عندما تكون النفس سجينة وأنت السجان !

إن النفس التي تخضع لتقلبات الحياة، هي نفسٌ ضعيفة مجردة من كل صفات الشجاعة والقوة، فكل نفسٍ لها مقادير وظروف تحكمها وتسوقها لطريقها المُظلم المُضلل، أو المُمهد السليم، لا لحياة الخضوع وحياة التملك والنسيان، إن أقل ما يُقال إن حق نفسك عليك ألا تقسو عليها، وألا تجعلها على هامش الذل والضعف، فمصير نفسك أنت تتملكه وأنت مسؤول عنه.

حياة الكثير منا على حواف الضياع والهلاك، من جراء ما نواجهه كل يوم من ضغوطات الحياة هنا وهناك، هذا يريد منك وذاك يطالبك بحقك عليه، وأنت مُعرض في أي وقت للانتهاك، دون مراعاة لأي شعور، أو دون عذر، أو فرصة للتعويض، أو أي شيء من هذا القبيل، فكل يوم نحن معرضون للانتقادات والإيذاءات الشخصية اللعينة التي لا رحمة فيها ولا عقاب، ونحن مُكبلون ومقيدون من كل جانب، العزاء لأنفسنا والموت لنا، والحياة لجبناء الكلمة والحرف، وأصحاب النفوذ، المتغطرس المتكبر.

الحياة بلا قيمة حين تنكسر النفوس، وتُهدم العلاقات، وتتناسى نفسك التي هي فوق كل مُتكبرٍ بغيض، فأنت لا ترى ذاتك الحقيقة حين تُهاجم من كل ما حولك، من الأشخاص والظروف، والطبقات المفترسة الصماء ضريرة القلب والعين، لا تستسلم ولا تُهن نفسك ولا تهملها وتجعلها مُساقة إلى حيث الضلال والفناء، فمهما كنت ضعيفًا مكبوتًا حزينًا، يملأك الألم والقهر والخوف، وتبكي كل يوم على حالك وقدرك ومصيرك المجهول، وحياتك البائسة، ونفسك السجينة في مغارات الحياة ودروب الأزمان والعصور، فثق بالله ثقة عمياء، ولا تبع نفسك لأوهام الشياطين وأفكار الضالين المُغيبين، ولا تنس دائمًا أنك لست وحدك، ولا يخونك الظن بأنك عاجز وغير قادر على تخطي هذه الحياة الزائلة.

إن رسالتي لكم رسالة المُقيد ورسالة الطامح، وهدفي ألا تُصيبك نغزات الحياة كما أصابت الكثير منا، فطاقتنا ثمينة جدًّا وأيامنا معدودة وقليلة، وحياتنا لا بد أن تجري على قدم وساق مهما كلفنا الأمر، ومهما كان المصير.

عزائي الوحيد لأصحاب النفوس التى تتسابق على قوت يوم، أو شربة ماء، أو كلمة طيبة وحديث جميل، أو أذن وقلب يسمعان، أو صدر يتسع، أو حفنة من المال يقتات بها، أو من أجل التئام جُرح، أو أب مريض، أو أم فقيدة، أو جبر خاطر مفقود، أو من يعانون من حزن وكتمان وقهر دون الإفراج عنه وإطلاق عنانه.

أعتذر لكم، بل أنضم لعزائكم، ولكن هناك شيئًا لا بد منه، ألا وهو مواجهة هذه الظروف والانتصار عليها، وطيها في أحقاب الزمان ونسيانها، فإن لم يكن فنتناساها، هذا هو المفتاح لمجاراة آلام نفسك، ألا تتركها لأفكار اليأس الخاسرة.

ارفع رأسك، وضع يدك على قلبك، واشدد من أزر نفسك، واقتحم غابات الحياة بدرعك ودرع إيمانك، وفارق الجهل والتخلف، وابتعد عن الانسياق وراء الوهم الكاذب الخادع المهيمن على أفكار الكثيرين ممن خانتهم الحياة، وأجبرتهم على الانزواء والرحيل، إننا في آخر الزمان، وأنت لا تدرك بأن لك الحق في إبداء وفرض رأيك السليم، بل أنت تمتلك قوة الآن لا مثيل لها، هي قوة الكلمة وقوة العقل والفكر، فافتح عينيك وأزل عنك غمامة الخوف، وانظر جيدًا، وتسابق على الخير، واجبر بخواطر الأنفس الضعيفة، وساعدهم على فك قيودهم وتحريرهم من بواطن الجهل والحزن والحسرة والحاجة إلى ساحة العمل، والعلم والتقدم، والفرحة التي بدونها لن نستطيع خوض حرب الحياة والفوز بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد