جلد ذات

جميعنا لدينا أصدقاء وجميعنا نلاحظ تغيرات غريبة بالقرب ممن حولنا، جاءتني إحدى صديقاتي وقصت علي أنها تعرضت لإيذاء من شخصية ما، ولم يكن هذا الإيذاء من نفس الشخصية للمرة الأولى، أو الثانية، ولكنه تكرر مرارًا، وفي كل مرة تختار صديقتي دور الضحية المظلومة وتتلذذ بهذا، فاستغربت من سلوكها. وأخبرتها بأن هذا ليس بتضحية، وليس بسلوك جميل، بل إنه إيذاء للنفس، وجلد للذات، فلم تنتبه لكلامي.

لم أرد أن أقلقها وأقول لها إنها مريضة نفسية، وينبغي عليها طلب العلاج من هذا؛ كي لا أفقدها، وأردت مساعدتها فقط، فاستمررت في متابعتها. تطور حالها بأنها بدأت في الاستمتاع بالضغط، سواء في دراسة أو عمل، أعلم أن الضغط البسيط يزيد من نسبة الأدرينالين؛ فيجعلنا ننتج أكثر، ونرفع من قدرة إنجازاتنا، ولكنه لديها بكثرة.. كثرة جعلتها تؤذي نفسها دون وعي منها.

وبدأت في ملاحظة أنها تلوم نفسها أكثر من اللازم، وتقلل من إيجابيتها، ومن نحاجها، حتى أخطاءها البسيطة تراها كبيرة جدًا، مما جعلها فاقدة للثقه تمامًا في نفسها، وبدأت تؤذي نفسها جسديًا، ويصيبها المرض، وتقوم بمصاحبة أشخاص غير صالحين ومخطئين، وكانت رافضة تمامًا الاعتراف بأنها تؤذي نفسها، وأن لوم النفس والجهد شيء لابد عنه، حتى أصابها الاكتئاب وبدأت تفقد نفسها معنويًا وجسديًا، وبدأت تفقد طاقتها ويصيبها الخمول.. وأصبحت الكوابيس والخوف ملازمًا لها، أصررت على أن هذا كله أعراض جلد الذات بتفاصيله، فجلد الذات له معنان:

الأول هو مادي جسدي، ويقصد به إلحاق الضرر بالجسد بشكل مقصود، وبإرادة كاملة، بغرض اللذة والتمتع، أما المعنى الثاني، وهو النفسي المعنوي، ويقصد به لوم الإنسان لنفسه، أو حرمانها لارتكابه سلوكيات خاطئة، وتحميل النفس أكثر من طاقتها، فصديقتي كانت تعتبر أن لوم النفس شيء طبيعي، ولكن يوجد فرق كبير بين لوم النفس وبين جلد الذات.

فجلد الذات: ما هو إلا شعور سلبي يظهر في أوقات الهزائم والإحباطات حتى يلوم الشخص ذاته ويوبخ نفسه على أخطائها بشكل مستمر، ويعجز عن مسامحة نفسه، ومنحها الغفران، أو التصالح مع الذات، وتبدأ من تقليل النجاحات، ويقلل الشخص من شأن نفسه، ونجاحاته، ويتصدر الفشل الساحة، ويبدأ الشخص بالانغلاق على نفسه، وتصبح هنالك حجج لتبرير الشعور بالعجز والرضا بالأمر الواقع!

أما محاسبة النفس فهي شعور إيجابي ناضج يتمثل في معرفة مواطن الضعف والقوة بصدق وعقلانيه بأن يقوم الشخص بتقييم مواطن قوته وضعفه دون تجريح نفسه، ودون التلذذ بعذاب روحه ودون التقليل من نفسه وإهانتها.. فيصبح لديه القدرة على معرفة نفسه، وتقييمها، وقادرًا على تقييم من حوله، وبالتالي يكون واثقًا من نفسه، ولا يخشى من مواجهة التحديات والمغامرات، ويكون رافضًا للتقوقع والعذاب! ويسير بالتوكل على الله مع العمل على أسباب النجاح والتخطيط الجيد وفهم أخطاء الماضي، وأسبابها، وظروفها، والاستفادة منها دون تعذيب النفس وجلدها.

قمت بةستشارة طبيب نفسي لأطمئنان على صديقتي، وبالفعل قام بطمأنتي وأن ثمة تدابير سهلة لعلاجها. ويمكنني إقناعها بفعلها.. وكان العلاج كالآتي:

_التقرب من الله من أول الأشياء التي تساعد في حب النفس وتقديرها.

_حب النفس وتقديرها وتقدير كل شيء تفعله النفس، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.

_العمل على الثقة بالنفس وحبها داخليًا، ورفض أي ضغط أو إيذاء لها.

_العمل على تفعيل هرمون السعادة بالحياة الصحية والرياضة، واتباع نظام صحي، والقرب من أشخاص لديهم كل الحب لنا.

_أخذ قسط من الراحه من أجل النفس والتصالح معها.

_الإيمان الكامل بداخلنا، وأن النفس تستحق كل التقدير.

_عدم الانغلاق لتجنب الإصابة بالكسل والخمول والاكتئاب.

_وإذا تطلب الأمر لأستشارة طبيب نفسي لا نتردد لحظة في ذلك.

وأخيرًا.. يجب القول لنا جميعًا إن لأنفسنا علينا حقًا وأننا مكرمون من الخالق، فلا يجب إيذاء الجسد أو النفس، ويجب التقدير والثقه والأحترام لنفوسنا، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهذا التكريم اقتضى الحفاظ على النفس من إلحاق الضرر بها، فلا يجوز الاعتداء عليها من قبل صاحبها، أو غيره، بالقتل، أو التعذيب، أو الجلد، أو غير ذلك، وهذا قد كان الجلد بالذات وأعراضه وكيفية علاجه وتجنبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذات, النفس, جلد
عرض التعليقات
تحميل المزيد