بذور نشأة الإنترنت ليست حديثة، بل تعود إلى العام 1969م وتحديدًا على يد وزارة الدفاع الأمريكية وذلك عندما قامت بإطلاق مشروع “أربانت” ويعرف بشبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة، من أجل ربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث ببعضها البعض؛ لاستغلال أفضل للقدرات الفائقة للحاسوب، وهذا الأمر اعتبر فيما بعد النواة الحقيقية التي أدت إلى ظهور الإنترنت، رغم أن الكثيرين ممن يرجعون ظهور الإنترنت إلى نهاية القرن العشرين.

بعد ذلك، طرأت العديد من التطورات الجسيمة على الشبكة العنكبوتية، وخاصة فيما يتعلق بمحركات البحث “جوجل” وغيرها، إضافةً إلى “السوشيال ميديا” أو ما يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر الإنجاز الأحدث في عالم الإنترنت، محدثة طفرة غير مسبوقة في عملية التواصل العابر للقارات بين الأفراد، علمًا أن ظهورها أحدث الكثير من السجالات التي لا تنتهي بين رواد الإنترنت.

ومن أبرز تلك السجالات، الحديث عن إيجابيات وسلبيات تلك المواقع، وما هي التأثيرات الناجمة لعملية استخدامها، بالإضافة إلى الغموض الذي صاحب إطلاق تلك المواقع وما هي الأهداف التي ترمي لها الجهات المالكة، وهل ما ذهب إليه مالكو هذه المواقع الاجتماعية فيما يتعلق بالخصوصية الشخصية يلامس شيئًا من الحقيقة المزعومة، الأمر الذي خلط الأوراق على المستخدمين وجعلهم يتخوفون من ارتياد مثل هكذا مواقع.

وبعد هذه المقدمة المقتضبة، أصبح الآن بإمكاننا التحدث عن ظاهرة “السيلفي” أو الصورة الذاتية، التي يلتقطها الشخص لنفسه، بواسطة آلة تصوير أو باستخدام الأجهزة الذكية المجهزة بالكاميرات الرقمية الحديثة، بهدف تعيينها كصورة شخصية على منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو من أجل توثيق لقطة معينة في مكانٍ ما أو حدثٍ ما أو للتعبير عن حالته الشخصية، الجدير بالذكر أن هذه النوعية من الصور تتميز بعفويتها، وسهولة التقاطها، وبساطة تكوينها.

ظاهرة “السيلفي” ظاهرة قديمة، وتعود إلى نهايات القرن التاسع عشر، ولكنها انتشرت بشكلٍ واسع منذ عام 2012، واتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي متنفسًا، ولاقت الكثير من القبول والانتشار من قبل شريحة واسعة من الشباب في بادئ الأمر، حتى وصلت الآن لكل شرائح المجتمع، بما في ذلك مشاهير السياسة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وبهذا السياق، نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية تقريرًا موسعًا قبل عدة أيام، حذرت فيه من ظاهرة السيلفي، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الظاهرة ما هي إلا أداة لأجهزة الاستخبارات العالمية للوصول إلى الأهداف التي تصبو إليها.
وفي مقدمة التقرير، أشارت المجلة إلى السهولة الكبيرة التي واجهها الجواسيس، في عملية تعقب التدخل العسكري الروسي في سوريا، عن طريق مشاركات فيسبوك وخاصةً صور السيلفي، وذلك بعد أن كان التعقب يعتمد بصورة شبه كاملة على صور الأقمار الاصطناعية.

وأكد التقرير أن كل عمليات الإعداد والتخطيط الروسي للتواجد في سوريا، ونشر القوات لمساندة وإنقاذ نطام بشار الأسد من الانهيار الذي لا تحبذه موسكو، تم توثيقه بصورة ملفتة، الأمر الذي يجسد قوة مصادر المعلومات المفتوحة (مواقع التواصل الاجتماعي).

وفي غضون التعزيزات العسكرية الروسية، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالأدلة على التدخل الروسي، معتمدةً على مصادر المعلومات المفتوحة، وعلى وجه التحديد صور السيلفي لما تحمله من شخصنة للموضوع المصور، فشرع الجنود الروس بنشر صور السيلفي على حساباتهم الشخصية، مؤكدين في الوقت نفسه، على توجههم إلى الميناء الروسي في طرطوس، بالإضافة إلى انتشار صور على “توتير” – أحد مواقع التواصل الاجتماعي – في وقت سابق توضح تحليق طائرات روسية بدون طيار في الأجواء السورية، فشكلت هذه التطورات التي استندت في غالبها على صور السيلفي، الشرارة الأولى للتدخل العلني الروسي في سوريا.

وسلط التقرير الأضواء على شخص يدعى رسلان ليفييف الذي يحمل الجنسية الروسية، فهو أسس مجموعة مكونة من ستة أشخاص تسمى (فريق استخبارات الصراعات)، وجوهر عملها يقوم على تحليل المعلومات الرقمية المنشورة على فيسبوك وبقية المواقع، من أجل تعقب التحركات الروسية، معتمدًا على المنشورات التي ينشرها الجنود الروس على تلك المواقع، علمًا بأنه نجح في ذلك وقام برفع الصور والتغريدات والخرائط والفيديوهات على موقعه على الشبكة العنكبوتية والمسمى بـ (Livejournal).

وأكد ليفييف الذي تعرض للكثير من المضايقات وهُدد بالقتل بسبب عمله الخطير، أن التغطية التي يقدمها الإنترنت جيدة جدًا، وهناك الكثيرون من الناس يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، ما يوفر لنا قاعدة بيانات رصينة، نستخدمها في عملية تعقب أهدافنا، في الوقت الذي يستخدم غالبية الناس الهواتف الذكية، التي تتميز بجودة كاميراتها الرقمية، وهذا يوفر لنا كمية كبيرة من الصور والفيديوهات المهمة.

وأشار التقرير، إلى أن التوفر الكبير للمعلومات الاستخبارية من المصادر المفتوحة، ساهم في نمو صناعة الأقمار الاصطناعية  التجارية، والتي في عام 2013 وصلت عائداتها إلى 195 مليار دولار، وهناك مؤسسات مثل (إيرباص وديجيتال غلوب) اللتان تعتبران من أبرز المؤسسات التي تزود عملاءها بصور أقمار صناعية لا ينقصها أي قدر من الأهمية عن تلك الصور التي تبرز الولايات المتحدة الأمريكية بأنها حكرًا لها.

والدليل الواضح على جودة الصور التي توفرها الأقمار الاصطناعية التجارية التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المصادر المفتوحة، أن حكومة باراك أوباما نفسها تعتبر مستهلكًا كبيرًا شبه دائم لتلك المؤسسات، وتمتلك وكالة الاستخبارات الأمريكية عقدًا كبيرًا مع شركة ديجيتال غلوب.

وأبرز التقرير على أن المصادر المفتوحة ساعدت من شأنها، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، على اختراق المناطق الخطيرة والبعيدة التي يصعب للأقمار الصناعية الوصول إليها، مثل المناطق القبلية في باكستان وصحراء الصومال، عن طريق التفاعلات التي يقوم بها الأفراد المنتمين للجماعات المتشددة والتي تشكل هدفًا خطيرًا للولايات المتحدة الأمريكية، على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويقول ماتيو ماكنز الذي عمل سابقًا كمحلل لاستخبارات الدفاع الأمريكية، يجب أن يحسب حسابًا لعدد أكبر بكثير من المصادر، وبطريقة تجبر مجتمع الاستخبارات على التفكير في كيفية التحقق من صحة المضامين التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما دفع ماكنز إلى طرح تساؤل: “كيف تواجه الجنود الأغبياء الذين يضعون صور السيلفي لأنفسهم على فيسبوك أين هي الوجهة التي هو متوجه لها أو القوات التي ينتمي إليها!”.

وقال مدير الاستخبارات الأمريكية جون بيرنان، إن تحسين قدرة عمل الوكالة سيتضمن دمج المصادر المفتوح في عملنا، وهذا الأمر سيوسع من احتمالية إصلاح منظمة التجسس الرائدة في أمريكا، وأضاف بيرنان في نيسان (أبريل) الماضي، قائلًا: “في كل مكان نتوجه إليه نترك وراءنا بعض المعلومات الرقمية، وهذا يجعل موضوع العمل بسرية صعبًا للغاية”.

ما يمكن استنتاجه من مضمون التقرير، إن جل وكالات الاستخبارات العالمية اتخذت من المواد التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها صور السيلفي، مصدرًا لعملياتها التجسسية، وهي أصبحت تشكل مزيجًا مع أدوات التجسس التقليدية كالأقمار الاصطناعية.

وعليه، أصبح من الضرورة بمكان الوقوف على خطورة صور السيلفي وغيرها من المواد الرقمية، وأن يتنبه رواد منصات التواصل الاجتماعي، من أن المواد التي يقومون بنشرها لا تتمتع بأي قدر من الخصوصية التي يدعي توافرها مالكو تلك المواقع، وإنما تستخدم لغايات التجسس من قبل وكالات الاستخبارات العالمية، وباتت تشكل مصدرًا مهمًا لغايات التحليل الاستخباري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد