ها نحن .. يا بلقيس 
ندخل مرةً أخرى
لعصر الجاهلية
ها نحن ندخل في التوحش
والتخلف 
والبشاعة  والوضاعة 
ندخل مرةً أخرى
 عصور البربرية

نزار قباني: قصيدة بلقيس

 

1- الشعبوية والدعوة لنهاية ديمقراطية النخب

يُعرِّف قاموس روبير الصغير الفرنسي في طبعة العام 2013 الشعبويَّة بأنها «خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النِظام ومسؤُوليه والنُخب». فالفعل السياسي الشعبوي يتميز بازدراء شديد للطبقة السياسية القائمة ويحملها الأزمات السياسية التي تعاني منها الدولة القائمة وتردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي لعموم الشعب، ويرى أن الحل للخروج من الأزمة في التخلص من تلك الطبقة، وإعادة السلطة للشعب باعتبار أن الديمقراطية في الأساس حكم الشعب نفسه بنفسه، وليس حكم النخب باسم الشعب، ولذلك يركز الشعبويّين على هدم أسس الديمقراطية التمثيلية وتعويضها بالديمقراطية الشعبوية (الديمقراطية المباشرة) التي تنطلق من الأسفل للأعلى. فالشعبويَّة كنمط من التفكير السياسي تجنح لتقديس الشعب باعتباره يمثل الحقيقة المطلقة. إنها خطاب سياسي موجه لهدم أسس الخطاب السياسي للنخب السياسية والثقافية المهيمنة على الشأن العام، والتي يتهمها الخطاب الشعبوي بالفساد، والاستغلال، وتأبيد الفقر، والتبعية للقوى المهيمنة خدمة لمصالحها في تعارض تام مع مصالح الشعب ورهانه على الدولة الديمقراطية كأداة لتحقيق الحرية والرفاه.

إن فساد النخب السياسية والثقافية وسيطرة جماعات الضغط لرأس المال المسيطر على الاقتصاد، وما أدى إليه من مزيد تفقير المفقر وتفقير الطبقة الوسطى وهيمنة قلة قليلة على الثروة العامة وعجز تلك النخب على تجاوز خلافاتها الإيديولوجية وضمان الحد الأدنى من الاستقرار السياسي لتمكين الاقتصاد من التحرك الإيجابي في اتجاه تحقيق الثروة مكّن الشعبويّة من اكتساح الفضاء العام خلال الانتخابات الأخيرة الرئاسية الأخيرة في تونس مثلًا سنة 2019. لذلك تَعتبر الشعبويّة أن الحل الوحيد للأزمات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية، وغيرها، إنما يتمثل في تجاوز الديمقراطية التمثيلية نحو الديمقراطية المباشرة، وأن طوق النجاة للسلطة إنما هو في التحرر من السلطة.

فاللاسلطوية هي الرديف المباشر للشعبويّة وتتحقق اللاسلطوية حين تعود السلطة للشعب بحيث لا تكون في يد أحد. فاللاسلطوية نظرية سياسية تشكك في مبررات السلطان والسلطة وبالأخص السلطان السياسي. تُبرَّر اللاسلطوية بمطالبات اخلاقية حول أهمية الحرية الفردية. إنها نظرية ايجابية حول الرقيّ البشري ترتكز على مثال للبناء التوافقي غير القسري. فهي نقد جذري للسلطة المركزية للدولة ودعوة للامركزية السلطوية حيث تتحدد السلطة كممارسة شعبية جماهيرية بعيدًا عن هيمنة الدولة المركزية فالشعب قادر على إدارة شأنه العام دون حاجة للدولة المركزية التي تدريها النخب الفاسدة وذات المصالح التي تتعارض في الغالب مع المصلحة العامة للشعب، ولذلك تدعو الشعبويّة باعتبارها لاسلطوية، وزهد في السلطة لإعادة السلطة الكاملة للشعب، فلا ضرورة لدولة النخب (أحزاب، ومثقفين، وأكاديميين، وخبراء، وتقنيين) حين تعود السلطة للشعب. وبالحكم المباشر للشعب تصبح الدولة فعلًا تنازل الكل لفائدة الكل كما بين جون جاك روسو، ولن يكون هناك أية حاجة لوضع قوانين لمنح امتيازات للبعض على حساب الكل.

الشعب هو من يحكم مباشرة في الديمقراطية المباشرة باعتبار أن من يختارهم الشعب من الأسفل للأعلى (انتخاب على قاعدة الأفراد) يخضعون في دوام ممارستهم السلطوية لتمثيل من انتخبوهم لإرادة ناخبيهم حيث بإمكانهم عزلهم وسحب التفويض منهم متى أرادوا ذلك، وكلما لاحظوا انحرافًا في الممارسة السياسية يعيد الدولة لحكم النخب والقوى النافذة، ولن يكون الرئيس إلا قائدًا وزعيمًا حاميّا لإرادة الشعب، ومحققًا لتلك الإرادة، وهو أمر يمهد الطريق لعودة السلطة المطلقة باسم الزهد في السلطة والطهورية الأخلاقية، فتتحول اللاسلطوية الشعبويّة إلى سلطة مطلقة. وإذا التقت اللاسلطوية الشعبويّة مع النرجسية والأنانية أصبح الإنسان ذاته مهددًا في وجوده باسم الدفاع عن الشعب.

2- الإنسان الأناني الخطر الذي يهدد الإنسانية بالفناء

نجد في الموسوعة العربية التعريف التالي للأنانية: النزوع الطبيعي الذي يحمل الإنسان على الدفاع عن نفسه وحفظ بقائه، وتنمية وجوده والميول الأنانية الناشئة عن هذا النزوع مقابلة للميول الغيرية، ويطلق عليها أيضًا اسم الميول الشخصية أو الميول الفردية. إنها الحالة التي تغلب فيها على الفرد دوافعه ورغباته الذاتية دون النظر إلى رغبات أو مصالح الآخرين، ومن ثم تتعارض مع الروح الاجتماعية حتى لو اتسع نطاقها، وصبغت اتجاه فريق من الأفراد. ومن الناحية الأخلاقية تطلق الأنانية أيضًا «على من لا يستهدف إلا نفعه الخاص، في حين أن الغيرية هي حب الغير وإرادة الخير له وتقديمه على النفس». ويطلق دوركايم مصطلح الإيثار أو الغيرية على المجتمع أو الجماعة التي يندمج فيها الفرد كلية، ولا تكون له مصالح مغايرة لمصالح الجماعة، وفي مثل هذه الجماعة يدرَّب أعضاؤها على ترك الفردية، وتقديم الواجب والطاعة بما يحقق رفاهية الجماعة قبل أي اعتبار آخر. فالأنانية في النهاية تعلق بالذات مفرط على حساب الكل والأناني يعتبر الكل على خطأ وهو الوحيد على صواب ولذلك يُنصِبُ نفسه مُعلِمًا للجميع ويعتبر نفسه الشيخ والكل مريديه.

إن لقاء الأنانية مع الشعبوية تؤدي لتحول الرئيس أو الشيخ أو الزعيم أو القائد إلى فرعون يحمل شعار: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ» (غافر 29)، وهذا الشعار ينتج عنه في صراع القوى داخل السلطة القائمة إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وضرب المصالح العليا للشعب بسبب صراع لا ناقة للشعب فيه ولا جمل، كما قال العرب قديمًا. إن الأنانية المقترنة بالشعبويّة أو الفساد أو المصلحة الشخصية المطلقة تمثل تهديدًا كليًّا لمصالح المجتمع وتهديدا لوجوده ووجود الدولة ككيان هدفه تحقيق الأمن وضمان الحرية والازدهار للشعب عامة وليس للفئات النخبوية التي تحكم باسم الشعب أو تدعي الدفاع عن مصالحه في حين أن كل ممارساتها مناقضة تمامًا وبشكل مطلق لتلك المصالح. إن الأنانيين الذين يهيمنون على الفضاء العام هم الخطر العظيم الذي يهدد الدولة والمجتمع والشعب بالاندثار خدمة لمصالحهم لأن شعارهم الوحيد: من بعدي الطوفان أو من بعدنا الطوفان: (Après nous, le deluge) وهو قول فرنسي منسوب إلى مدام دي بومبادور، عشيقة لويس الخامس عشر. وكان لويس الخامس عشر يكرر مرارًا هذه المقولة الأنانية في إشارة إلى ولي عهده، لويس السادس عشر المستقبلي.

إن الإنسان الأناني أصبح البديل الحالي للإنسان المفكر حيث نلاحظ تنامي النزعة الأنانية الفردية وهيمنتها على الفضاء العام، حتى أصبحت تهدد الوجود البشري ذاته. فالأنانية المطلقة التي تحولت من الفرد إلى السلطة وسيطرت على الممارسة السياسية عالميّا وضعت العالم على حافة الهاوية خاصة مع تنامي النزعة الشعبويّة والفوضوية الجديدة واللاسلطوية التي تدعي الدفاع عن الإنسان ضد هيمنة الدولة، وتبشر بزوال الدولة الديمقراطية التي تمر بأزمة هيكلية سببها الرئيس هيمنة الوظيفة المراقبية للدولة على حساب بقية الوظائف خاصة مع الطفرة التكنولوجية والرقمية الكبرى في مجال أدوات المراقبة، وإنترنت الأشياء التي تبشر بالمدن الذكية حيث تتفاعل كل الأشياء فيما بينها بشكل يفقد الإنسان كل خصوصية. بقدر ما تهدد المدن الذكية والأجهزة والأدوات الذكية خصوصية الإنسان وتيسر الدور المراقبي (المراقبة وليس الرقابة) للدولة فإن هيمنة الأنانية على الخطابات السياسية الشعبوية وعلى الحياة الفردية تهدد الوجود الإنساني من الأسس (خطابات رئيس البرازيل تساهم في التدمير المكثف لرئة الأرض في الأمازون).

إن الأنانية التي انتشرت بين أفراد المجتمع حتى أصبحت المصلحة الفردية أهم من المصلحة العامة بل أخضعت المصلحة العامة للمصالح الفردية هو الخطر الحقيقي على الوجود الإنساني عامة. إن الأناني شخص لا حدود لنزعته الفردية ولتعلقه بذاته وشخصه بحيث لا يرى غيره إلا من الأعلى ويضع الكل في الأسفل. وإذا ما اقترنت هذه الصفات والممارسات بالسلطة فإن ذلك يعيد للعالم إمكانية ولادة جنكيزخان أو هتلر أو موسيليني جديد يحمل العالم نحو الهاوية، ولعل وجود أفراد ومجموعات وقوى نافذة في المجتمع لها مصالح تلتقي مع مثل هؤلاء هي التي تقوى شوكتهم وتضعهم فوق رؤوس الخلق.

إن الحل الممكن للنزعة الأنانية ولأفول عصر الإنسان الأناني (يهيمن اليوم على كل مناحي الحياة) هو إعادة الاعتبار للتربية على الإيثار وحب الغير، مثلما نحب النفس وتقدير ما يقدمه الآخرون إلينا من محبة لا مصلحة فيها. أن تحب غيرك مثلما تحب نفسك هو ما يُمكِّن الإنسانية من الديمومة ويحقق التقدم والازدهار للمجتمعات أما التعلق المطلق بالذات ونفي كل ما هو غير فإن نتيجته الوحيدة زوال الكل. فالسفينة التي تثقبها باسم أنانيتك ستكون أول الغارقين فيها.

بقدر ما نقر بأن الديمقراطية اليوم في أزمة حادة بسبب التعارض بين رقابة الدولة والحرية الفردية والعامة فإن الحل لتلك الأزمة ليس في ضرب الدولة الديمقراطية (وهي أقل الأنظمة سوءًا) بل في دفع الدولة الديمقراطية نحو مزيد من الحرية والتقليص من تدخلها في الحياة الفردية باسم حماية الحياة العامة مثلما يحدث في فرنسا من استهداف للمسلمين باسم حماية اللائكية، وهو ما يساهم في زيادة الفجوة بين الدولة والمجتمع؛ مما يفتح الطريق أمام تغلغل الشعبويين والأنانيين. حين تلتزم الدولة الديمقراطية بالقيم التي تأسست عليها حينها فقط تغلق كل أبواب ولوج الشعبويّة والطوباويين نحو الفضاء العام وإفساده باسم الدفاع عن الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد