أمن المعلومات باختصار هو العلم الذي يعمل على توفير الحماية للمعلومات من المخاطر التي تهددها أو الاعتداء عليها سواء بالحذف أو التدمير أو التعديل، وذلك من خلال توفير الأدوات والوسائل اللازمة لحمايتها من المخاطر الداخلية والخارجية واتخاذ الإجراءات وتطبيق المعايير اللازمة لمنع وصول تلك المعلومات إلى أشخاص غير مخول لهم ذلك.

ولضمان أصالة وصحة المعلومات لابد من توافر مجموعة من العناصر، أهمها السرية والتي تضمن لنا سرية المعلومات، والتكاملية تؤمن لنا عدم المساس بالمعلومات أو التعديل عليها بأي شكل من الأشكال، والتوافر حيث يمكننا الوصول للمعلومات في أي وقت نريد. ولضمان أمن المعلومات وحمايتها من الاختراق وتحقيق عناصر أمن المعلومات (السرية والتكاملية والتوافر) يتم استخدام عدة طرق للحماية منها:

التشفير
الحماية بالبرمجيات
السياسات الأمنية
الحماية الفيزيائية (التقليدية)

 

نعلم جميعا أهمية التشفير لحماية وأمن المعلومات والاتصالات، وتبادل الرسائل بين الجهات المختلفة بأمان دون الخوف من أن يتم اختراقها، حتى وإن حدث ذلك فالتشفير يؤمن سرية المعلومات والاتصالات. فبدون معرفة مفتاح فك التشفير يكون من الصعب بل من المستحيل الاستفادة من تلك المعلومات المقرصنة لأنها ببساطة مشفرة، أي قيمتها تساوي صفرًا، وكل ذلك يعتمد على مدى قوة الخوارزمية المستخدمة في عملية التشفير.

فهل سألت نفسك يومًا يا ترى إلى من ينسب هذا العلم نشأة وتطورًا؟!

المسلمون العرب

نعم ينسب علم التعمية بشقيه (التعمية واستخراج المعمى أي التشفير وفك التشفير) للمسلمين العرب، يقول المؤرخ الأمريكي المعروف David Kahn الذي أرخ لعلم التعمية في كتابه The Code Breakers:

“ولد علم التعمية بشقيه بين العرب، فقد كانوا أول من اكتشف طرق استخراج المعمى وكتبها ودونها. إن هذه الأمة التي انبثقت من الجزيرة العربية في الأعوام الستمئة (القرن السابع الميلادي) والتي أشعت فوق مساحات شاسعة من العالم المعروف، أخرجت بسرعة واحدة من أرقى الحضارات التي عرفها التاريخ حتى ذلك الوقت. لقد ازدهر العلم، فأصبحت علوم الطب والرياضيات أفضل ما في العالم ومن الرياضيات جاءت كلمة التعمية (في اللغات اللاتينية عامة وهي كلمة Cipher) كما ازدهر الفن التطبيقي، وتطورت علوم الإدارة. ولما كانت ديانة هذه الحضارة قد حرمت الرسم والنحت (للأحياء) فقد حضت بالمقابل على التعمق في تفسير القرآن الكريم، مما أدى إلى أن تنصب الطاقات الخلاقة الكثيرة في متابعة الدراسات اللغوية مثل كتاباتهم الأدبية في ألف ليلة وليلة، وفي الألغاز والأحاجي والرموز والتوريات والجناس، وأمثالها من الرياضات الذهنية اللغوية. هذا وقد أصبح “النحو” علما أساسيا، فأدى كل هذا إلى أن يتضمن الكتابة السرية (علوم التعمية)”.

 

ينقسم تاريخ التعمية إلى حقبتين هما:

حقبة الاستعمال والتداول

تاريخ التعمية من حيث الاستعمال والتداول مغرق في القدم، عرفها قدماء المصريين واستخدموا التعمية بتبديل بعض أشكال الكتابة لديهم بأخرى. والمقصود بتاريخ هذه الحقبة تتبع استعمال التعمية لإخفاء بعض المعلومات التي يكتبها أو يرسلها على نحو يجعل معرفة الآخرين لها صعبة جدا، وتمتد هذه الفترة من حوالي عام 1900 قبل الميلاد (على ضفاف النيل) وحتى القرن الأول الهجري حيث بدأ العرب بمعالجة التعمية باعتبارها علمًا.

حقبة معالجة التعمية واستخراجها علميًّا

خلال هذه الفترة تمت معالجة التعمية باعتبارها علمًا، بالإضافة إلى استعمالها كما وضعت قواعدها وأسسها، وحللت المبادئ والطرق المستخدمة فيها، وجرى تقويمها، وقد دونت نتائج ذلك كله.

ابتدأت هذه الحقبة بالخليل ابن أحمد الفراهيدي، وابن كيسان، وابن وحشية النبطي، وأبي حاتم السجستاني، وتوجت بعمل يعقوب الكندي في القرن الثالث الهجري.

استمرت هذه الحقبة حتى تاريخنا المعاصر متراوحة بين خمود وازدهار، فقد بدأت تخفت بعد عصر الكندي إلى أن أتت هجمات المغول وحملات الصليبيين فازدهرت من جديد في القرنين السابع والثامن الهجريين، فكثرت الكتب المصنفة فيها على أيدي ابن دنينير وابن عدلان وابن الدريهم وغيرهم، ثم خفتت ثانية لتظهر في الغرب بترجمات أو اقتباسا عن الكتب العربية مع شيء من الزيادة والتطوير في نهاية القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر. ثم خفت العمل مرة أخرى في هذا العلم ليظهر من جديد في القرن العشرين، قبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها، ثم الحرب العالمية الثانية، وبالطبع التطور السريع في علم التشفير حتى وقتنا هذا.

التعمية Encipher

استعمل العرب هذا المصطلح كناية عن عملية تحويل نص واضح إلى نص غير مفهوم باستعمال طريقة محددة يستطيع من يعرفها أن يعود ويفهم النص. أما اليوم فإننا نستعمل كلمة التشفير بدلا من كلمة التعمية، فكلمة التشفير وافدة من اللغات اللاتينية Cipher والتي جاءت من الكلمة العربية “صفر”، وهو ما أشارت إليه كثير من المراجع. فلم يعرف الغرب في العصور الوسطى الصفر لاستعمالهم الأرقام اللاتينية (I، II،III ، IV..) التي لا وجود للصفر في نظامها الرقمي. وحينما دخلت الأرقام العربية (.، ا، 2، 3) العالم الغربي بدا مفهوم الصفر غاية في الإبهام والتعمية عندهم، فجاء مفهوم كلمة الصفر Cipher في جميع اللغات الأوروبية للدلالة على التعمية التي طور العرب عملياتها ودرسوا خصائصها حتى أعطوها طابع العلم.

الترجمة

كلمة فارسية الأصل استخدمها العرب للتعبير إما عن التعمية نفسها أو بعض أنواعها، أو على استخراج المعمى (حل الترجمة، استخراج الترجمة).

حل المعمى أو استخراجه Decipher

شاع لدى العرب استعمال مصطلحات مثل استخراج المعمى أو “حلّه ” أو “فكّه” أو “حل المترجم” كناية عن عملية تحويل النص المعمى إلى نص واضح لشخص أو جهة لا تعرف مسبقا طريقة التعمية المستعملة، أما الآن فإننا نستخدم كلمة “كسر الشفرة” للتعبير عن حل المعمى.

والجدول الآتي يبين استعمال العرب لمصطلحي التعمية واستخراجها:

101215_1716_1.png

ومن أقدم الرسائل في علم التعمية وعلم استخراج المعمى رسالة الكندي في استخراج المعمى.

إذ يعود تأليفها إلى أوائل القرن الثالث الهجري، وتعد بحق مؤلفًا علميا منهجيا في علم التعمية عمقا وشمولا، استهل الكندي رسالته واصفا عمله بأنه “كتاب مما توجد به الحيلة إلى استخراج ما رسم في الكتب المعماة، واختصار ذلك في وجيز القول”.
ومما يثير الدهشة عندما تقرأ هذه الكلمات التي كتبها الكندي في رسالته “فرسمت من ذلك قدر ما رأيته متوسطا في الظهور لأبناء الحكمة، وبعيدا من الظهور لمن بعد منهم، وفارق سبيلهم، وبالله التوفيق “. بمعنى أن الكندي كتب في رسالته ما لا يعتبره هو معقدًا بل مستوى متوسطًا في علم التعمية واستخراج المعمى. فما بالنا بالمستوى المعقد والصعب في علم التعمية؟ مما له دلالة واضحة على مدى تطور وتقدم وبراعة المسلمين والعرب في علم التعمية وعلم استخراج المعمى.

 

101215_1716_2.png

الصفحة الأولى من رسالة الكندي

 

101215_1716_3.png

الصفحة الاولى من مخطوطة “شوق المستهام في معرفة رموز الاقلام ” لابن وحشية النبطي

العوامل التي أسهمت في تقدم علم التعمية عند العرب:

1- قيام العرب بترجمة قدر كبير من علوم الحضارات السابقة والمعاصرة لهم والاستفادة منها في علومهم، وقد اضطروا أثناء قيامهم بالترجمة إلى استخراج المعمى منها وبخاصة في مواضيع الكيمياء والديانات وعلم الباطن، كما درسوا اللغات البائدة واستخرجوا معماها أو حاولوا ذلك.

2- اعتناء العرب باللغة وعلومها عناية بالغة فاقوا بها من سبقهم وتوصلوا إلى الكثير من النتائج العلمية الهامة في المجالات التي نسميها اليوم باللسانيات.
2- تقدم العرب في علوم الرياضيات وتحقيقهم كثيرًا من الكشوف في هذه المجالات أعطاهم الأدوات المساعدة اللازمة لتقدم علم التعمية واستخراج المعمى.

3- حاجة المسلمين والعرب إلى إدارة فعالة لدولتهم التي امتدت واستقرت بسرعة لم ير التاريخ البشري مثيلا لها. وتطلبت هذه الإدارة دراسات شاملة لنواحيها المختلفة بما فيها علم التعمية واستخراج المعمى، حيث أورد القلقشندي في كتابه “صبح الأعشى” المؤلف من أربعة عشر مجلدًا ذِكرَ بعض ما يتعلق بالتعمية وحل المعمى.

4- انتشار الكتابة والقراءة في العالم الإسلامي والعربي وارتباطه بالحضارة وبالقرآن الكريم وعلومه من حيث الدراسة والتلاوة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

د/ محمد مراياتي، يحي مير علم، محمد حسان الطيان، علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب الجزء الأول
The CodeBreakers - Kahn David
CRYPTOGRAPHY AND NETWORK SECURITY PRINCIPLES AND PRACTICE FIFTH EDITION
النص الأصلي للفقرة المترجمة من كتاب The CodeBreakers - David Kahn والترجمة نقلا عن كتاب علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب ج1 Cryptology was born among the Arabs. They were the first to discover and write down the methods of cryptanalysis. The people that exploded out of Arabia in the 600s and flamed over vast areas of the known world swiftly engendered one of the highest civilizations that history -had yet seen. Science flowered. Arab medicine and mathematics became the best in the world—from the latter, in fact, comes the word "cipher." Practical arts flourished. Administrative techniques developed. The exuberant creative energies of such a culture, excluded by its religion from painting or sculpture, and inspired by it to an explication of the Holy Koran, poured into literary pursuits. Storytelling, exemplified by Sheherazade's Thousand and One Nights, word-riddles, rebuses, puns, anagrams, and similar games abounded; grammar became a major study. And included was secret writing
عرض التعليقات
تحميل المزيد