من طلب شيئًا وجده، ومن طرق الباب سمع الجواب، والطريق إلى النجاح ليس معادلة بسيطة؛ ولكنه أمر معقد. النجاح يتطلب تفعيل أكبر عدد من المهارات التي يمكن إتقانها، وترتفع احتمالات النجاح كلما عمد المرء إلى تنويع مهاراته وملكاته. ومن بين طرائق النجاح استخدام الحيلة، وحتى لا يتوهم البعض أننا ندندن على وتر الخديعة والمكر، فإن تعريف الحيلة يدفع عنا هذه التهمة؛ فما هي الحيلة لغةً؟

الحيلة في اللغة جودة النظر، والقدرة على التصرُّف الأمثل في مختلف المواقف، ومنها قيل: فلانٌ واسعُ الحيلة؛ إذا كان في مقدوره التصرُّف بحكمة في الشدائد والأزمات وغيرها. من هنا يتضح لنا أن الشخص قد يعمد إلى الحيلة لإيجاد فرصةٍ لنفسه، أو لتغيير مستقبله إلى الأفضل، ونعيد التأكيد أن الحيلة لا نرمي من ورائها للمكر والخديعة والمخاتلة.

يمكننا اعتبار الحيلة بوجهها الحسن أحد أشكال المرونة في التعامل مع الظروف المحيطة، فلا يمكن لشخص أن يدير عجلة الزمن وفق هواه، ولا يمكنه إجبار من حوله على الإذعان له للأبد؛ لذلك تعتبر الحيلة أداة مرنة لبلوغ الهدف دون الوقوع في صدامات مع المحيط. قد يضطر المرء إلى الحيلة بغية دفع المضرة أو لتحقيق المنفعة، وهذا السلاح عرفه الإنسان منذ الأزل حتى أن الحيلة وجدت لها مكانًا في الأساطير المختلفة.

في الأساطير الإفريقية كانت مجموعة من السمك الضعيف الحيلة يعيش في جدولٍ ضيق، وقد أوقعه حظه العاثر بين عدوين من الأسماك الكبيرة. حوصرت الأسماك الصغيرة بين السمكتين العملاقتين وقد انقطعت بهم السبل فلا مناص من الهلاك إذ لا يمنع السمكتين الكبيرتين من الفتك بهم سوى ضيق المعبر. أشرفت الأسماك الصغيرة على الموت، ولم ينقذهم إلا الحنكليس الذي استعمل حيلةً أشغل بها السمكتين الكبيرتين عن الفتك بالسمك الصغير؛ مما سمح لهم بالفرار من موتٍ محقق. ونرى في شعر أمير الشعراء أحمد شوقي استعمال الحيلة للنجاة من العدو والمكائد الخطيرة كما في قصيدته أمة الأرانب.

في الواقع الذي نحياه لا يختلف الأمر أحيانًا عن الأساطير؛ فأنت بحاجةٍ لإعمال فكرك الثاقب للخروج من بعض المواقف التي تُفرض عليك، وقد تكون الحيلة هي الباب الأنسب للخروج من عنق الزجاجة، والوصول إلى المكان المرتقب.

الابن البكر يحمل رسالة أبيه، وهذا قد يجبره أحيانًا على التخلي عن أحلامه الخاصة، وتاجر الحرير عبد الخالق ممن اعتنقوا هذا المذهب، وكان له ولدان أكبرهما إبراهيم الذي قرر والده أن يكون خليفته في التجارة، والثاني عبد السلام الذي تاقت نفس أبيه لأن يكون أديبًا وعالمًا في ذات الوقت! كان قرار الوالد أن يتنازل إبراهيم عن حلمه في الالتحاق بالدراسة في حين يدرس عبد السلام بالأزهر الشريف. لم يلتحق إبراهيم بالدراسة النظامية، وكان بوسعه أن يرضخ دون مقاومة، وأن يتعلل بأن القدر كتب مصيره المحتوم، وعندها لن يجد من يعتب عليه أو يجلده نقدًا وذمًّا.

لكن الفتى إبراهيم لم يخضع للمصير المفروض عليه، وقد أخذ على عاتقه أن يستفيد من الوسط الذي يحيطه، كان ينظر للأمور بعينٍ مغايرة لتلك التي ينظر بها المهزمون من دواخلهم. الإنسان ابن عوائده لا شك في ذلك، وله أن يتأثر بأفضل ما يحيط به إن أصرَّ على ذلك، كان هذا يدور في رأس إبراهيم فوقعت عينه على عطارٍ شاء الله أن يكون ملاصقًا لمتجر والد إبراهيم. تتلمذ إبراهيم على يد هذا العطار الذي غرس في نفس الصبي حب الأدب واللغة والفقه، لم يتخرج إبراهيم من الأزهر الشريف، إلا أنه استقى من ضياء الأزهر الشريف عبر هذا العطار الألمعي.

لعلَّك تسأل: وأين الحيلة في ذلك؟ أقول لك: الحيلة هنا عظيمة يا صديقي! فهذا الفتى يباشر عمله في متجر أبيه، وفي نفس الوقت يجلس بين يدي العطار ينهل من علمه، في حين أن والده كان يشتاط غضبًا إذا ما رأى ولده يهجر المتجر ليجالس هذا العطار؛ فعمد إبراهيم لطلب مساعدة علي الأشموني، وهو يعمل حارس عقار في ذات الشارع. كانت الخطة أن يراقب الأشموني الطريق؛ فإن لمح والد الصبي أسرع إليه ليخرج لمتجره في الحال. كان عبد الخالق يدخل المتجر فيرى ولده منهمكًا في العمل وهو لا يدري ما يدور في عقل ابنه!

بعد فترةٍ خرج عبد السلام من الأزهر وانضوى تحت لواء أبيه في متجره، كان ذلك يسمح لإبراهيم بالخروج من المتجر إلى أماكن تغذي روحه وعقله؛ فكان يتردد على المقاهي حيث يجلس بعض المثقفين والمتأدبين، يسمع منهم ويعقل عنهم حتى شحذ قريحته باللغة العذبة، والأسلوب الممتع. ثم عرف المجالس الأدبية، وزادت شهيته للأدب والمعرفة؛ فجرى قلمه ولسانه بالأدب الماتع واستطاع أن يجذب الأنظار إليه.

انظر لهذا الرجل الذي أراد له أبوه أن يدور في فلكه يبيع الحرير؛ فكانت الحيلة الطيبة والمرونة في التعامل مع الموقف سببًا في نقله لفلكٍ لم يدر لوالده ببال ولا ارتقى له الخيال. هذا الرجل بحيلته وجلادته أصبح من تلاميذ الشيخ محمد عبده، ولكنه في الحقيقة لم يتوقف عند هذه المرحلة؛ بل أصبح مؤثرًا في الحياة الأدبية المصرية بأسرها.

إنه إبراهيم المويلحي (1844 – 1906)، الرجل الذي اقترن اسمه باسم الكبار؛ فهو ثالث ثلاثةٍ امتلكوا جرائد أثرت الحياة المصرية إبان الاحتلال الإنجليزي. كان إبراهيم المويلحي صاحب جريدة مصباح الشرق، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، والزعيم مصطفى كامل صاحب جريدة اللواء، من أنجب تلاميذ الإمام محمد عبده. الإنسان يصنع حياته بقراراته ويمكنه تعديل الظروف لتوافق رؤيته للحياة، وليصل لذلك فإنه مطالب بالمرونة والحيلة لأمره فيما يفيده ولا يضر غيره.

وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ ** وَاسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلا فَازَ بِالظَّفَرِ

تربينا على صوت الإذاعة وقد لفت انتباه الكثيرين منا صوت فنانٍ صاحب أداء قوي؛ إنه صلاح منصور، ولك أن تتصور كيف لعبت الحيلة دورًا مؤثرًا في وصول هذا الفنان لعالم الأضواء. كان منصور يقطن الإسكندرية ثم جاء إلى القاهرة ودخل مدرسة الخديوي إسماعيل، ولأنه يهوى التمثيل التحق بفريق التمثيل بالمدرسة. جرت العادة أن تكون الأولوية في أداء الأدوار بالمسرح المدرسي لأبناء المدرسة، وهو ما يشبه الأقدمية في المصالح الحكومية! سنحت فرصة لا تتكرر مرتين في العمر أمام منصور، وكان عليه اقتناص هذه الفرصة الفريدة.

الفرصة التي لا تتكرر جاءت من إيران! كان ذلك عام 1939 حين المصاهرة بين ملك مصر وإمبراطور إيران، وقد أسند الدكتور هيكل باشا، وزير التربية والتعليم، للأستاذ زكي طليمات، مفتش المسرح المدرسي بالوزارة، مهمة تنظيم حفل طلابي للاحتفال بهذه المناسبة، وكان مقررًا أن يحضر الملك والإمبراطور هذا الحفل. اختيار الطلاب المشاركين سيكون عبر اختبار يجريه زكي طليمات بنفسه، ولكل مدرسة أن ترشح ثلاثة طلاب على الأكثر. لم يكن منصور من بين طلاب مدرسة الخديوي إسماعيل، لكنه احتال على الأمر بما يفيده.

زكي طليمات

علم منصور مكان الاختبار فسبق الجميع ودخل القاعة واختبأ تحت الطاولة، ثم تقاطرت الوفود من المدراس ومن بعدها حضر زكي طليمات، وبعد شرح طليمات للدور وأداء التلاميذ للاختبار إذا بطالبٍ يخرج من تحت الطاولة ويصيح: زكي بك! زكي بك! أنا أفضل من يؤدي هذا الدور؛ فوجئ الجميع وسأله طليمات عن نفسه، وقال له: لو كنت جيدًا فلماذا لم يختارك ممثل المدرسة؟! بعد أخذٍ ورد قرر طليمات أن يختبر منصور، فلما انتهى من أداء المشهد المطلوب؛ قال له طليمات: احفظ الدور يا بني!

لو لم يقتنص صلاح منصور هذه الفرصة النادرة بالحيلة الألمعية ربما لم يسمع به أحد اليوم! ولك أن تتخيل مدى إتقانه لهذا الدور في حضور الملك والإمبراطور للدرجة التي هنأ بها هيكل باشا زكي طليمات، وظن أن طليمات نفسه من أدى هذا الدور، فلما علم أن طالبًا يدعى صلاح منصور هو صاحب هذا الأداء؛ قرر الوزير سفر الطالب في منحة لدراسة فن التمثيل في فرنسا.

صلاح منصور

قال حكيم العرب الكبير أكثم بن صيفي: «اسْعَ بِجَدٍّ أَوْ دَعْ»؛ فاسع صديقي! ولا تتكاسل، ولا بأس أن تستعمل الحيلة الطيبة –دون اللجوء للمكر والخديعة– حتى تصل لهدفك الذي تبحث عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد