منذ أكثر من ثلاثة عقود، يستمر الخطاب المتطرف في الجزائر في نخر عظم الدولة الفتية،  ويجعل من احتكاك الناس ببعضهم محل ريب ومنازعة، سرعان ما تتحول إلى بؤرة توتر حاد. منذ ثمانينات القرن الماضي ونحن نخوض معارك  فكرية- سياسية، وما نزال نراوح أمكنة البؤس الاجتماعي ونتلوى من هلع التحاور والتلاقي والمشاركة  مع الآخر؛ لأنها للأسف ستؤول في النهاية إلى مشاكل. والمشاكل المستعصية الحل تحث الإنسان على الفرار من التجمعات والاختباء في منزله؛ لكي يحفظ للاحترام وجهه، ويبقي بذلك على استمرارية علاقة سطحية لا مفر منها.

وصل الأذى بين الناس مبلغًا فاق حد الاحتمال، واستشرى سمّه في جسد مجتمع غض، لم يكوّن بعد حسًّا جماعيًّا ولا روح حياة مشتركة. يستمد الأذى جذوره من وحي خطاب التفرقة والإقصاء. ذلك الخطاب الاستئصالي ذو النبرة الاستعلائية الذي يمجد مجموعة على حساب غيرها، بداعي الانتماء الجنسي أو العرقي أو الديني أو الفكري. قد يبدو أمر الاختلاف محسومًا ومقبولًا في بلد يعد قارة، ولكن الواقع ينضح بعقلية الرفض، بعنصرية مقيتة وبذهنية حدية. يرفض الإنسان الجزائري أن يعيش مع الآخر في بلده، في مدينته أو في الحي الذي يسكن فيه، لأنه ببساطة يتملك المكان ولا يريد لغيره أن يشاركه فيه. تراوده الشكوك في الإنسان المختلف عنه، لا يطمئن إليه ولا يتعايش معه؛ بل ولا ينعته إلا باسم العرق الذي ينتسب إليه أو الجهة التي ينتمي إليها إن كان يسكن في مكان آخر غير ذلك الذي ينحدر منه. الأمر الذي يشعره بالتمييز، ويخلق له في العادة جوًّا من التوتر الاجتماعي، ومن التصادم الجليدي الذي يحول دون عملية التأقلم والاندماج والذوبان في الهوية الوطنية الجزائرية من أجل غاية خدمة الصالح العام.

إن المعارك الوهمية اليومية والتي من خلالها تعمد كل جهة أن تستثمر في الأحداث الصغيرة قبل الكبيرة، وتستغلها لتسقط عليها كل تحليلاتها غير الموضوعية، والمشحونة بحساسيات طائفية، حتى تثبت بذلك صدق تخمينها وقوة أيديولوجيتها. تيارات اجتماعية كثيرة  تؤجج بخطابها نار الحقد والكراهية، وتدّعي لنفسها تمام العصمة ومرتبة الحكمة. تغريدات ومقالات وحوارات على مختلف وسائل الاتصال لا يمكن وصفها إلا بالفانتازية، أو المدفوعة بالعاطفة وبالسذاجة المغمورة بإحساس تضخم الذات واحتقار الآخر. نظن أن المناقشات والجدالات تزرع  أمل الحراك الثقافي، ولكنها ما تلبث أن تقع في فخ إفحام الآخر وتفوح منها رائحة الاستنصار للنفس التي لا يمكن أن توحي بالخير على الإطلاق.

ولا يمكن من خلال ما سبق تكوين أنا اجتماعي ولا حتى إمكانية تصوره، والذي في واقع الحال يكاد ينعدم في ظل استفراد الناس بذواتهم، وتقوقعهم عليها في جحورهم. الأنا الاجتماعي الذي يضمن الحقوق لجميع الناس مهما كانت انتماءاتهم، وبغض النظر عن نمط حياتهم وانتمائهم ونشاطهم، ويكلفهم  ذلك بواجباتهم تحت رقابة الضمير الاجتماعي، وسلطة القانون المدني. هل يمكن تكوين الأنا الاجتماعي والآخر في مجتمعنا الجزائري، لا يمكن تقبله إلا بشرط أن يكون مطابقًا لنا، ينتمي للقالب نفسه الذي شكلنا، وإلى الصندوق ذاته الذي خرجنا منه، وما عدا ذلك فهو المنبوذ المرفوض وحتى المشؤوم؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذات
عرض التعليقات
تحميل المزيد