مقدمة

في هذا الإطار يعد الإعلام الأمني على درجة كبيرة من الأهمية في ظل الاستراتيجيات الأمنية المعاصرة٬ من خلال تبصير الموطنين بحقيقية الإرهاب الأعمى الذي بات يمثل تحديًا للقيم الإنسانية وحق البشرية في البقاء، وكشف أدواته وأساليبه الإجرامية٬ وإظهار أهدافه الخبيثة للمجتمع؛ الأمر الذي يتطلب توظيف الإعلام الأمني بدرجة واسعة في توعية المواطن الجزائري بحجم التهديدات الأمنية المحيطة بالجزائر التي تخلفها وجود تنظيمات إرهابية في منطقة الساحل، حيث إن الزحف المتواصل من موجات الهجرات البشرية داخل التراب الجزائري والنشاط المتنامي لعصابات التهريب والمخدرات والجماعات الإجرامية، ثم دخول الحركات الإرهابية لتنظيم «داعش» الإرهابي ليبيا، و«القاعدة» في المغرب الإسلامي في السنوات الأخيرة.

ولما كان للعمل الإعلامي الأمني على درجة كبيرة من الأهمية في ظل الاستراتيجية الأمنية المعاصرة للمديرية العامة للأمن الوطني٬ في مكافحة الإرهاب ومواجهة الفكر الإرهابي والتطرف وإعلام المواطنين على حجم المخاطر الناتجة عن ظاهرة الإرهاب، ومدى تأثيرها علي المجتمع الجزائري حتى يمكن توعية المواطن باتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة التدابير الوقائية، وإيصال الرسالة الأمنية بفعالية في تزويد الموطنين بالمعلومات الأمنية، ونشر الثقافة الأمنية ورفع درجة الوعي والتأهب واليقظة الأمنية، ورغم الجهود المبذولة لمواجهة ظاهرة الإرهاب في الجزائر، إلا أنها في تنام مستمر على مستوى دول الجوار، ورغم العمليات الناجحة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في الآونة الأخيرة في إجهاض العمليات الإرهابية، إلا أن دور الإعلام الأمني يبقي مهم في مكافحة الإرهاب وفي إطار ما تواجهه الجزائر من حرب حقيقية ضد الإرهاب، فإن الدور الإعلامي يصبح لاعبًا رئيسًا في المواجهة الشاملة ضد التهديدات المتنامية في المنطقة.

المحور الأول: مفهوم وأهمية الإعلام الأمني

لا يختلف اثنان على أن وسائل الإعلام أضحت من أهم وسائل التنشئة الاجتماعية التي تساهم بشكل كبير في تعميق المفاهيم المتابعة في المجتمع، وترسيخ القيم السائدة وتثبيت العلاقات القائمة بين مختلف المؤسسات والمواطنين، ويتعرض الفرد للإعلام بشتى وسائله بشكل مستمر يحصل من خلاله على الأخبار ومختلف الآراء والمعلومات التي تساعده إلى حد كبير على تكوين تصوره للعالم الذي يعيش فيه ويتعرف على الواقع المحيط به.

فعندما تنشر وسائل الإعلام الأخبار، فإنها تعطي تحذيرًا من الخطر المحدق بالمجتمع، سواء من الداخل أو الخارج؛ مما يساعد على درء الخطر في الوقت المناسب، ويتيح النشر للأفراد فرصًا متساوية بالإحساس بالخطر، والاستعداد لمواجهته، ومن هنا يتولد لدينا تساؤل عن كيفية الاستفادة من هذه الوسائل في خدمة قضايا ومشكلات المجتمع في المواضيع الأمنية؟

إن التطور الهائل الذي حققته وسائل الإعلام غير من نظرة المسئولين لها؛ إذ لم يعد ينظر لها على أساس وسائل متعة وترفيه فقط، بل تعاظم دورها ليشمل كل نواحي الحياة اليومية للمجتمع، لذا تسعى الأجهزة الأمنية إلى توظيفها في مجال الوعي الأمني للمحافظة على وحدة المجتمع ثقافيًا واجتماعيًا.

إن وسائل الإعلام تحظى بنصيب كبير ومؤثر، إذا خطط لها ووجهت توجيهًا مدروسًا من خلال نشر الوعي بمفهومه العام والدعوة إلى التمسك بالقيم والمبادئ الوطنية.

إن وجود العديد من الكتابات التي تناولت الإعلام الأمني من خلال علاقة الإعلام بالأمن، ولكن ليس في شكل مصطلح محدد يرمز إلى الجانبين معًا في آن واحد كما هو الحال في مفهوم الإعلام الأمني، لذا فإنه يمكن القول إن مصطلح الإعلام الأمني يعد مصطلحًا عربي النشأة إلى حد كبير،  إذ إنه لا يوجد في الكتابات الأكاديمية في مجال الإعلام الأمني بمختلف اللغات؛ ما يشير إلى هذا المصطلح بشكل محدد.

يعد مصطلح الإعلام الأمني حديث النشأة ذي دلالة على الأمن الداخلي للدولة والمجتمع أكثر من غيره من أنواع الأمن (كالأمن الاقتصادي والأمن البيئي والأمن الغذائي)، ويساهم في خدمة أمن المجتمع واستقراره، مرتكزًا على المخزون الفكري والثقافي للأمة.

من خلال المحاولات التي تناولت تحديد هذا المصطلح تعدد تعريفات الإعلام الأمني وفقًا لفهم العاملين عليه، وتستند هذه الأخيرة في الغالب على ثلاث نقاط أساسية:

1- إن اهتمام الباحثين في الإعلام الأمني هو في واقع الأمر اهتمام بكيفية الاستفادة من التقنية والحرفية والخبرة الإعلامية في نشر الثقافة والمعرفة الأمنية بين أكبر عدد من الناس.

 2- دراسة الإعلام الأمني في واقع الأمر دراسة لأهم وظائف الإعلام المتمثلة في التثقيف ومعرفة الأفكار والمعلومات والأخبار الجديدة الناس.

3-إن اهتمام وسائل الإعلام العصرية بالموضوعات المتخصصة هو في الواقع اهتمام بالتطورات التي يشهدها العالم في مختلف مجالات الحياة بعلومها ومعارفها المختلفة وذلك لتلبية منها لاهتمامات الناس وإستجابة لرغباتهم وحاجاتهم للمعرفة.

ومن التعريفات التي حاولنا الوصول بها إلى تحديد مفهوم الإعلام الأمني ما يلي:

* كل ما تقوم به الجهات ذات العلاقة من أنشطة إعلامية ودعوية وتوعوية بهدف المحافظة على أمن الفرد والجماعة، وأمن الوطن ومكتسباته في ظل المقاصد والمصالح المعتبرة.

* بث الشعور الصادق بالأمن وحق التوجه إلى وسائله وطرقه حتى يحس الإنسان أنه آمن على حياته ودينه وعرضه وماله وسائر حقوقه الأساسية دون تهيب أو سطوة أو جور.

* النشر الصادق للحقائق والثوابت الأمنية والآراء والاتجاهات المتصلة بها والرامية إلى بث مشاعر الطمأنينة والسكينة في نفوس الجمهور من خلال تبصيره بالمعارف والعلوم الأمنية، وترسيخ قناعاتهم بأبعاد مسئولياتهم الأمنية، وكسب مساندتهم في مواجهة صنوف الجريمة، وكشف مظاهر الانحراف.

* يشمل الإعلام الأمني المعلومات الكاملة والجديدة الهامة التي تغطي كافة الأحداث والحقائق والأوضاع والقوانين المتعلقة بأمن المجتمع واستقراره.

* كل الجهود التي تهدف إلى إيجاد واستثمار علاقة إيجابية متبادلة بين أجهزة الأمن ووسائل الإعلام، بغرض التوظيف العلمي الهادف لهذه الوسائل في خدمة الأمن وإيصال رسالته للجمهور.

* يعد الإعلام الأمني نمطًا إعلاميًا هادفًا يخدم المصلحة العامة للبلاد بوجه عام والمسائل الأمنية بوجه خاص كونه يهدف إلى زرع الأمن والطمأنينة في نفوس أفراد المجتمع بشتى شرائحه، مستخدمًا مختلف فنون الإعلام من كلمات وصور ورسوم وألوان ومؤثرات فنية أخرى معتمدًا على المعلومات والحقائق والأفكار ذات العلاقة بالأمن التي يتم عرضها بطريقة موضوعية، وهذه مسئولية رجال الإعلام، وذلك من منطلق مسئولياتهم الثقيلة الملقاة على عاتقهم وتؤديها هذه الوسائل في إطار وظيفتها الاجتماعية والسياسية في المجتمع، حيث إنها مسئولة مسئولية مباشرة عن الإسهام في حركة تطور المجتمع والالتزام بغاياته وطموحاته وهو إعلام يهدف إلى المواجهة الحاسمة والسريعة لكل ما يهدد وظيفة الأمن وكسب ثقة الناس.

* إن الإعلام الأمني هو إعلام له طابع حساس ولا يستطيع كل محرر أن يخوض فيه لتشعب موضوعاته، وحاجة هذه الموضوعات إلى محرر ذي قدرات خاصة وإلمام دقيق بأبعاد ومسئوليات الموضوعات الأمنية؛ إذ إنه لا يقتصر الإعلام الأمني على ما تصدره الأجهزة الأمنية وتقوم وسائل الإعلام بنشره على شكل بيانات وإيضاحات فقط، بل تتعدى إلى تهيئة قدرات مؤهلة من القائمين بالاتصال للكتابة والخوض في الموضوعات الأمنية وكلهم وعي بمدى المسئولية الملقاة على عاتقهم ومدركين كل الإدراك كافة الأبعاد الأمنية والأضرار الاجتماعية وغيرها من جراء النشر لمثل هذه المواضيع الحساسة.

إن القائم بالاتصال في ميدان الإعلام الأمني يحتاج إلى الخبرة والالتصاق بالأجهزة الأمنية والخلفية المرجعية للمسئولية الأمنية وتقدير حساسية الموضوعات المعالجة، وهذا يستدعي من الأجهزة الأمنية أن تتحمل نصيبًا من المسئولية في قصور الإعلام الأمني الخاص عند المعالجة والتناول إذا لم تمده بالمعلومات.

المحور الثاني: أهمية الإعلام الأمني في مكافحة الإرهاب.

للإعلام الأمني أهمية بالغة يستمدها من اعتبارات شتى فإذا كان هناك اتفاق شبه تام على أهمية الإعلام في حياة الشعوب والدول على اختلاف درجات وعيها وتطورها، فإن أهمية الإعلام الأمني تصبح قضية لا جدال فيها، وتصبح عملية توظيف وسائل الإعلام في هذا المجال لا تخرج عن طبيعة الدور العام والهام لهذه الوسائل، والمتمعن في نمط الحياة اليومية للمجتمع الجزائري يتجلى له أن جل أفراده يستقون معلوماتهم المتعلقة بالمواضيع الأمنية من مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والمكتوبة وتسيطر هذه الأخيرة على بقية المصادر وتؤثر فيها.

إن المجتمع الجزائري يعيش ثورة الاتصالات والمعلومات كبقية المجتمعات الأخرى، وهذا يفرض على المهتمين بتنمية الوعي الأمني العناية بوسائل الإعلام؛ لأنها أصبحت من الوسائل المؤثرة والفاعلة في أسلوب حياة الناس، ذلك أن بناء نظام إعلامي متكامل يشكل الإعلام الأمني جزءً منه، بل واحدًا من دعائمه الأساسية هو في واقع الأمر أحد أكبر المهام التي تطلع بها وسائل الإعلام في المجالات المختلفة.

إن الإعلام الأمني هو إعلام موضوعي دقيق يقدم المعرفة الأمنية إلى الناس بهدف الرفع من درجة الوعي الأمني، وخاصة في المجتمعات النامية التي تحتاج شعوبها إلى تحسين الواقع نحو الأفضل، والتعرف على مشكلاتها الحقيقية في المجال الأمني.

يزيد الإعلام الأمني من قوة المشاركة الجماهيرية في خدمة قضايا المجتمع الأمنية وذلك من منطلق أن الإعلام يقرب وجهات النظر ويبني رأيًا عامًا تجاه القضايا الأمنية بما يدعم الجهود الرسمية الداعية إلى مواجهتها.

تعاون وسائل الإعلام مع المتخصصين في المجالات المختلفة بتطويع مختلف العلوم لخدمة المجتمع؛ فالمجتمع البشري يزخر بالمشكلات الأمنية المختلفة التي تتطلب المواجهة والحل، باستخدام العلوم وتعاون أفراد المجتمع مع المتخصصين على أداء دورهم لحل هذه المشكلات الأمنية على أساس معرفتها بها.

يزيد الإعلام الأمني من الارتباط بين المجال الأمني ووسائل الإعلام، وذلك أن غياب هذا الارتباط يفقد المجتمع عنصرًا أساسيًا من العناصر المطلوبة لوعيه وتقدمه، فالوعي الأمني الذي تهدف وسائل الإعلام إلى نشره وتعميقه يعمل على تحرير الإنسان من قيد الجاهلية، وما يتبعها من شعور بالإحباط، وما ينتج عنها من تقصير عن القيام بواجبه الأمني واستغلال الطاقات والقدرات على الوجه الأكمل.

  أما الغاية من الإعلام الأمني تتمثل في الحاجة إلى:

إنماء السلوك الاجتماعي العام للاهتمام بالأمن والسكينة، ويتمثل ذلك بحملات إعلامية تهدف إلى توعية المواطنين وتبصيرهم بواجبهم حيال الأمن العام، وإرشادهم إلى أقوم السبل التي يتعين عليهم انتهاجها لحماية أرواحهم وأموالهم من أخطار الجريمة وأخطار الجهل بسبل السلامة.

توفير المعلومات الأمنية التي تضمن للجمهور حق المعرفة فيما يدور حوله من قضايا المجتمع الأمنية ذات الصلة بحمايته في الحاضر والمستقبل، وربطه بقضايا المجتمع ومشكلاته؛ لأن حجب المعلومات الصحيحة عن الأمن والجريمة يؤدي إلى الاعتماد على الشائعات والأقاويل الخاطئة أو المبالغ فيها، بدلًا عن الحقائق التي تمتلكها أجهزة الأمن، وفي ظل غياب المعلومة تنتشر الإشاعة؛ مما يدعو المواطنين إلى اللجوء إلى وسائل الإعلام الخارجية لمعرفة ما يجري داخل مجتمعهم، وهذا الإعلام الخارجي لا يلتزم بالتأكيد بمصلحة المواطن أو الوطن، بل له دوافع عدوانية يبثها عبر وسائله الإعلامية بأساليب مغرضة من خلال ما ينشره أو يذيعه من معلومات.

تفعيل سبل الاتصال بين الأجهزة الأمنية من جانب الجمهور، ومن جانب آخر؛ ليثري الروح المعنوية والمادية بكل مقومات النجاح والتفوق، ويدفع إلى الالتزام بالتعليمات والأنظمة التي تكفل أمن الإنسان وسلامته في شتى المجالات، ويتم ذلك وفقًا لما يلي:

أ- تأصيل وتعميق التعاون والتجاوب بين الجمهور ومختلف قطاعات الدولة لما يحقق خدمة أوجه الأمن والاستقرار، وهذا يتطلب تعبئة الشعور العام، وإمداده بالمنافع والمفيد ليتقبل أفراد المجتمع متطلبات سلامتهم وأمنهم، وتدعيم روح الأخوة وبث وترسيخ مفهوم حب الوطن في النفوس وتدعيم الاتجاهات الإيجابية لدى المواطنين.

ب- تعديل اتجاهات متلقي الرسالة الإعلامية عن طريق برنامج توعية أمنية مخططة قوية وفاعلة تعتمد عليها المجتمعات في مواجهة الظواهر الإجرامية والإقناع بالسلوك الأمني.

ج- نشر المعرفة بين صفوف رجال الأمن وتزويدهم بكل جديد في مجال تخصصاتهم وإقامة الندوات والمحاضرات وكل ما من شأنه أن يساهم في ترقية اهتماماتهم نحو الأفضل في أداء واجباتهم وخدمة مواطنيهم بكل إخلاص وأمانة.

د- التصدي للمؤثرات السلبية على الأمن الاجتماعي والعمل على تحصين أفراد المجتمع ضد المؤثرات والثقافات الوافدة بحكمة وبصيرة.

هـ- تقديم النماذج الإنسانية الحية التي توضح كيف يمكن عودة المجرم إلى المجتمع ومساعدته في التكيف مع أفراد المجتمع، وإبراز مجالات التعاون والمساعدة له التي تجنبه العودة إلى السلوك الإجرامي.

و- تبصير المواطنيـن بواجـباتهم نحـو إجراءات الحمايـة اللازمـة للأرواح والممتلكات، حتى لا يكونوا فريسة سهلة لذوي النشاط الإجرامي والإرهابي، كإبلاغ جمهور القراء بالأساليب والطرق والظواهر الإجرامية الجديدة التي يلجأ إليها المجرمون في جرائم الإرهاب، والقتل والسرقة والعنف، وتزويد المواطنين بالإرشادات التي تعينهم على الوقاية من الإرهاب مثل: الإبلاغ عن الأماكن المشبوهة للإرهابيين، الحرص على الممتلكات الخاصة والعامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد