تقبل الذات (self-acceptance) مصطلح جذاب وتعبير رائق نسمعه هنا وهناك، وهو أحد اشهر المفردات التي يرددها دعاة الإيجابية والتفاؤل والسلام الداخلي!

لا يمكن أن ننكر أهمية (تقبل الذات)، واعتباره خطوة أولى ضرورية لأي تقدم نحو الافضل وللارتقاء بالذات. ولقد نال هذا المفهوم اهتمامًا كبيرًا في علم النفس الحديث باعتباره مفتاح الصحة النفسية للفرد.

إلا أننا نلاحظ أيضًا أن مفهوم (تقبل الذات) كثيرًا ما يساء فهمه، بحيث يتم توظيفه بصورة خاطئة، وهو ما يقود بالتالي لنتائج عكسية غير صحية. يفهمه البعض على أنه يعني وحسب (حب الذات، العناية بالذات، الرضا عن الذات)، وربما تطور الأمر لدى البعض إلى ما يشبه النرجسية وعبادة الذات self -worship!

فأين يكمن الخطأ؟

دعنا نبدأ بكلمة (التقبل).. تقبل الآخر، تقبل شروط الحياة، تقبل المرض، تقبل المشاعر السلبية، وتقبل الفشل.. وغير ذلك. إن جميع هذه المفردات يتناولها علماء النفس في سياق واحد الى جنب مفهوم (تقبل الذات). لاحظ معي أن (التقبل) بشكل عام لأمر من الامور، لا يعني أن ذلك الأمر جيد، أو أننا لن نسعى لتغييره. بل على العكس، فتقبل المرض لا يعني عدم السعي لتغييره، وتقبل الفشل لا يعني عدم مواصلة المحاولة، وكذلك تقبل الآخر لا يعني بالضرورة أنك راض عن كل ما يحمل من طباع وأفكار!

بالمثل يمكننا أن نفهم معنى (تقبل الذات)، فهو لا يعني بالضرورة الرضا عن كل ما في ذواتنا، ليس هناك إنسان كامل بالتأكيد! وهذا يعني أن لدينا جميعًا سمات أو سلوكات سلبية، بنسب متفاوتة.

لا بد من التأكيد هنا أن جميع علماء النفس الذين اهتموا بمفهوم (تقبل الذات)، مثل آلبرت آليس وكارل روجرز، إنما يتحدثون عنه باعتباره خطوة أولى لتطوير الذات والتغلب على المشكلات وأيضًا لعلاج الاضطرابات. أي أن (التقبل) يمثل خطوة أولى نحو (التغيير). يقول مايكل برنارد بروفيسور التربية في جامعة ملبورن الأسترالية: اتفق المنظرون في مجال (تقبل الذات) على اختلاف اتجاهاتهم على ان قبول الذات يجب أن يكون مصحوبًا بتصميم من الفرد على تحسين سلوكه السلبي.

ماذا يعني تقبل الذات اذن؟

اتضح آنفا أن (تقبل الذات) لا يعني بالضرورة الرضا عن الوضع القائم كما هو، أو الإصرار على تبريره وعدم تقبل النقد! فماذا يعني إذإ؟

يمكن القول إن عملية (تقبل الذات) تتألف من خطوتين:

الخطوة الاولى هي الاعتراف (الإقرار): عليك ان تمتلك الشجاعة الكافية للاستبصار بذاتك بكل ما فيها، بما في ذلك جوانب النقص والقصور والسلبية، وهذا يتطلب بالتأكيد تأمل عميق للذات ووقفة مصارحة هادئة. ما دمت تقاوم الاعتراف بوجود الشيء، فلن يكون هناك تقبل. وقد تبدو هذه الخطوة بسيطة! إلا أن الحقيقة أن الإنسان كثيرًا ما يتجنب ويهرب من الوقوف أمام نفسه! ليس سهلًا أن ننظر لذواتنا في المرآة! أن تقف بعينين هادئتين أمام كل ما فيها، ولعلنا لذلك نفهم قول عالم النفس السويسري كارل يونغ «ليس هناك أكثر رعبًا من أن يتقبل أحدنا نفسه بشكل كامل».

الخطوة الثانية، وهي التقبل: بعد أن تكون واعيًا بذاتك بشكل مفصل أكثر وأكثر، عليك الآن أن تتوقف عن إطلاق الأحكام على ذاتك، لا تشغل ذهنك بعمليات التقييم. يكمن جوهر عملية التقبل في ما أسميه الوعي الصامت، أن تنظر لذاتك كما لو أنك تراقب أمرًا ما من فوق بصمت، تعي ما فيها، لكن دون الانشغال بالأحكام والتقييمات. يمكن تقريب الفكرة أكثر عبر مثال الأب، تصوّر نفسك وأنت تنظر إلى طفلك بعين اللطف والحب، تراه يخطأدئ، وتحرص في ذات الوقت على تحسين سلوكه نحو الأفضل، دون الانشغال بالأحكام، وإنما يكون التركيز على تصحيح السلوك والتقدم نحو الأفضل، بمشاعر ملأها الحنان والعطف.. هذه عملية تقبل الذات، أن تفهم جوانب ذاتك وتعترف بها، ثم تبذل تركيزك على ما يمكن فعله، وتتوقف عن الانشغال بالحكم على الذات.. كل ذلك بمشاعر الحرص على الأفضل والعطف على الذات.

كلما كنت أكثر وعيًا بذاتك وتقبلًا لها، كلما كان اتصالك مع عالمك الداخلي افضل، وحينئذ سيكون المناخ مهيئًا بصورة أفضل للارتقاء والتقدم، كما أن ذلك سيجعلك أكثر اتزانًا في حياتك.

ماذا يحدث إذا لم نتقبل ذواتنا؟

بناءً على التوضيح الذي قدمناه، فإن عدم تقبل الذات قد يقود إلى أحد أمرين:

الأول: تقديس وعبادة الذات: بعد أن نرفض النظر في جوانب الذات (أو هربنا من ذلك!) والاعتراف بكافة جوانبها، نلجأ أحيانًا إلى حيلة لحمايتها من النقد والمراجعة، بأن نقوم بتقديس ذواتنا والتعبير عن مشاعر العشق والوله لها! ومحاولة تبرير كل ما يصدر عنها. يظن البعض أن تقبل الذات هو عشق الذات والافتخار بكل ما فيها وتقديس المزاج وتقلباته! الحقيقة أن هذه مجموعة من السموم يهرب إليها الإنسان كحل سهل! ولكنها ترتد عليها بعواقب سلبية حتمًا.

الثاني: احتقار الذات ورفض التعايش معها: إذا لم تر في ذاتك إلا جوانب السلبية، وشغلت ذهنك بإطلاق الأحكام والتقييمات على ذاتك، فسينتهي بك الأمر سينتهي إلى جلد الذات المستمر، وتدني ثقتك بذاتك ورفض التعايش معها، وهذا سيجعل عملية التغيير والتطوير صعبة! فطاقتك مستهلكة دومًا في النقد والتقييم.

تذكر دومًا.. (تقبل الذات) كالطائر يسير بجناحين.. وعي عقلاني عميق بالذات وما فيها، وإلى جنب ذلك العطف عليها وعدم الانشغال بإطلاق الأحكام والتقييمات، وإنما فعل ما يمكن فعله نحو الأفضل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد