كعادة بني البشر حينما يخطؤون تجد الندم يخيم  على الموقف، هذا في مجمله شيء إيجابي  لأن النقد الذاتي مهم جدًا في أي حراك يشهده المجتمع، بدون النقد الذاتي لن يتم تدارك الأخطاء، لكن هناك فرق كبير بين نقد الذات وجلد الذات، نحن لسنا كمجموعات الشيعة التي تجلد نفسها في عاشوراء لأنهم خذلوا الحسين، فنحن لم نخذل حسينًا ولا خذلنا أحدًا غيره،  ولو  خذلنا أحدًا فلم يكن سوى ذواتنا التي دفعها  الخوف من مستقبل فاشي مجهول للهدوء – وليس التسليم – لمستقبل آخر لم نكن نعلم عنة الكثير،  الكل أخطا والكل بحاجة لمراجعة الأخطاء، لكن التنكر لما حدث في 30-6 بحكم أن الصورة الآن أصبحت أسوأ هو شيء لا يتعلق بنقد الذات، بل بالبكاء على الأطلال؛ فالحكم على ماهية الخطأ هو شيء مهم عند القيام بعملة النقد الذاتي.

بادئ ذي بدء:

لم يكن خيارًا امتلكناه حتى  نتنكر منه

أعتقد –ويمكن أن أكون مخطئًا– أن المجموعات الثورية والنخب الثورية التي قامت بعملية الحشد ضد الإخوان من بعد المئة يوم الأولى وحتى الأسبوع السابق ل30-6 جميعها لم تساهم في حشد ما يقرب من 10 % من الحراك الحقيقي، وهو ما اتضح جليًا في حالة الفصل المتعمدة من قبل الفلول والنخب التي يطلق عليها –اصطلاحًا- الثورة المضادة  بين الثوار والشارع، وبعيدًا عن المركز «القاهرة» كانت السيطرة الواضحة على الحراك وقبل الحراك في معركة الحشد ضد الإخوان هي لنخب الثورة المضادة، أو متماهية مع خطابات الثورة المضادة، تلك النخب من رجال أعمال صغار في الأقاليم، أو مجموعات سياسية تابعة لأحزاب مباركية بامتياز مثل الوفد وغيره، والتي بالمناسبة يتمتعون  بقدر كبير من النفوذ على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الأقاليم، وأكثر من أي فصيل آخر حتى الإخوان، الحشد كان منحدرًا من المستويات الفوقية مثل الإعلام والصحافة والنخب السياسية في المركز، وحتى الوسطاء في الأقاليم ثم إلى القاعدة الشعبية العريضة، لم يكن لنا دور في الحشد سوى في تصدير خطاب تأجيج المشاعر ضد الإخوان، والذي كان ينال رضا جناح الثورة المضادة، الذي توصل لأن بقاء الإخوان يهدد بشكل أو بآخر مكاسب 30 عامًا مباركية بامتياز انتزعت فيها تلك الطبقة مكاسب اقتصادية واجتماعية مهمة، ولا أتحدث هنا عن رجال الأعمال فقط بل الطبقة بمعناها الأوسع من أفراد لهم علاقات مهمة مع مؤسسات الدولة، أو يديرون تلك المؤسسات وحتى الموظف الصغير في أصغر مصلحة حكومية كان يرى أن في وجود الإخوان خطرًا شخصي عليه، وساهم في تدعيم الحشد أيضًا الخطاب الإخواني الذي أقل ما يوصف به أنه غبي منفر على المستوى الشعبي، بداية من «وماله لما نأخون أجهزة الدولة» وحتى خطابات المزايدة الدينية على الشعب وقواعده العريضة.

فالحراك ضد الإخوان كان سيحدث شئنا أم أبينا، ودعوني أصدقكم القول لقد شعرنا عندها بغبطة شديدة، فسهولة الحركة في المجال العام كانت لكثير مننا تحجب عن أعيننا ما في داخل هذا الحراك  من مساوئ، البعض كان ينتقد أيامها وجود الفلول ضمن الحراك، لكن بدون خطاب ورؤية واضحة عن طبيعة الحراك ذاته.

طبيعة النخب الثورية

فيما قبل 25 يناير كانت  المعارضة المصرية – السياسية منها –  مجرد غطاء كرتوني هش للنظام، إلا بعض المجموعات الثورية  والأفراد المستقلين  من النشطاء والمدونين الإلكترونيين، والصحفيين الذي يشهد لهم بنقاء السريرة والمواقف التي  لا يمكن أن ننكرها من الدكتاتور مبارك، كل هؤلاء كانوا بفضل التضييق الأمني في أيام مبارك معزولين بشكل كبير عن الشارع، وهو شيء سلبى بالطبع، لكن يتمتع بإيجابية وحيدة وهو أن العزلة عن العمل العام والشارع – تلك العزلة الإجبارية – تعطي الفرصة للاشتغال على تطوير مساحات الوعي الثوري لدى تلك المجموعات الثورية «6 أبريل، الاشتراكيين الثوريين وغيرهم» وهؤلاء الأفراد المستقلين، لذلك هؤلاء حينما قامت الثورة في 25 كانوا في مقدمة الصفوف، وأعطاهم الحراك  الواسع في الشارع فرصة للاشتغال مع الشارع، ولعل التزايد الكبير كمًا وكيفًا في طبيعة تلك المجموعات أو تكون مجموعات جديدة بعد الثورة هو ما يؤكد على ذلك.

فيما تلا 25 يناير ومع ازدياد تلك المجموعات عدديًا، وظهورها إعلاميًا بل وجود دعم إعلامي  لها أيضّا -وإن كان ظاهريًّا- لم يلبث هؤلاء أن فقدوا مساحات الوعي الثوري تلك، أو بمعنى أصح لم يكونوا قادرين على إعطائها للمنضمين الجدد للحراك وخاصة من الشباب، وأصبح الوضع يتسم بقدر كبير من السذاجة والحصرية الإعلامية في مجموعات كثيرة منها، فلا يكاد أحد يعرف سوى المتحدث الإعلامي ومسؤول المكتب السياسي في تلك المجموعات الثورية، وحتى الأفراد المستقلين والذين ينتشرون بطول الوطن وعرضة أعماهم بيان الموقف السياسي  من الأحداث المتلاحقة والصراع فيما بينهم على الاشتغال على مساحات الوعي تلك، وهناك ظاهرة  توضح جليًا ماهية تلك السذاجة الفكرية التي  لم تقدر تلك المجموعات الثورية على التخلص منها  كليًا حتى الآن، وهي تحديد  ماهية الوعي الثوري الذي كان من الممكن أن تنتجه الثورة، بالأساس الثورة  أنتجت أو كادت مساحة للاشتباك مع الدولة وأفكارها، هذا الاشتباك يشمل الاشتباك بالضرورة مع مؤسسات الدولة والتي ساهمت في 60 سنة فيما نحن فيه الآن، ذلك الطرح للمعركة على أساس أنها اشتباك مع الدولة وأفكارها كان غائبًا عن مجموعات ونخب وأفراد ثوريين، كان الحديث عن معركة ضد النظام وليس ضد الدولة، يمكن أن تسمى ذلك تخليًا أو قلة وعي كنا جميعًا نحاول أن نكتسبه في ظل تسارع وتيرة الحراك، لكنني أرى أنه تخلي عن تصدير الحقيقة الفعلية للمنتمين الجدد للمجموعات  الثورية، تحت وطأه التوتر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحاد، والذي أعتقد أنه لم يسمح بتوجيه دفة المعركة ضد الدولة أو حتى مجرد الإعلان عن ذلك في اجتماع  داخلي.

تلك الطبيعة المضطربة للنخب الثورية ظلت قائمة في نظري حتى بداية حكم السيسي، والذي أعطى لتلك النخب الفرصة الواضحة لتصدير خطاب نقدى للدولة، وهو ما ساهم فيه بشكل كبير خسارة حمدين في الانتخابات والتي كان بعضهم يرى إمكانية إصلاح الوضع معه، نتحدث عن 4 سنوات تلو الثورة لم ندرك خلالها أبسط حقائقها وهي أنها ضد بنية الدولة الاجتماعية والطبقية المنحازة لنخبة برجوازية تابعة ورثة لا تقدر على تلبية طموحات 90 % من الشعب، فما بالك بالحقيقة الأكثر تعقيدًا والتي تشمل طبيعة تحالفات الثورة المضادة، التي دخلت وسط الجماهير في 30-6 واستطاعت أن تستعيد قدرًا كبيرًا من المساحات التي كانت تمتلكها أيام مبارك، بل امتلكت مساحات أكبر ودفعت النخب الثورية  نحو الحائط، الحائط الذي ربط بقاءها في الشارع في ظل حالة الاستقطاب السياسي ضد الإخوان  قبل  30-6 وبعدها مباشرة بمدى تماهي تلك النخب مع الخطاب الشعبوي التي يقدمه أبناء الثورة المضادة.

كل ما سبق من مساحات الوعي التي أتحدث عنها لم أكن أمتلكها في الوقت المناسب وأدعي أن أغلبية النخب الثورية لم تكن تمتلكها، وإن امتلكتها فإنها لم تكن قادرة على الاشتغال عليها وسط الشارع جهارًا نهارًا بل فقط في جلسات المقاهي.

طبيعة الحراك قبل  30–6 وبعده

لا أحد ينكر حقيقة أن الحراك الشعبي في مصر من السهل توجيهه بمجرد خطاب إعلامي يكسب قدرًا من التعاطف مع من يلقيه، وفي خطاب مبارك الشهير خير مثال، طبيعة الجماهير نفسها  ومقدار التعليم التي حصلت عليه تحدد مستوى وعي الحراك المتدني، وأيضًا المستوى الاقتصادي والاجتماعي للحراك، ولعل هذا ما يجعل الحراكات الشعبية فريسة سهلة لأية خطاب نخبوي قادر على تقديم نفسه بشكل سليم من خلال اللعب على بعض الأوتار الحساسة لدى الجماهير مثل الأمان والاستقرار والخطر والمؤامرة وسقوط الدولة وغير ذلك من كلمات مطاطه قادرة على توجيه الحراك او حتى وأده في مهدة قبل أن يبدأ.

حتى الآن الوضع يبقى مشابهًا كثيرًا لما كان عليه قبل 30-6  وبعده، لكن دعونا نتوقف للحظه عند التفويض كبداية لظهور وتجلي الحقيقة القمعية لسلطة ما بعد 30-6 والتي تجسد فيما تلا في فض اعتصامي رابعة والنهضة وتضييق المجال السياسي العام على الجميع، والقبض على المعارضين وإلقاء الشباب في غياهب السجون، في لحظة التفويض حدث انقسام واضح ولكن ليس على المستوى الشعبي، لكن على مستوى النخبة الثورية ذاتها، فبين مؤيد لوجود الجيش واستخدامه في السيطرة على الوضع الذي كان البعض يقول إنه يقود لحرب أهلية – لا أعرف كيف صراحة؟! – وبين معارضين لهذا يدعون للحوار مع الإخوان أو حتى تركهم «لحد ما يزهقوا»، هذا الانقسام أنتج حالة من الاستقطاب السياسي الواضح بين مؤيدي الثورة أنفسهم في القواعد الشعبية أدت بالتتابع لخروج فصيل «لحد ما يزهقوا» من المعادلة وانتصار فصيل التفويض، لكن في لحظة الفض ومع دموية المشهد الكبيرة، وتصوير عدسات التلفزيون لتلك الدموية تراجع بعضهم وظل بعضهم على موقفه من تأييد التفويض، لا أذكر التفويض هذا من باب التذكير للأحداث لكن تلك اللحظة مهمة في نظري لبيان مستوى الوعي عند النخب الثورية، فما بالك بعموم المواطنين.

فيما تلا الفض الدموي والقضاء على الإخوان في الشارع حرفيًا، والذي تم بحرفية شديدة من المؤسسة العسكرية، فالقتل كان مبررًا من أجل مصر، ومشاهد الأسلحة الموجودة في رابعة حبكت التمثيلية التي سوف تكتمل معنا في أي مشهد قمعي  للإخوان بعد ذلك، والقواعد الشعبية كانت راضية، بل إن بعضهم تطوع للمشاركة في هذا القمع، ولعل الجميع يذكر مواجهات الأهالي مع الإخوان قبل أن تأتي الداخلية لتقتل وتقبض عليهم، كان الوضع مأساويًا، خاصة مع تسرب المساحات التي اكتسبتها  المجموعات الثورية واحدة تلو الأخرى، لا صوت يعلو فوق صوت القضاء على الإرهاب «الإخوان»، وكل من ينكر هذا هو خائن عميل يجوز التعامل معه كما تتعامل السلطة مع الإخوان، ويستمر معنا ذلك الاستقطاب السياسي الحاد، وإن قلت وتيرته للأزمات الاقتصادية التي يعانى منها عموم الشعب.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد ثلاث سنوات كاملة من 30-6  ليس حول هل ارتكبنا خطأ أم لا؟! أو هل كان من الأفضل أن يظل الإخوان؟!  أو هي ثورة أم انقلاب؟! أو 30 يونيو أو 30 سونيا؟! وإنما السؤال الأهم هو كيف نتعلم من تلك الأخطاء وما المطلوب في المرحلة القادمة في ظل تصاعد القمع والأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يعيشها المجتمع  المصري الآن؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد