أمام إقدام الثوار تَتَلعثم الأقلام، وتَخرس الكلمات، فلا قلم يكتب ولا حديث يعبر. نعم، فعندما تلد النساء أمثال هؤلاء الأبطال الذين رضعوا حليب الغيرة والشهامة والكرامة والشرف والعزة؛ يتربون ويترعرعون لا يقبلون بالضيم والمهانة والذل، حتى لو كانَ ذلك على حساب أغلى ما يملكون وهي أرواحهم وحياتهم، وأمثال هؤلاء الثوار كثيرون خصوصًا عندما يثور الأبطال الغَيارَى على وطنهم ومقدساتهم؛ فَيسطرون أروع بطولات الكرامة وملاحم العزة، فيما شجاعتهم تغسل منديل المتقاعسين الخائفين من كل ما يعلق به من أهواء وزيف، وتتوضأ أفعالهم لتقف خاشعة في محراب الأقصى الحزين.

ومنهم الطفل الشجاع الهُمام (خليل جبارين) الذي أبى إلا أن يكون موضعَ فخر واعتزاز؛ ليصوغ من نجوم عُمره قلادة زاهية يضعها في جيد حبيبه الوطن الذي كلفه جراحًا في جسده وسجنًا لزهرة شبابه مع أربع جدران مظلمة. حيث طرز من شجاعته وحبه لوطنه ثوبًا زاهيًا جميلًا مُكللًا بالنخوةِ والغيرةِ على الأهلِ والمُقدسات، وردعًا لكيد الطغاةِ الغاصبين، لمثل هذه النماذج الباعثة على الأمل تخاف الأنظمة الديكتاتورية الظالمة وقوة الاحتلال المجرم سريانها في نفوس شباب الأمة والشعوب بعد خمول ويأس وفشل.

تَتعلق العيون بكل طارق لباب الحرية بالدماء، وحين يكون الطارق هو «خليل جبارين» نقف صامتين غير متكلمين؟! خليل جبارين هو طفلٌ فلسطيني في السادسة عشرة من عمره، من بلدة يطا التابعة لمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، حيث قام هذه الطفل الشجاع المقدام بتنفيذ عملية طعن بسكين لجندي إسرائيلي قرب مستوطنة «غوش عتصيون» حيث أسفرت عن مقتل خنزير -أري بولد- من مستوطنة «أفرات» والذي يحمل جنسية أمريكية ويبلغ من العمر 40 سنة، الذي أصيب بجروح حرجة ليُعلن الطاقم الطبي في مستشفى «هداسا عين كارم» بالقدس المحتلة بعد ظهر اليوم الأحد الموافق 16 سبتمبر (أيلول) 2018، عن وفاته مُتأثرًا بجراحه. فيما أطلق خنزير آخر من المستوطنين النار من مسدسه على الطفل مما أدى إلى أصابته بجروح.

أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين بعد يوم من إصابته، باستقرار الحالة الصحية للأسير الجريح الطفل خليل، وأوضحت الهيئة أنه يرقد الآن في مستشفى «هداسا عين كارم»، حيث تمكن محامي الهيئة «كريم عجوة» من زيارته، وتم إبلاغه من قبل الطاقم المشرف والمتابع له أن حالته مستقرة، وأنه مصاب بعدة رصاصات في أنحاءٍ متفرقة من جسده. وحملت الهيئة الاحتلال الظالم المسؤولية الكاملة عن حياة الطفل، خصوصًا وأنه يرقد على سرير المستشفى مقيد اليدين والقدمين، وأنه هناك معاملة غير إنسانية يتعرض لها من قبل جنود وشرطة الاحتلال، الذين يفرضون حراسة مشددة عليه.

إن الملفت للنظر في هذه العملية البطولية فارق الحجم والعمر بين طفل الحق الشجاع والمستوطن الظالم الهش، ففارق العمر بينهما 23 سنة، بل واللافت للنظر أكثر، المستوطن القتيل جندي مدرب في جيشِ الاحتلال الإسرائيلي، وعضو مقاتل في وحدة التدخل لأمن المستوطنات، فيما الطفل النحيل صاحب الإرادة القوية ليس مدربًا تدريبًا عسكريًا كذلك الخنزير الصهيوني. فارق القوة هنا ليس العمر والجسد، ولا التدريبات والسلاح، القوة هنا هي قوة العقيدة ورحاب الإيمان بالله الذي يمدنا بروح القوة، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله ولا يخشى إلا الله، فالمؤمن أقوى من البحر بأمواجه والرياح بهبوبها والجبال وثباتها وصدق النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- القائل: (لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بِدعائكم الجبال). نعم، قوة الحق والأرض والحرية والإيمان لا يضاهيها قوة، فالحق حق وإن كان مستضعفًا سينتصر حتى لو بعد حين. فبعد ربع قرن من أوسلو تفشل منظومة التنسيق الأمني من ترويض أسود الضفة.

من هنا.. رسالتي لكم يا رجال ضفة العياش، آن الأوان عليكم جميعًا يا أحرار، أن تثوروا في وجه هذا العدوان الظالم الذي دنس المقدسات واغتصب القرى والأوطان وأهان الحرائر واستهان بالشيوخ، انهض يا بطل! فلم يبقَ أحد إلا وتآمر على وطنك الحبيب، ومقدساتك الشريفة، انهض أيها الحر الغيور وكفاك سُبات وتَرهات، ارفع سلاحك واستقم، حول نهار الظالم لنار واجعل ليله جحيم، اطعن، ادهس، أطلق الرصاص، ألقِ الحجارة، فلتصرخ صرختك، ولتجمع شتاتك ولا ترضَ في الذل والهوان، اغضب وأخرج ما في جعبتك، وشد همتك ولتعلو كلمتك، فَكُلكم اليوم موكلون غيرَ معذورين، والحجة تقع على كل منكم صغيركم وكبيركم بلا استثناء. كفاك مماطلة! فالعمر يفنى والأيام تنقضي، أفلا تكون في سبيل الله والأقصى؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد