بعيدًا عن القواعد  الشبابية _المُضَللة والمظلومة_ داخل  الحركات الثورية المختلفة، أجد أن كل الرموز والنخب العلمانية هم فى النهاية جزء فعال وأصيل من الثورة المضادة،  حتى لو كانوا حاليًا ضد الانقلاب العسكرى، فقد شكل العلمانيون _ بقصد أو دون قصد _ الظهير النخبوى للثورة المضادة والانقلاب العسكرى حينما وجدوا فى بطش الآلة العسكرية ضالتهم المنشودة التى تمكنهم من التخلص من خصومهم الإسلاميين دون رحمة .. أما العسكر فلم يريدوا أكثر من وجوه ديكورية توفر لهم حشود مخدوعة شكلت  غطاءً جماهيريًا لانقلاب 3 يوليو (تموز). وقد وفر العلمانيون للعسكر ذلك بكل سهولة عندما استغلوا كتلة _ ليست بالقليلة  من المصريين _ لم يكن معظمهم أصلًا من مؤيدي ثورة الخامس والعشرين من يناير _ وقعت تحت ضغط أزمات بعضها حقيقية وبعضها مفتعل وأقنعوهم بالتمرد والنزول في الثلاثين من يونيو.

ويبدو أن العلمانيين _ في تلك اللحظة لم يتعلموا مثلهم مثل الإخوان _ من تجربتهم مع الجيش عقب انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952 ، يقول محمد نجيب في مذكراته: إذا ما خرج الجيش من ثكناته، فإنه حتمًا سيطيح بكل القوى السياسية، المدنية، ليصبح هو القوة السياسية الوحيدة في البلد… وأن كل قوة سياسية مدنية عليها أن تلعب دورًا مع القيادة العسكرية الديكتاتورية ثم يقضى عليها.*

قد تكون لدى بعض العلمانيين الآن مشكلة حقيقية مع النظام أو الحكم العسكرى كونهم يريدون التخلص منه  بعد أن حقق لهم غايتهم في إزاحة  الإسلاميينمن المشهد السياسي، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يعبرون عن الثورة المصرية، فقد يبغون التخلص من الحكم العسكري، لكنهم يريدون العودة لحكم أضل وألعن منه، بل أضل من جاهلية قريش نفسها، ألا وهو حكم الجاهلية المعاصرة أو العلمانية… فالعرب فى الجاهلية كانت لديهم بعض الحمية والشرف والشهامة وهذه القيم لم تعد موجودة الآن بعد أن تم استبدالها بقيم مادية، مشوهة.

عندما أرادت الشعوب العربية أن تتحرر، أرادت أن يكون ذلك بالعودة إلى حكم الإسلام؛ لأنه الوحيد القادر أن يضمن لها حرية منضبطة تشمل جميع مناحي الحياة دون الرضوخ لأجندات ليبرالية رأس مالية أو اشتراكية وعلمانية.

قد نتفق مع هؤلاء العلمانيين في هدف قريب، ولكننا حتمًا سنختلف في هدف بعيد، و طالما هناك مبادرات وأوراق عمل وحوارات تصر على مناقشة هدف بعيد _ شكل الدولة و دستورها و هويتها_ دون الهدف القريب _ إسقاط الثورة المضادة _ فنحن أبدًا لن نتفق مع هؤلاء بل ستزيد الهوة و الفجوة و ستتضخم و من ثم لا داعى أصلًا لهذة المبادرات التى نجلس فيها مع شخصيات تبدو شاذة _حتي في ظل المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها_ تعود بنا إلى الوراء آلاف الخطوات.

أي مبادرات لتحقيق إصطفاف مع نخب أو رموز علمانية و ليبرالية لن تبوء إلا بالفشل و ربما الخير الوحيد الناتج من وراء مثل هذه المبادرات هو أنها توضح لنا دون لبس كيف يفكر الطرف الآخر و ماذا يريد منا.

من يبحث عن الإصطفاف الحقيقي يبحث داخل الصف الإسلامي نفسه الذي يعاني من التشرذم وكذلك مع بعض شباب تلك الحركات الثورية دون رموزهم …فكثير من ههؤلاء الشباب غير مؤدلجين وليست لديهم مشكلة مع دينهم، وإنما أبتعدوا عن الصف الإسلامي لأنه لم ينتهج النهج الثوري المطلوب.

من يريد الاصطفاف لا يذهب إلى مؤتمرات أو يلجأ إلي وثائق يخط بنودها العلمانيون وفق الإرادة الأمريكية ورغمًا عن إرادة غالبية الشعب المصري كما حدث من قبل في واشنطن، إنما يخاطب الناس بالثورة ويذهب إلي ميادين الثورة الحقيقية وهناك سيجد الاصطفاف الحقيقي مع من هم أهل له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

* محمد نجيب ، كنت رئيسًا لمصر صـ 358
عرض التعليقات
تحميل المزيد