كل ذلك اليأس والخنوع الذي أصاب البلدان العربية نتج عن أنها حاولت أن تحظى بشيء من الديمقراطية، فذلك الربيع العربي الذي انتظروه طويلًا تحول إلى خريف التنظيمات الإرهابية، وإعادة إنتاج الأنظمة العسكرية الديكتاتورية القمعية في مصر وغيرها من الدول، وكل ذلك يدفعنا للتساؤل حقًا ما هي المشكلة في هذه البلدان؟ ولماذا أعاد النظام إنتاج نفسه في مصر على سبيل المثال؟ ولماذا نشاهد الفساد اليوم في تونس أضعاف عهد بن علي؟ ولماذا كل هذه الفوضى في اليمن والعراق وسوريا؟

حل كل تلك المشاكل يستدعي القيام بدراسات معمقة لفهم الواقع العربي ذلك الواقع الذي نشأ على أن الخلافة الإسلامية هي الحل لكل شيء مستندين بأحاديث وروايات آحاد. فالطفل الذي نشأ على أن الخلافة الإسلامية قادمة اختلط عليه الأمر عندما أصبح شابًا ونزل إلى الشارع ينادي بالديمقراطية، فأصبح مفهوم الديمقراطية لديه مفهوم مرتبط بالخلافة الإسلامية والتراث القديم التي قرأ عنها وتمّ تلقينه إياها في المدرسة والبيت وفي الجامعة بطريقة رسمية. وكما قال أدونيس الشاعر يومًا ما: «أنا لا أومن بمظاهرات وثورة تخرج من الجامع فهذه ثورة غير حقيقية»، لقد كان محقًا تمامًا، فقد طغت الصبغة الدينية على مطالب مشروعة، فأفسح المجال واسعًا أمام المجموعات الراديكالية للتدخل في الشأن السوري “ولنصرة الشعب السوري” فكان نتاج الشوق للديمقراطية (داعش والنصرة).

إننا شعوب عربية تعيش انفصام شخصية عضال فبين الديمقراطية الغربية التي نتوق إليها (حيث تستطيع انتقاد الرئيس ورئيس الوزراء وتمارس حقك الانتخابي وتمارس حريتك الفردية) وبين انتظار الخلافة التي هي حل لكل شيء ضاعت أجيال وأجيال كل ذلك كان مع مسحة من الشعور بالعار والخجل أمام “إسرائيل” المتطورة وجيوشنا المترهلة التي أصيبت بالتخمة والسمنة فأصبحت موجهة ضد شعوبها، ومحاصرة دولٍ وقصف دولٍ أخرى. دول تعيش في سبات صيفي وشتوي لا تستفيق، ليس لديها أي تطور في أي مجال وليس لديها جامعات معتبرة دوليًا، دول وشعوب تعاني من التنبلة نشتري سلاحنا من عدونا، وليس لدينا أي شعور وطني يدفعنا لحمل السلاح لنقاتل في سبيل الوطن، (نقاتل في سبيل الدين والطائفة والانتماء الديني) نحن أصبحنا خارج التاريخ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ندعو على إسرائيل بالزوال في صلواتنا الخمسة وننتظر أن تأتي تلك المعجزة التي أخبرنا بها رسول الله (ولا أدري مدى صحة الحديث) حين روى البخاري (3593)، ومسلم (2921) من حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : «تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ : يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، فَاقْتُلْهُ».

وفي صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ». فهل سيكون الدعاء كافيًا لوحده في مواجهة الصواريخ والطائرات الحربية والاستراتيجيات العسكرية. وكم سنة ضوئية نحتاج لإقناع هؤلاء أن مشكلتهم ليست مع الشعب اليهودي الذي هو صاحب كتاب مثلنا مثله ومثل المسيحي وغيره. كم سنة ضوئية نحتاج لنقنعهم أن كرهنا هو لمن احتل أرضنا وقتل شعبنا فقط.

كل ذلك اليأس والخنوع يدفع الشباب العربي إلى التطرف حتى وإن سافر هذا الشاب إلى البلدان الأوربية فهو يوسع بينه وبين ثقافات تلك البلدان ظنًا منه أن هذه الثقافات تعادي ثقافته الإسلامية فيبقى متقوقعًا على نفسه معرّضًا لتأثير المجموعات الناشطة على الإنترنت أو حتى الناشطة على الأرض.

كل ذلك يدفعنا أن نقترح على دولنا العربية أن تبني جامعات ومدارس وتبني جامعات بدل أن تبني مساجد تبث أيديولوجيات متطرفة في أوربا التي تفصلنا عنها مئات السنوات من التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي واحترام حقوق الأسنان.

أن لا نذهب إلى إفريقيا مستغلين فقر هذا الشعب لنؤثر عليه لكي يصبحوا مسلمين أو مسيحيين تعالوا لنساعدهم لمجرد أنهم اخوتنا بالبشرية. تعالوا نتحصن بالقوة العلمية والثقافة لمواجهة جميع الإخطار الإرهابية وغير الإرهابية، فدولة مصر بتلك العظمة التاريخية وأقدم حضارات العالم، ليُدمِع القلب وليبكي الفؤاد أن نراهم هناك يروجون في وسائل الإعلام وعناصر من الجيش المصري العظيم لجهاز “الكوفتة” الذي يعالج الإيدز والفيروس “سي”. غُيب مفكرونا وعلماؤنا فقُتل “فرج فودة” وكُفّر طه حسين ونصر حامد أبو زيد وسُجن إسلام البحيري، فقط لأنهم فكروا بطريقة مختلفة وانتقدوا الخطاب الديني؛ فانبرى لهم العديد من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتكفيرهم وإخراجهم من دين الإسلام، والتحريض على قتلهم، ويُطل علينا الأزهر بعد كل هجوم يستهدف الأقباط هناك ليدافع عن الإسلام ويحاول أن يظهر نفسه على أنه خارج هذا الموضوع.

الإسلام ليس بحاجة ليدافع عنه أحد، بل دافعوا عن أنفسكم أنتم الذين تدرّسون كتب التراث التي تقول بأن “المسلم لا يُقتل بالكافر” دافعوا عن أنفسكم وانتم تدافعون عن أحاديث ضعيفة تدّعي أن أبا بكر وعلي ابن أبي طالب حرقا الناس، دافعوا عن أنفسكم حين عجزتم عن أن تكفروا داعش التي قتلت وحرقت وسبت وظلت وطغت وارتكبت أبشع جرائم العصر لتقولوا لنا بأننا لا نستطيع أن نكفر من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، آلآن تظهرون تسامحكم وسعة صدركم؟ هل قال فرج فودة الذي قُتل على أيدي رجال ادّعوا أنهم يتقربون إلى الله بقتله، أقال غير ذلك؟ ألم يكن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ شأنه شأن أبو زيد وطه حسين وغيرهم الكثيرين؟

كُفروا ليحل محلهم ذلك المخبول صاحب جهاز الكوفتة؟ أننتظر من صاحب جهاز الكوفتة وقاتل فرج فودة ومتهم طه حسين ونصر حامد أبو زيد بالكفر، أن يقودوا مسيرة الإصلاح والنضال والثورة ضد الإرهاب والفكر المتطرف؟

هذه البلدان تحتاج إلى “ديمقراطية المعرفة” و”فوضى الحرية” ولا مانع أبدا أن نعيش فوضى الحرية لفترة معينة، ألم نعيش الفوضى الاقتصادية وفوضى البرامج التلفزيونية والأغاني الهابطة وفوضى التكفير وفوضى الإرهاب فلما نخاف من “فوضى الحرية”.

كل ذلك يجعلنا قادرين على انتاج المعرفة في مرحلة لاحقةٍ لديمقراطية المعرفة هذه المعرفة التي تساهم في بناء الدولة المدنية البعيدة كل البعد عن البعد الديني والطائفي.

إنني أرى بالفعل لدى الدول التي تعيش حربا ضد الإرهاب فرصة هامة لإعادة بناء الدولة الوطنية ففي العراق مع كل تلك المكونات العرقية والمذهبية التي يتألف منها المجتمع العراقي تحتاج هذه الدولة لإلغاء المفاهيم الطائفية حتى تستطيع أن تصبح دولة قوية رائدة.

لا أحد ينكر مساهمة الحشد الشعبي في تحرير العراق من داعش ولكن الإبقاء على هذه المجموعات ضمن مسميات طائفية وتحت مرجعية دينية يساهم في تكريس الطائفية والدولة الدينية والمحاصصة فما الحل؟ لا توجد أية مشكلة في ضم هذه المجموعات إلى الجيش العراقي وتقوية هذا الجيش وإعطائه الحق بالدفاع عن وطنه تحت مسمى “الوطني”.

من الأهمية بمكان أن يتم التخلص من فكر السيد نوري المالكي الذي لا يستطيع الخروج عن دائرة الفكر الطائفي، لإقامة دولة يعيش فيها كل الناس بكل مكوناتهم الطائفية. على العراقيين بناء دولتهم الوطنية وأن يترفعوا عن هذه الأفكار لحفظ السلام والأمن واحترام دم الشهداء ليس في دولتهم فقط، بل لباقي دول العالم.

من المثير للضحك بعد كل تلك الدماء التي سالت في العراق لحماية شعبه وأرضه من الإرهاب أن يقول نوري المالكي (الذي كان على رأس قائمة أعدها البرلمان العراقي مؤلفة من 35 شخص متهمين بالتقصير في سقوط الموصل) يقول الرجل: «الهدف من إسقاط الأسد كان زحف السنة على الأنبار وحكمهم للعراق». هذا الطرح الذي لم يطرحه الرئيس الأسد نفسه الذي يقول مرارًا وتكرارًا بأنه يقاتل الإرهاب في سوريا.

تستطيع المرجعية الدينية في العراق اليوم أن تكرّس واقع جديد (المرجعية الشيعية لم يغلق عندها باب الاجتهاد) وتدعو لإقامة دولة مدنية قادرة على حكم العراق والقضاء على الإرهاب والعنف وبذلك تكون قدمت خدمة للعالم أجمع في بلد يوجد فيه أصناف كثيرة من أمثال تنظيم الدولة، إحداها حرقَ مستشفيات الأطفال لتغطية سرقات، فهل يقل هذا الإرهاب عن إرهاب داعش مثلما حدث في مستشفى اليرموك في بغداد حيث قتل “12” طفل رضيع في حرق مفتعل لتغطية سرقات، أو كاعتقال طفل سرق “علبة مناديل” لا يتجاوز قيمتها دولار واحد في الوقت الذي يهرب مسؤول بـ”ستة مليارات دولار” من مطار بغداد.

وفي بلدي سوريا وعوا تمامًا لهذه المسألة وأدركوها أن الحل هو الدولة المدنية واحترام حقوق الإنسان ومجابهة الفكر المتطرف. هي خطط تطول لمدة سنوات ولن نكون أنانيين لنطالب بحصد ثمارها، بل نحن نضعها كي يحصد ثمارها أجيال لاحقة هذه الأجيال القادرة على بناء مجتمع جديد مجتمع يقوم على العدل والمساواة والحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد