم من منعهم.

وبهذا يمكنني القول إن «بورقيبة» هو «تيودور هرتزل» العرب، وفاق في عدائه الإسلام كل رؤساء زمانه، وهكذا وضع الأسس العلمانية لتونس.

الانقلاب الأبيض لزين العابدين بن علي

انقلب الجنرال ابن علي انقلابًا أبيض على الحبيب بورقيبة وعزله من منصبه، وذلك بعد أن استند إلى تقرير طبي لأشهر الأطباء في تونس لإثبات عدم قدرة بورقيبة على تسيير البلاد.

تولى ابن علي رئاسة الجمهورية، وسار على نهج بورقيبة في نشر العلمانية، وازداد تتبع المحجبات واضطهادهن، حتى كانت العائلات التونسية تهاجر من تونس عندما تكبر بناتها حتى تجد وسطا تستطيع فيه البنت أن تلبس الحجاب.

لقد اتضح أن ابن علي وبورقيبة وجهان لعملة واحدة، فاعتمد بن علي سياسة الاستبداد ضد كل ما هو إسلامي، وانتشر الفساد في جميع مناحي الحياة التونسية. فقد أعلن وزير داخلية تونس الهادي مهني أنه على المصلي التقدم ببطاقة خاصة، يبدي فيها رغبته في الصلاة، وشدد على أئمة المساجد أن يتأكدوا من أن جميع المصلين داخل قاعة الصلاة حاملون لبطاقاتهم.

ولكن شاء الله أن تنشط الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركة النهضة التي وقفت في وجه العلمنة والتغريب، إلا أن السلطات ألقت القبض على قياداتها عدة مرات، ثم أصدر العفو عنهم وأطلق سراحهم.

وبحلول عام م1991 كانت حركة النهضة الأقوى سياسيًّا وميدانيًّا، فاندلعت المواجهة بينها وبين السلطة الطاغية، وأصدر ابن علي أوامره بالقبض على أبناء الحركة الإسلامية، الذين بلغ عددهم 8 آلاف شخص، وفي عام 1992 م حكمت محكمة عسكرية على 256 قياديًّا وعضوًا في الحركة بأحكام وصلت إلى السجن مدى الحياة. والصراع مستمر لحد اليوم بين العلمانيين والحركات الإسلامية.

رغم كل محاولات التغريب والقضاء على الإسلام لسنوات، فإن حب التونسيين للإسلام جذوة قد تضعف أحيانًا، ولكنها لا تنطفئ أبدٕا. فروح الإسلام كانت قد سرت بالفعل في أوصال الشعب التونسي الأصيل، وظهر جو عام من الرفض لتعدي النظام الحاكم على ثوابت الدين، انتهت بثورة البوعزيزي على الظلم والنظام وهروب ابن علي إلى السعودية.

فكان عهد بورقيبة وابن علي أقسى وأشد فترة على المسلمين.

وبعد الثورة، تسلم الحكم المرزوقي صاحب التوجه العلماني الحداثي المعتدل، والذي يؤمن بالحوار والاختلاف الحضاري مع الإسلاميين وإمكانية التعاون معهم من أجل بناء مجتمع ديمقراطي، وهو ما جسده عمليا في تحالف حزبه «المؤتمر من أجل الجمهورية» مع «حركة النهضة» ذات المرجعية الإسلامية. فتنفس المسلمون الصعداء نوعًا ما.

ثم صعد إلى الحكم القائد الباجي السبسي المولع بالحبيب بورقيبة وصاحب التوجه العلماني، وأكمل مسيرته، بتقديم قانون للمساواة في الميراث بين الرجال والنساء إلى مجلس نواب الشعب التونسي.

ورغم كل ما آلت إليه تونس من العلمنة والإلحادية إلا أنني متفائل، فالشعب التونسي لن تهدأ نفسه حتى يعود إلى الإسلام وينال حريته كاملة، وهذا ما رأيناه في وصول المترشح الحر قيس سعيد إلى الحكم في الانتخابات الأخيرة، نتيجة لموقفه الثوابتي نحو هوية المجتمع التونسي ودفاعه عن العربية والإسلام في خطاباته. وسيعود شعب تونس الأبي إلى الطريق القويم قريبًا مع صعود الأجيال القادمة باذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد