أردتُ الابتعاد قليلًا عن عالم التقارير، وتقديم مقطوعات كتبتُها على فترات متفاوتة هذا العام، ربما لا يكون بينها أي رابط أو خيوط متشابكة كما في الأفلام والأشعار، لكنها بلا شك مكنونات تجلَّت في حالات من النشوة الفكرية وصفاء الروح.

قاع الكوب الفارغ

نظرت إليك.. عبرك وفيك، ارتأيت انعكاسي؛ أنا قاع الكوب الفارغ الذي أرهقه الخواء، امتلأ حد الارتواء فقط وقت أن صببت حروف اسمك بين الثنايا، أنا حبات البلّور المكسور، أنا التردد المغبون، أنا من لُعِنت بوضع النقاط عوضًا عن الفواصل.

أخزّن الحزن لاعتقادي بأنه منبع قوة، تائهة أنا كعابر ضل الطريق، وأنسته الأيام موطنه ومن يكون.. في عينيك لست كل ذلك، ولست بعضًا منه أو أدنو إليه، أنا شخص تمنيت طوال حياتي أن أكونه، أراني هناك ألقن الفرح وأهدِيه للطفل وللعدو قبل الصديق، أراني أشرق كروح وُلدت منذ أبد الدهر مخبوءة في كتاب؛ والكتاب على رف، والرف في عقلك، وعقلك أضحى صديقًا مفضلًا لقلبك، وقلبك هو أنا.. وأنا هي أنت!

ألا بئس الحياة!

ماذا لو استيقظتُ صباحًا متخمًا بأحلام الليل، شرهًا إلى زاد الواقع؟

تعد قدح الشاي، تجلس بهدوء ترتشفه، ومع كل رشفة تدبّ الحياة إلى عقلك، وتنساب هموم الحياة مع انسياب رشفاتك، يقع ناظريك على جورنال، تلمح عيناك «إنها النهاية»، تنظر حولك لتشارك أحدًا الهزل المكتوب، ليس هناك سوى كوب الشاي فتخاطبه ويتجاهلك، شيء ما يرغمك أن تفتح كتابًا، فتفعل، يبدو لك البطل متئدًا، مستغرقًا في عزلته، يحتسي القهوة بينما تتعثر عيناك بالحروف.

تأتي على مجلد صور قديمة، تفتحه، ينظر لك البطل مدهوشًا، طيلة تلك السنوات كان ينظر إلى كل شيء ولا يبصر أي شيء.

تحدق في الصورة، يبدو الرجل معبّقًا بالحزن، مُترَعًا بالمرارة، تسأل البطل ما قصته؟ فيطرح البطل توأم السؤال على بطل الصورة، وهنا تتمعن في ملامح الوجه، أيُعقل أن يكون ذلك أنت؟

ألا بئس الحياة! اختلست ضحكاتك، بعثرت أشعارًا لطالما فاض بها فؤادك، وغمرتك وحدةً لا تُغتَفر!

راهبة في محراب مقدس

تعتّقت الروح في وحدتها، السخط أخضع النفس إلى مخدعها، لكم أشتهي أن أبصر العالم من عينيها؛ تلك الطفلة التي لا تعبأ أبدًا بالحياة، التي لا تكترث لأحد!

تتجسد في حضرة عالمها كراهبة في محراب مقدس، في خاطرها أغنية، لطالما تُردِّدُها، وقعُها على قلبي كترنيمة سلام، وقعُها عذب كحلم يجول بخاطري في الصحو قبل المنام.

أبصرها ترقص، تدمدم وتضحك، تترفع عن خيبات عالمنا، تزهو بفرديتها، أبصرها تحت الرُقعة الرمادية من السماء، في يوم مشابه لأيام مضت، وستمضي تتلذذ بكل ما وهبته لنا الحياة، ارتأيت أخيرًا أني يجب أن أتوقف عن النظر إلى العالم من خلال رأسي، أن أحتذي بها، وأراه بوجداني، وأن أكون معطلة – ولو قليلًا -عن التفكير، وأن أنسى.

أليس لهذا قيل إن الحياة مجاز؟

كيف لرؤياكَ أن تربك ذاتي؟ كيف لعيناك أن تنفذ إلى سريرتي، أن تبعثر في الفضاء كل نوايا الرحيل التي أنتويتها، أن تطمسها في العدم، وتثوي بعدها في التراب أمنياتي؛ تلك التي ما ينفك يمليها عليّ عقلي، فيبكيها قلبي، قلبي الذي ذاق مرارة الحياة وحلاوتها، الذي زرعتُ فيه الشوك كي لا أتألم، وبنيت أسوارًا من فولاذ، فأذابت ابتسامتك الموانع، وبكلماتك زرعت الورد ونثرته في أنحائي، أضحى يوم مولدي اليوم الذي هتفت بحبك، وبرحيلك توشحت بالسواد روحي، وانطفأت شمعة نفسي، وخمَدَت نيران قلبي.

قالت لي امرأة عجوز يومًا: «ستعشقين الفحم وتهجرين الألماس، وسيتشظى قلبك الزجاجي إلى قطع لا تُرى… لا تُرى». يومها سخرت منها، ألا يسخر المرء من قدَره قبل أن تروضه الحياة؟

ذات يوم سنلتقي، في عالم لا يموت فيه الناس ظلمًا ولا عبثًا، ولا تُسفك الدماء هدرًا، في عالم تغرب فيه شمس آخر يوم في الحياة، ويعلو فيه أذان الحق وترانيم المحبة وشعائر السلام.

إني أهرب مما أنا عليه حقًا؛ لأني أرفض أن أكونه، أواصل الهروب منذ الصغر، وأختزل ألف حكاية وقصيدة بداخلي؛ كما تختزل النار ما يوقدها، صبارٌ أنا على تلك الأرض التي أحيا بها، وربما بنفسج في حياة أخرى ذاتي تتوق لها، يراودني شعور بعدم الانتماء، يباغتني ويسكنني، يُظلِّل خياليَ العاكِس.

أنظر إلى الحياة بعين الزهرة التي تقف على هامش الحياة، بالقرب من محطة قطار، على الأوْبةِ يومًا لم تقدم، لكنها لن تنتظر بهدوء إلا أن تذوي، ستتحرر ولو إلى العدم، معبّقة بحفنات منك، أليس لهذا قيل إن الحياة مجاز؟

أيا بحرًا إليك أشكو

أسير جارًا خيبتي، شظايا بهجتي، وضحكات أحبتي، قلبي يدمدم لحنًا خافتًا، عقلي يروّض ذكرياتي ويهدهدها، تحاول الركض فارةً إلى أعمق نقطة في روحي، يترصدها عقلي ويعيدها، يُهدِّئ من روعها؛ كما أم تكفكف دمع أبنائها، وتخزنه في وعاء حزن هو بضع من فوائدها.

أنا زهدت مني، وكلما تعاظم زهدي أراني أُلقي بثقل كياني فيك؛ يا بحرًا من الصبر، وكمًا مخزولًا من تعاسة البشر! ساهمةٌ، تسألني حبات الرمال: «لم تضج وجنتاك بالملوحة وعيناك بالبريق؟» تشهَقُ فزعًا وتنتفض غضبًا من أن يتم سبر أغوار أسرارك، أنت الذي توشحت الغموض، وتتدفأ بالأسرار، وتغطيك سماء تتلحف بها.

ملوحتك هي دلالة أصالتك، هي إيثار رضيت أن تحمله كي تخفف الحمل عن أبنائك، يملؤني شعور حدّ الإيمان أنه ما أنت سوى دمع وابتهالات، ملاذ وموطن، تدمع عوضًا عن من صقلتهم الحياة، حتى باتوا تماثيل من قساوتها، أيا بحرًا منك الموت وفيك الحياة.

اعرف نفسك بنفسك!

لطالما تلبّسني هاجس أني لن أصل، أن نهاية طريقي هوّة سحيقة من الخيبة، لأواسي نفسي ربما، فكرتُ في يرقة تنسج حريرها ببطء خجول، فهمس لي العصفور الذي كان سارحًا معي: «تعجليها ولن تحصدي إلا على خرقة من القماش!»

لم أقتنع! حتى وجدتني مشدوهةً لطفل يصر معلموه على تلقينه الأحرف، وتضيق بها دهاليز عقله، فيصبح كشريط قد سف حتى الرمق الأخير، تتلاشى المعلومات حتى تتجسد في حبة دواء، حبة لا تناسب كبسولتها، وقتها لا يكون هناك سوى سطر منسي سقط سهوًا على السطور، لا هو عرف نفسه، ولا فهم كينونتها، فاستخدمته الأحرف مَعبرًا لمدنها، وتلاعبت به الأقلام حد أن هُمِّش وتبخر في أروقة الحياة.

تمنيت لو لوَّحتُ للطفل، وناشدته بعبارة لطالما حفرت على معبد دلفي: «اعرف نفسك بنفسك!».

لكني مثله، لطالما دفعتُ ثمن طعني في الأشياء وشكي بالثوابت، فماتت سنابل بداخلي، قاذفة بذورًا، انبثقت منها زهور من ذرات ألم منسوجةً بأمل رحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد