في نظريته المهمة عن النفس، تناول المفكر والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون أثر السنن النفسية في الحضارة، وذلك في كتابه “السنن النفسية لتطور الأمم”، وفي تضاعيف هذا الكتاب يصر لوبون على أن للسنن النفسية آثارًا مباشرة على الأعراق والحضارات؛ فهو يقول:

“يمكنُ عدُّ التاريخ عرضًا بسيطًا للنتائج الصادرة عن مزاج العروق النفسي، ويُشتقُّ التاريخ من ذلك المزاج كما تُشتق أعضاء التنفس في الأسماك من حياتها المائية، ويغدو تطور التاريخ بغير سابق معرفة لمزاج الأمة النفسي؛ خلطًا من الحوادث التي لا سيّد لها سوى المصادفة، وعندما نعلم روح الأمة تبدو حياتها بالعكس نتيجة منتظمة مقدّرة لصفاتها النفسية، ونجدُ في جميع مظاهر العيش لدى الأمة دائمًا روح العرق الثابتة الناسجة لمصيره الخاص دائمًا” .

بهذه الكلمات النافذة يمكن أن نرى الصفات النفسية للأمة المسلمة في القرنين الثالث والرابع الهجريين من خلال ما كتبه اثنان من كبار المصنفين في هذا المجال آنذاك!

انطلاق من القرآن إلى التصوف الرشيد!

لقد ذُكر المصدر “نفس” في القرآن الكريم 268 مرة بصيغ متفاوتة ، وفي قضايا مختلفة بين الحياة والموت ويوم البعث، وبين الرجاء والخوف والقنوط والدعوة إلى التوبة، وبين الفجور والتقوى، وبين وصف أحوال النفوس: فالسعيدة والمؤمنة والمطمئنة والكافرة والظالمة والجاحدة وهكذا. هذا العدد الكبير الذكر، وهذا التنوع في المسائل المختلفة المتعلقة بها يكشف لنا مدى الأهمية التي تحظى بها قضية النفس في التصور الإسلامي.

هذا الاهتمام بالنفس في القرآن والسنة سُرعان ما رشح على المستوى العملي في مسألة الزهد ثم إلى التصوف في أخريات القرن الثاني الهجري، وولد في الإسلام علمٌ جديد في مقابل علم الفقه، أو بعبارة أخرى انقسم علم الشريعة إلى قسمين: علم الفقه الذي يبحثُ في الأحكام التي تجري على الجوارح، وعلم التصوف الذي يبحث في باطن الشريعة وتفهّم أسرارها .

ففي اللحظة التي كان فيها المذهب الحنبلي رابع أشهر المذاهب الفقهية السنية يستكمل أركانه ودعائمه التأسيسية على يد أحمد بن حنبل رحمه الله وتلامذته (ت264هـ)، كان علم التصوف السني المعتدل يتشكل في صورته الناضجة على يد صاحبه الحارث المحاسبي (ت242هـ)، وبين المدرستين الفقه/ والتصوف اكتمل ركنا الشريعة الإسلامية بظاهره وباطنه!

المحاسبي في “آداب النفوس”!

لقد اشتهر الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي (ت242هـ) في القرن الثالث الهجري حتّى وصفه الذهبي بـ”شيخ الصوفية” ، وهو عند المتأخرين من الباحثين “أعظم مؤلف صوفي في القرن الثالث الهجري” ، ومن أشهر تلامذته الجنيد صاحب المواقف الشهيرة، بل كان للمحاسبي أعظم الأثر في حجة الإسلام الغزالي .

لقد صنّف المحاسبي عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل في القضايا الصوفية المختلفة، وكتابه “آداب النفوس” من أهم المصادر التي يمكن أن نرى من خلالها معالجة علماء الإسلام لقضية النفس في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، كيف نظر إليها المحاسبي في ذلك الزمان المتقدم من عمر الحضارة الإسلامية، وفي بغداد معقل الدولة العباسية أعظم دولة في العالم القديم حينئذ؟!

ينتهج الكتاب منهج النصيحة الأخوية، فكأنه رسالة قد كتبها إلى أحد مريديه أو تلامذته، لكنه لا يكشف عن اسم هذا المريد، والأرجح أن الكتاب نصيحة لكل من يُطالعه. وقد قسّم المحاسبي كتابه ذاك إلى أقسام متنوعة وهي مجموعة الآداب التي تستفيد منها النفس في طريق المحبة ومعرفة الله، فمنها الشكر والرجاء والخوف والحزن، وفي “سياسة النفس” يوجّه كلامه إلى القارئ بقوله:

“اعرف يَا أخي نَفسك وتفقد أحوالها وابحث عَن عقد ضميرها بعناية مِنْك، وشفقة مِنْك عَلَيْهَا؛ مَخَافَة تلفهَا، فَلَيْسَ لَك نفس غَيرهَا، فَإِن هَلَكت فَهِيَ الطامة الْكُبْرَى والداهية الْعُظْمَى، فأحِدّ النّظر إِلَيْهَا يَا أخي بِعَين نَافِذَة الْبَصَر، حَدِيدَة النّظر؛ حَتَّى تعرف آفَات عَملهَا، وَفَسَاد ضميرها، وتعرف مَا يَتَحَرَّك بِهِ لسانها، ثمَّ خُذ بعنان هَواهَا، فاكبحها بحكمة الْخَوْف، وَصدق الْخلاف عَلَيْهَا، وردهَا بجميل الرِّفْق إلى مُرَاجعَة الْإِخْلَاص فِي عَملهَا، وَتَصْحِيح الْإِرَادَة فِي ضميرها، وَصدق الْمنطق فِي لَفظهَا، واستقامة النِّيَّة فِي قَلبهَا” .

 

وبذات الأسلوب البليغ الواضح الذي للوهلة الأولى تحسب أن لغته قريبة العهد بنا نحن أبناء القرن الخامس عشر الهجري، يقول المحاسبي في مسألة “قهر النفس على طلب الآخرة”:

 

“إِذا قطع عَلَيْهَا العَبْدُ الطمع من أَسبَاب الدُّنْيَا، وَغلبَ بعقله هَواهَا؛ رجعت بطمعها إِلَى أَسبَاب الْآخِرَة لَا محَالة؛ لِأَنَّهَا بُنيت على الطمع؛ فَإِذا تجردت من أَسبَاب الدُّنْيَا وأقبلت على نَفسهَا بالإياس من المخلوقين؛ رجعت برغبتها وطمعها إلى أسباب الْآخِرَة؛ فجدّت فِي طلبَهَا وَاجْتَهَدت وعزفت عَن الدُّنْيَا، وباينت الْهوى، وخالفت الْعَدو، وتبعت الْعلم، وَكَانَت مَطِيَّة لِلْعَقْلِ صابرة على مُرّ مَا يدل عَلَيْهِ الْحق؛ فنجت وأنجت” . وهكذا انتهج المحاسبي نهج الوضوح والمباشرة في معالجته لقضية النفس.

الحكيم الترمذي في “أدب النفوس”

أما الحكيم الترمذي محمد بن علي بن حسن بن بشر (ت320هـ) فهو من أشهر المصنّفين والمحدّثين في القرن الثالث الهجري، وله عدد مهم من المصنفات الحديثية، ومسائل الزهد والتصوف ، وكتابه “آداب النفوس” يكشف من خلاله عن قدرة عقلية نابهة؛ فبقدر ما وجدنا من النصيحة والوضوح عند المحاسبي في كتابه الآنف، وجدنا النزعة العقلية في كتاب الترمذي، تتجلى هذه النزعة في حديثه المنطقي المترتب على مقدمات ونتائج في الوهلة الأولى عند قراءتك لمقدمته.

فبعد كلام طويل عن ضرورة إذعان النفس لله عز وجل وإعلان التوحيد الكامل له، وضرورة الانصراف إلى الله تعالى وعدم خشية الفقر أو ضياع الرزق لأن الله قد كفله للعباد، يقول الترمذي مستكملًا حديثه العقلي والمنطقي إلى النفس: “فهذا في المصحف قوله:

(على الله رزقها). أهذا أعظم شأنًا، وأصدق وأبر وأوفى، أم الذي وجدتِ في ديوانِك؟ أما تستحين أن تلقي ربك بهذه الحالة؟! ولكني قد فهمتُ لم اضطربتِ بعد أن أيقنتِ بضمان ربك؛ إنك ذات شهوات، فيك شهوة العزّ، فأنت تهربين من الذل، وفيك شهوة ألوان الطعام، فأنت تهربين من البؤس، وفيك شهوة إدراك المنى، فأنت تهربين من فوتها.
وإنما تضطربين لأنك أردت أن يكون رزقك في وقت، وأراد بك في وقت آخر، واشتهيت أن يكون على صفة، وأراد ربك غير ذلك، وأردت من وجهه راحة، وأراد ربك من وجه تتعبين فيه، وأردت كثيرًا، وأراد ربك أقل من ذلك، فأصبحت وأمسيت مخالفة لربك في مشيئته وإرادته، فحملك ذلك على الشهوة، حتى غلبتك، فرمتك في أودية المهالك، فأقبلت بهلعك وجزعك على حطام الدنيا، من سبيل الخبائث والأقذار والشبهات والأوساخ، لسكون نفسك به” .

لقد أثرت مثل هذه المؤلفات الحالة الثقافية والمجتمعية في القرن الثالث والرابع الهجريين، وأصّلت لهذه المسألة فيما جاء بعدها من مصنفات، وإنه ليس من المستغرب أن ذلك القرن قد بلغت فيه الحضارة الإسلامية أوجها على المستوى المادي والأخلاقي.

فبقدر ما ظهرت المدارس الفقهية والتفسيرية والحديثية واللغوية والنحوية وغيرها ولاقت من الرواج والاحترام، بقدر ما تجلت المناهل الأولى للنبتة التصوفية التي اتكأ عليها علم التصوف ومدارسه فيما بعد.

هذه النزعة الأخلاقية التي قامت على التربية والتهذيب والتقويم بوسائل مختلفة في التصنيف بين الوضوح والفلسفية؛ تجلت عند طائفة كبيرة من كبار الزّهاد والمتصوفة الأوائل كمالحاسبي والجنيد وبشر الحافي وذي النون المصري وغيرهم، كما أكملت الصورة العامة لقسمي الشريعة الإسلامية؛ فقسم في الظاهر ينتهج المجال القانوني/الفقهي، وآخر في الباطن ينتهج صلاح النفس ومحبة الخالق، وبين القسمين تدور مسألة صيانة النفس والروح في الإسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد