لماذا أصبحت مجتمعاتنا تعاني من أزمة الرمزية؟ وهل هي ضرورية في تقدم الشعوب وتطورها؟ وما هي أفضل الطرق نحو التقدم العلمي والحضاري؟ وهل العلمانيون هم من يمتلكون الحل أم أن الدينيين لديهم الخطة السحرية؟

كثيرًا ما نسمع بمصطلح العلمانية، وخاصة في الآونة الأخيرة، أي بعد ثورات الربيع العربي، والتي زاد فيها الصراع القائم بين أصحاب هذا  التيار – إن صحت التسمية – والتيار «الديني»، ونسمع أن كلا الفريقين أصبحا في حرب كلامية ضروس لدرجة لا يتسنى للمتابع أن يتفهم الجدوى من وراء تلك المشادات الكلامية.

فالفريق الأول يدعي الحداثة والمدنية والتقدم بالمجتمع نحو التطور، فيما أن الفريق الآخر يدعو للإيمان والعصمة والرجوع إلى نهج السلف الصالحين، وبالتالي وبحسب هذه الرؤية فإن أصحاب الفكر «العلماني»، ومن يتبعهم أصبحوا خارجين عن الملة، وإن كان هذا المعنى قاسيًا بعض الشيء.

وفي الواقع فالجمهور المتابع لا يعلم أي الفريقين المتشاجرين على الدين والدنيا على صواب؛ فأحيانًا ترى شخصًا ما شديد الحرص على الدفاع عن دينه وتراه مستميتًا في الذود عن التيار الديني مدافعًا عنيدًا عن الحق (كما يعتقد) وهو بالمحصلة ليس سوى مدافع عن الأحزاب الدينية من حيث يعلم أو لا يعلم، وهو ما يحصل في الغالب.

ومن المضحك والمحزن في ذات الوقت أن نكتشف ذات الشخص الحريص على دينه قد تحول إلى علمانيًا متعصبًا مؤمنًا بحقوق المرأة والمساواة بين الجميع مدافعًا عن المدنية، ويراها الحل الأمثل لجميع مشاكله حتى مشاكله الصحية، إن صح التعبير. والحقيقة أن هذا التصرف هو دليل على أن المتلقي غير قادر على فهم الواقع من حوله ولا المغزى الحقيقي لكلتا المدرستين الدينية والعلمانية.

فأصبحت الفكرة بكليتها مختلطة وغير واضحة المعالم بسبب كل تلك الضوضاء التي تسببت بها كل الأطراف.

وبالنسبة لتلك الأطراف فالهدف واضح، فهم إن بدوا مختلفين في العلن فهم متفقون على نقطة معينة، وهي عدم تثقيف المجتمع برؤيتهم كي لا تكون الصورة واضحة للجميع، بل على العكس هم يقصدون خلط الأوراق والظهور على الشاشات في شكل صراع ديوك لا تأخذ منها حقًّا ولا باطلًا، حتى بدأت أشك أنهم يخرجون متشابكين الأيدي، يحيي كل منهم الآخر على كلامه، ولا أستبعد أن يتعشوا الكباب سويًا بعد هذا العناء في الصراخ والثرثرة.

وهذا يفسر لماذا لا ترى أيًا من الطرفين يتحدث بمفهوم علمي أو واقعي، أو كيف يخدم فكرته أو تياره المجتمع، على العكس فإن كلا الطرفين يحرص على أن يجعل الآخر يبدو مقصرًا ومخطئًا حتى يبرر لنفسه أنه الحق المبين. والواقع أن معاناة الشعوب تزداد، وتتوسع رقعة الجهل والفقر أكثر فأكثر، وتتفشى ثقافه التحرش والعصابات، وحتى الأغاني أصبحت على شكل مهرجانات أبطالها مجدي شطة، وحمو بيكا، بعدما كانت لعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب.

إن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق هولاء المتخاصمين في العلن والمتحابين في خفاء، يجب أن يزيد اهتمامهم بالتوعية والتثقيف حتى تتقدم المجتمعات، وإلا فلن يجدوا جمهورًا يتبعهم في المستقبل.

إذًا فهل العلمانية هي الحل؟ أم أن العودة إلى حكم الديني فيه إصلاح للمجتمع؟ أي التيارين قادر على حل مشاكل المجتمع المتعددة؟

إن قلت إن الأحزاب الدينية هي تخلف ورجعية فهذا الظلم بعينه، فألمانيا المتقدمة صناعيًا، وتحتل المرتبة الأولى في أوروبا، تُحكم من قبل حزب ديني، وهو الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فهو خير نموذج للاعتدال الديني والحرية والتطور الحضاري. ومن وجهة أخرى هنالك أمثلة لا حصر لها للدول ذات الطابع العلماني، وهي متقدمه وتتقدم كل يوم أكثر.

ومن ثم نستخلص أن المشكلة ليست في القيادة، إنما هي مشكلة تخطيط، فمع الأسف من الواضح أن كلا الطرفين ليس لديه خطة واضحة للتطوير، وهذا هو جوهر المشكلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد