الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

تخيلوا شابًا في مقتبل العمر لديه من حدة الذكاء وعمق البصيرة ولديه من العلم والمعرفة ما يمكن أن يكون له بهم شأن عظيم، تخيلوا لو أن هذا الشاب أمضى وقته في معاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، أو تخيلوا رجلًا منحه الله قوة في البصر يستطيع أن يرى بعينه عبر مسافات بعيدة، تخيلوا لو أن هذا الرجل قد أتى بعصا فخزق بها عينيه، أو تخيلوا فتاة ذات حسن وجمال تستثمر جمالها في عالم الموضة والأزياء تخيلوا لو أن هذه الفتاة أتت بماء النار ورشّت به وجهها.

هذه المشاهد تختلف في تفاصيلها وربما تختلف في مسبباتها ولكنها تتفق في أمر واحد وهو أن بطل كل مشهد لم يقدّر المنحة التي منحها الله إياه والتي كان من الممكن أن تعود عليه بالكثير، هذا الأمر يمكن أن تكون له تجليات تتعدى عالم المشاهد الفردية والتي ليس فيها تفاصيل معقدة تجعل من الدراسة والتحليل أمرًا شاقًا كما هو الحال في ميادين الحرب والسياسة والاقتصاد.

مشكلة كبيرة أن يتفشى الجهل والظلامية في أمة ما ومشكلة كبيرة أن يعم الفقر والعوز في أمة ما ومشكلة كبيرة أن تتعرض أمة ما لضربات عديدة من عدو يتربص بها، ولكن كل هذا له حلول واضحة على عكس أن يأتي من قلب هذه الأمة من يكون معول هدم يهدم الإرث المعرفي والعقائدي ويهدم البناء الاقتصادي والتنموي لهذه الأمة ويقضي على البيئة الصالحة للحوار المجتمعي الهادف الذي ينهض بالأمم بطبيعة الحال، والذي يزيد من الوجع والحرقة أنه يفعل كل ذلك باسم الفكر المستنير.

إنجاز جديد تحققه تركيا على الصعيد السياسي وهو فوز رجب طيب أردوغان برئاسة الجمهورية وهو الذي تقدم بمقترح الانتخابات الرئاسة المبكرة والذي تنازل بموجبه عن عام ونصف من الفترة المتبقية له في رئاسة تركيا، إنجاز يلتحق بالإنجازات التي سبقته والتي تعكس البيئة الإيجابية التي تعيشها البلاد تحت حكم هذا الرجل وحزب العدالة والتنمية والتي فشلت فيها محاولة الإنقلاب على السلطة الشرعية في الـ16 من يوليو قبل عامين تقريبًا، كل إنجاز من هذه الإنجازات يضع العرب أمام الحقيقة المرة وهي أننا نفعل بالضبط كما فعل الشاب الموهوب وكما فعل الرجل الحاد النظر وكما فعلت الفتاة ذات الحسن والجمال، والأمر لا يقتصر على هذا وحسب، بل يسوغ لنفسه فعل ذلك بطريقة تجمع بين التدليس والضيق الأفق.

تناولت بعض الشخصيات حدث الانتخابات التركية بطريقة بقدر ما هي مثيرة للسخرية فهي محزنة ومؤسفة للغاية لما فيها من طرح خالٍ من الموضوعية والقدر الأدنى المطلوب من الاتزان، فهذا الإعلامي السعودي منصور الخميس يقول على حسابه في تويتر أن أردوغان زوّر الانتخابات ثم يقول بعدها مباشرة أن أردوغان فاز، لكن فوزه غير مستحق، وتحدث عن الحرية السياسية، دون ذكر ما ادعاه مسبقًا عن التزوير، ثم يقول إن منافس أردوغان محرم إنجه يتعهد بمواصلة المعركة مع أردوغان بعد عدم اقتناعه بالنتيجة، على الرغم من أن إنجه نفسه قد أقر بنتيجة الانتخابات وهنأ أردوغان بالفعل على فوزه، كما تحدث أيضًا عن اغتصاب الانتخابات التركية من الرئيس المستبد أردوغان.

أما الصحافي السعودي عضوان الأحمري فقال معلّقًا (مستنكرًا على ما يبدو) إن أردوغان يحتفل بفوزه قبل فرز جميع الأصوات، على الرغم من أن المنشور الذي اقتبس منه ذكر أن نسبة الأصوات التي تم فرزها أكثر من 97% من إجمالي الأصوات، وأضاف أن هذا الأمر يذكره باحتفال الإخوان المسلمين في مصر بفوز الرئيس المعزول محمد مرسي في انتخابات 2012 قبل إعلان النتائج، وكأن إحصائية نسب المصوتين هذه أمر لا يتابعه أحد، ولا يعلم أحد عنه شيء، أو حتى أن هناك من وصف انتخابات 2012 بأنها مزورة.

وكان أفضلهم هو المخضرم تركي الحمد الذي لم يتكلم عن تزوير انتخابات أن الشعب التركي يكره أردوغان، ولكن بذل جهدًا كبيرًا ليساوي بين أردوغان وبين النازي هتلر وزعم أن ثقة الشعب التركي بأردوغان هي من جنس ثقة الشعب الألماني بهتلر.

بالنسبة للإماراتيين فهذا الأكاديمي عبد الخالق عبد الله يقول إن أردوغان فاز بانتخابات شبه نزيهة، وبأغلبية بسيطة، ووصفه بالسلطوي المصاب بفيروز الغرور، وكانت النجومية من نصيب حمد المزروعي الذي إدعى أن المساجين الأتراك قد تم إجبارهم على التصويت، والمؤسف أن كل هؤلاء تنافسوا على التدليس مع حسابات قنوات إعلامية، مثل، العربية، وسكاي نيوز أبوظبي، اللتين لم تغطيا الحدث تقريبًا، بل اكتفتا ببضعة أخبار كانت بنفس نوعية الأخبار التي نشرتها عن أحداث 16 يوليو (تموز) قبل عامين.

المشكلة ليس في انتقاد الانتخابات التركية أو انتقاد الديمقراطية أو حتى انتقاد أردوغان نفسه فهذا حق مشروع للجميع واختلاف الآراء في الحدث هو مؤشر على حالة النشاط الفكري والنقدي، ولكن تظل الحالة التركية في أسوأ ما يمكننا أن نصفها به أنها حالة جدلية تكثر فيها المعطيات والظروف المحيطة بها، وكذلك المسار السياسي للدولة والمنعطفات التاريخية، وتبرز مصداقية المتابع للحدث عند كيفية توظيف أدوات النقد والتحليل لديه في كل الأحداث الجارية في المنطقة والتي تلزم كل هؤلاء الذين ذكرناهم بالإقرار بديكتاتورية عبد الفتاح السيسي في مصر الذي طبّق حرفيًا كل ما افتروه على تركيا وأردوغان والانتخابات التركية، فهو الذي سجن كل من نزل للترشح ضده، مثل سامي عنان أو قنصوة، أو أجبره على الانسحاب مثل خالد علي وأحمد شفيق، وهو الذي استعان بأجهزة الدولة التي هددت بفرض الغرامات على من لا ينزل للإنتخابات، وكلنا رأينا من هم إلى القوادين أقرب ينشرون إعلانات طلب فتيات للنزول للرقص أمام مراكز الانتخابات بمبلغ 150 جنيهًا مصريًا، ولكن المثقفين الأشاوس كانوا على النقيض تمامًا؛ فقد شكروا المهزلة الانتخابية المصرية التي حدث ومنهم من لجأ للترويج لقصة مندوبي الكونجرس، الذين اتضح فيما بعد أنهم مجرد أشخاص تم دفع مبالغ مالية لهم ليمثلوا بطولة مسرحية المراقبة الأجنبية للانتخابات.

لا شك في سقوط هؤلاء في ميزان العدل والإنصاف وقد تأكد ذلك في كلامهم عن الأزمة الخليجية وأحداث مصر وليبيا وفلسطين المحتلة وأزمة المسجد الأقصى، ويجب هنا إضافة بُعد التبعية المطلقة لحكّام بلادهم وجعلهم المركز الذي ينطلقون به لتعيين الصواب والخطأ غير آبهين للمعلومات والوقائع التي تنسف بنيانهم من أساسه، فالذي يقول بتزوير الانتخابات وأن منافسي أردوغان يشككون بالنتائج لا يهمه حتى معرفة أن أبرز المعارضين الأتراك قد أقر بنتائج الانتخابات وهنّأ أردوغان بفوزه برئاسة الجمهورية، والذي يقول إن أردوغان فاز بفترة رئاسية لسبع سنوات لا يهمه معرفة كم سيقضي أردوغان في رئاسته، والذي يقول إن المساجين في تركيا تم إجبارهم على التصويت لأردوغان لا يهمه معرفة أن إحصائيات ثلاثة سجون في تركيا تقول إن أغلبية الأصوات ذهبت إلى غير أردوغان، والذي يستنكر إعلان أردوغان فوزه قبل الإعلان الرسمي لا يهمه معرفة أن العالم بأسره يعلم بنتيجة الانتخابات قبل الإعلان الرسمي، والذي يقول إن تصويت الشعب لأردوغان هو مثل تصويت الألمان لهتلر فلا يهمه معرفة خلفية كل حاكم أو حجم منجزات كل حاكم بالنظر إلى ما كان وما وصل إليه ولا علاقة كل حاكم بجيش دولته ولا رد فعل الشعب التركي كيف كان وكيف تحول في نازلةٍ كالمحاولة الإنقلابية في 16 يوليو ولا غيرها من العوامل التي تحكم هذه المقارنة، والمضحك المبكي أن كل هؤلاء لا يملكون في بلادهم ربع الذي تملكه تركيا من بيئة الممارسة السياسية، فهم والشعوب التي ينتمون إليها ليس لهم أي حق في اختيار الحاكم أو حتى الاعتراض عليه، بل ليس لهم أي دور في أي قضية مجتمعية أيًا كانت ولو كانت قيادة المرأة للسيارة فهم ذاتهم الذين احتفلوا بالسماح للمرأة بقيادة السيارة وكذبوا على أنفسهم قبل من يتابعهم عندما قالوا إن المشايخ هم من كانوا المانع من قيادة المرأة للسيارة، بينما من منع هو الحاكم ومن سمح هو الحاكم، ليس لهم أي دور في قضايا المجتمع، ولا حتى قضية كهذه؛ لأنها منّة وفضل من الحاكم الذي سجن كل الذين طالبوا بهذا الحق من قبل وتعرضوا للمصادمات مع السلطات في سبيل تحقيق ذلك.

ليس لهم مساحة للتعبير وإبداء الرأي وليس لهم حق النقد طالما كان على غير الخط الذي ترسمه لهم سلطاتهم، وليس لهم دور توعوي وتثقيفي في مجتمعاتهم فتحولوا إلى معاول هدم تهدم كل معايير الصواب والخطأ التي بطبيعتها مستقلة عن التأثر بأحد ولا تميز بين حاكم أو محكوم فجعلوا من الصواب خطأ ومن الخطأ صواب وتحول عندهم الثابت إلى جدلي والجدلي إلى ثابت، بل حتى الأكاذيب جعلوا لها وزنًا وروجوا لها، وكل ذلك بتوجيه ورعاية كاملة من سلاطينهم الذين لا يملكون ربع ما يملكه أردوغان من حرص على شعبه ومقدّراته وحقوقه، ولا يأبهون في أي قرار يتخذونه إلى مصلحة شعوبهم وما قد يقع عليها من ضرر وشقاق ولا دليل أوضح من قرار المقاطعة الذي ضرب المجتمع الخليجي في مقتل.

هذه المعاول تهدم كل ما تبقى من موروث ديني وثقافي للأمة التي لديها كل أسباب القوة ورفعة الشأن، فالدين الذي يربطها بدولة مثل تركيا وشعبها هو الدين الذي جمع بين أجناس لا يمكن أن يجمعها شيء في الوجود فجمع بين العربي والرومي والفارسي والحبشي، وهو ذاته الدين الذي اعتنقه الغازي التتاري لأرض المسلمين الذي كان من المفترض أن ينشر معتقده ودينه في حالة وقف أمامها المؤرخون عاجزون عن الفهم والتفسير.

الحالة التركية ليست حالة مثالية ولا تجربة أردوغان السياسية أو الاقتصادية هي التجربة التي لا يمكن نقدها، ولكنها تظل تجربة متميزة في المحصّلة تستحق الدراسة والبحث والتمحيص فيها، وكذلك دراسة التجارب الأخرى السابقة منها والمعاصرة والإستفادة من إيجابياتها وتفادي سلبياتها، فمن الأولى العمل على النهوض من مقاعد المتفرجين التي تخدّرت أجسامنا من طول الجلوس عليها والمبادرة بصناعة تغيير حقيقي بدلًا عن (ردح النسوان) الذي يمارسه أشباه المثقفين هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, رأي, فكر, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد