كنا مبالغين أو مخطئين عندما ظننا أنه بمجرد دخول تلك العوالم الزرقاء سنكون قد حصلنا على المنبر المناسب للتفريغ السياسي والاجتماعي، حيث لا حدود للأفكار، ولا رقابة مسبقة على النشر تجعلك تتردد فيما تكتب، ولا خوف من رجال أمن يلاحقون المنشورات الورقية المتطايرة في الهواء ويتتبعون الرسامين على الجدران.

ولكن ستتردد كثيرًا في الضغط على زر النشر عندما تتذكر عدد الفاقدين لوظائفهم بسبب تغريدة (كما تقول الأسطورة)، أو عندما تتذكر أن بين متابعيك أو أصدقائك موظفًا في جامعتك وبالتالي قد يؤدي ما تنشره إلى فقدان مقعدك الدراسي، ولا تنسَ أن اقتصاص منشورك سيكون دليل إدانتك في المحكمة أو في غرفة التحقيق.

إلى جانب خطورة النوع الأول يجب أن تحذر من أنواع أخرى من الأصدقاء منها خانة الأقارب الذين سيبحثون عن معانٍ غير ظاهرة لمنشوراتك، وقد تتراجع عن كتابة منشور ما وأنت تفكر في الأصدقاء الذين ستثار حفيظتهم السياسية أو الدينية وبالتالي الاستعداد لمعركة طويلة من الرد على التعليقات قد تنتهي بالتلاسن والشجار أحيانًا.

بالإضافة إلى وجوب الحذر من تعارض ما تنشره مع مواقف حزبك أو جماعة أيدتها يومًا ما، فيجب أن لا يخرج ما تنشره عن التصنيف الاجتماعي الذي تنتمي إليه فإذا كان معروفًا عنك التدين مثلًا فإنك ستفكر مليًا قبل نشر عبارة عشق أعجبتك لأن هذا يعني كسرًا لهيبتك وتشويهًا لصورة الحساب الملتزم.

يكتفي بعض المتواصلين اجتماعيًا بنظام “جمعة مباركة” أو نسخ أي عبارة أو صورة عادية بعد أن يلاحظوا أنهم لم ينشروا منذ فترة طويلة، فيما يلجأ البعض إلى العزوف عن النشر والاكتفاء بتوزيع الإعجابات ومتابعة منشورات المشاهير أو المنشورات العادية المكررة من الآخرين.

هناك حل آخر وهو إغلاق الدائرة بحيث يضمن المتواصل الإبقاء فقط على الأصدقاء المقربين والموافقين لأفكاره وكل من يضمن منهم تسجيل الإعجاب بالمنشور أو عدم المعارضة على أقل تقدير، وبهذا تصبح هذه النوعية من الحسابات كالجلسات بين الأصدقاء في المقاهي حيث التفريغ والفضفضة مع تعليقات خفيفة لا ترقى لنقاش ولا تسبب أي إزعاج.

عرَّتْ مواقع التواصل المدونين وجعلتهم أكثر عرضة للرقابة الذاتية والتردد قبل الكتابة أولًا وقبل النشر ثانيًا، وجعلتهم يلجؤون للاختباء خلف الأسماء المستعارة أو إلى النشر من خلال الصفحات العامة وبالتالي العودة إلى زمن المدونات الجميل حيث كانت هيبة المدون محفوظة وكان مصدرًا للمعلومات والنقد اللاذع ولا اتهامات بحب الظهور.

لا يمكن الجزم إذا كان الناشطون ومختلف المدونين سيفقدون الإحساس بالجدوى من النشر في مواقع التواصل، لكن مسألة الرقابة الذاتية والتردد قبل النشر في هذه المواقع مطروحة للدراسة، ووجود هذه الرقابة الذاتية يعني أن مواقع التواصل لم تختلف عن الوسائل السابقة حيث الخوف المسبق من الكتابة وبالتالي التقليل من شأن أكثر السلبيات شهرة عن هذه المواقع وهي “غياب الرقابة وعدم الشعور بالمسؤولية”.
في النهاية إذا كانت تسمى هذه المواقع “وسائل التواصل الاجتماعي” وتربط دائمًا بها كلمة اجتماعي فهي بذلك تعكس المجتمع الذي منه أصحاب الحسابات فأيقونة إنشاء حساب جديد لن تفتح بسهولة الأفواه المعتادة على السكوت لأن الدولة السلطوية ستستخدم هراوات إلكترونية والمجتمع القامع لن يتوقف عن محاصرة التغيير لمجرد ارتباطه عبر شاشات متباعدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد