لا شك أن الملاحَظ أن أغلب شهداء الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، ومنفذي عمليات الطعن، تتراوح أعمارهم ما بين السابعة عشرة والعشرين سنة. وحتى البقية لم تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة. جولة صغيرة في حسابات الشهداء على مواقع التواصل  الاجتماعي، والاطلاع على مواضيعهم وتعليقاتهم، و منشوراتهم ـ التي تحمل من العزة والشهامة والوعي ما لن تجده عند الشيب ـ تجعلك تلاحظ أيضًا أن الشباب الذين نفذوا عمليات الطعن أو استشهدوا وهم يواجهون أسلحة جيش الاحتلال بحجارتهم، قاموا بما قاموا به عن وعي ونضج وإيمان. لم تكن القضية مجرد احتجاج لـ”فش الخلق” أو انتقام فردي. هؤلاء الشباب كانوا يعلمون أن سكاكينهم تحرك مياه القضية الراكدة، وأن أرواحهم عندما تغادر أجسادهم تُنفَخ في جسد القضية روحًا جديدة.

إلى هنا كل شيء عادي. لم نعرف الفلسطينيين إلا رجالاً، بل لم نُعَرّف الرجولة إلا بهم. لكن من يقلب بين صورهم سيجد أن أشياء كثيرة تشترك فيها الصور وأن هؤلاء الشبان بالتحديد ربطهم شيء واحد.

هؤلاء ليسوا شبانـًا أحبوا الموت حب عدوهم للحياة. كما أنهم ليسوا شبانـًا زاهدين بالحياة، وليسوا فقراء وليسوا شبانـًا رأوا في الشهادة خلاصًا من حياة كرهوها. هؤلاء شبان بمجرد النظر إلى صورهم تكتشف أنهم كانوا مقبلين على الحياة، وهذا ليس عيبًا ولا انتقاصًا منهم. منهم الفقير  ومنهم ميسور الحال ومنهم الغني. إذن لم تكن القضية انتحارًا.

هؤلاء الشباب  يضعون “الجيل” فوق شعورهم، وقد يلبس الواحد منهم سلسلة في عنقه ويأخذ لنفسه صور السيلفي. وبالتأكيد أنهم يشاهدون مباريات كرة القدم ويرتدون قمصان “البارصا” و”الريال” ويجلسون في المقاهي وقد يدخنون “الشيشة”، ومع هذا يذهبون إلى المساجد، وقد يكون منهم من يذهب إلى الكنائس.

فلا يقولن أحد بعد اليوم أن شباب الضفة الغربية تم “تدجينهم” بمباريات كرة القدم وإلهاؤهم بمواقع التواصل الاجتماعي والواتساب. وأن القضية الفلسطينية ستضيع مع هذا الجيل الذي تخلى عن القضية واعتنق كل ما يشغله عنها. فمن رفع يد ضميره عن فلسطين لا يحق له التنظير على أبنائها وإلقاء محاضرة في المقاومة ووسائلها، فأبناء فلسطين لن يعدموا الوسيلة.

في فلسطين رجال في الثانية عشرة، لم ينبت شعر ذقونهم، ولم “تعشوشب” صدورهم، ولم تفتل عضلاتهم.  وشباب يرتدون قمصان الأندية الأوروبية وملابس تحمل صور نجوم هوليوود، ويلبسون حسب صيحات الموضة ويأخذون صور السيلفي مع سيارة فخمة، شأنهم شأن شباب العالم. فلا تغرنك المظاهر، فهؤلاء أنفسهم يأخذون صور السيلفي من ساحة المعركة وهم ملثمون يواجهون عدوهم بمقلاع أو سكين.

في فلسطين تتعاون فتاة محجبة مع أخرى ترتدي جينز ضيق ـ وتطلي أظافرها وقد أطلقت العنان لشعرهاـ على حمل الحجارة للرجولة المرابطة على باب الشهادة والشرف. وتطل عيني ظبية من خلف كوفية لتتوشح البطولات تاء التأنيث.

فمن يقول للذكورة العربية المتخمة بالتستوسترون كونوا نساء فلسطينيات، ذلك أقرب للرجولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد