يمتلئ عالمنا بالدعوة للأنانية، في الأغنيات والكتب والروايات والمقالات والخواطر ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ناهيك طبعًا عن الأحاديث اليومية بين أي شخصين. جميعنا استنزفته التضحيات، واكتشف بعد كثير من الألم والمعاناة أن التضحيات لم تعد تجدي نفعًا، وأن الأنا يجب أن تقدم على كل شخص وكل شيء.

 

بات من الطبيعي أن نستمع إلى أغنية تقول كلماتها ( أد ما هاخد أد ما هدي)، وأن نقرأ منشورات على الفيس بوك تدعونا إلى البعد عن كل من يصدر لنا طاقة سلبية أو يضر بطاقتنا الإيجابية ويمتصها، بغض النظر عن مدى قربه منا أو احتياجه لنا، فالمهم هو المحافظة على طاقتنا الإيجابية.

 

كم قرأنا من قصص وروايات كان خطأ البطل الوحيد فيها هو طيبته الزائدة وتضحيته براحته وسعادته من أجل الآخرين، مما يوقعه في كثير من المشاكل والمصائب، فلا يجد بجواره أحدًا ممن ضحى لأجلهم، وبالطبع تكون أول خطوة في حل مشاكله وتدارك مصائبه هي كثير وكثير من الأنانية.

 

انتشرت كذلك كثير من الدعوات الموجهة للمرأة بصفتها زوجة وأم، تدعوها إلى التخلي عن الطرق القديمة في معاملة الزوج والأبناء، التي تعتمد على التضحية التامة وإنكار الذات الدائم وشطب نفسها تمامًا من قائمة أولوياتها، والبدء في وضع نفسها واحتياجاتها على قمة هذه القائمة، بالاهتمام بصحتها وشخصيتها ومستقبلها المهني والشخصي وهواياتها ووضع جزء من المسئولية على كاهل الزوج والأبناء.

 

بعض الأنانية لا يضر، فهي الدافع للحفاظ على الحياة وتجنب المخاطر، ولكن لا يمكن تجاهل أن الإنسان يعيش في مجتمع يفترض فيه التكافل حتى يستقيم، وبالتالي فبعض التضحيات وإنكار الذات لبعض الوقت هي من أهم أساسيات العلاقات الإنسانية.

 

لكننا أصبحنا نبرر الأنانية لأنفسنا بشتى الطرق والوسائل،  وفي الوقت نفسه لم نتوقف عن مطالبة الآخرين بالتضحية من أجلنا، منطق عجيب، ولكنه جزء لا يتجزأ من الأنانية. قد أستطيع تفهم هذه الدعوة لتبني الأنانية أسلوب حياة وأساسًا في التعامل الدنيوي بين البشر، حتى ولو اختلفت معها في كثير من الأحيان، ولكن أن تمتد الأنانية لتشمل علاقتنا بالله ونوازعنا لفعل الخير، فهذا ما لا أستطيع فهمه أبدًا.

 

قد نتصور أنه لا يمكن أن يكون للأنانية مكان في علاقتنا مع الله، إلا لو اعتبرنا أن طاعتنا لله خوفـًا من النار وطمعًا في الجنة هو نوع من الأنانية، ولكني اكتشفت أن الخطاب الديني والاجتماعي الحديث يؤصل للأنانية دافعًا لفعل الخير والصواب.

 

دائمًا ما كنت أسمع مقولة (كما تدين تدان) التي تحولت إلى المثل الشعبي  (كله سلف ودين حتى المشي على الرجلين)، ولكن كان السياق لذكر أي منهما لا يتعدى أن يكون تصبيرًا للمظلوم وتطييبًا لخاطره وإعطائه أملاً أن من ظلمه سوف يذوق من الكأس نفسها ويقع تحت طائلة الظلم نفسها إن عاجلاً أو آجلاً، أو حتى على سبيل العظة اليائسة للظالم، بعد أن استنفذنا معه كل سبل الوعظ بالتذكير بالله وأمره بالعدل وغضبه على الظالم.

 

للأسف في الفترة الأخيرة أصبحت هذه المقولة هي أساس كثير من العظات، سواء في الخطب أو الكتب الدينية أو حتى الفيديوهات القصيرة المنتشرة على شبكة الإنترنت.

 

بدأ الأمر بالفيديوهات التي تتحدث عن عقوق الوالدين، حيث نرى رجلاً يعيش في منزل كبير واسع فخم دافئ قد وضع أباه العجوز المريض في غرفة حقيرة باردة ملحقة بحديقة المنزل وتركه هناك يعاني المرض والوحدة، بينما هو جالس مستمتع بوقته مع أولاده يتابع لعبهم وضحكهم، ويتابع ابنه الصغير الذي يرسم بيتـًا جميلاً حاول جاهدًا أن يبدو مثل بيتهم.

 

عندما ينتهي الطفل الصغير من الرسم، يذهب لأبيه ليريه بيته الجميل الذي رسمه، ويصف له حجراته، فهنا حجرة الطفل، وهنا حجرة أطفاله الذين سينجبهم عندما يصير رجلاً مثل أبيه، وهنا حجرة الطعام، وهنا حجرة الألعاب، ويستمر الطفل في وصف حجرات البيت، وعندما يسأل الأب عن حجرته، يشير الطفل إلى حجرة صغيرة معتمة تقف في ركن مظلم خلف البيت الكبير، ولا يكتفي الطفل بذلك بل يخبر أباه صراحة أن حجرته ستكون بالضبط مثل حجرة جده الذي يعيش فيها الآن.

 

تقع كلمات الطفل كالصاعقة على أبيه فيترنح ويكاد يغشى عليه، فهو لأول مرة يرى تأثير ما فعله بأبيه، ولكنه للأسف لم ير إلا تأثير فعلته على نفسه، لم ير مقدار الحزن والألم الذين سببهم لأبيه، إلا عندما تخيل أنه سيمر بالموقف نفسه، بل إنني أجرؤ أن أؤكد أنه لم ير أباه أصلاً بل رأى نفسه فقط.

 

يهب الأب واقفـًا، ثم يركض إلى أبيه مقبلاً يديه ومعيدًا إياه إلى رحاب البيت الكبير، بالطبع حتى يتجنب المصير نفسه على يد أبنائه. يختلف نوع العقوق من قصة لأخرى، فمن تحديد إقامة الأب أو الأم في غرفة منعزلة، إلى تقديم الطعام لهم في أطباق خشبية رخيصة حتى لا تقع الأطباق الغالية من أيديهم، التي ارتعشت بفعل الزمن وأمراض الشيخوخة، فتنكسر، إلى النوع الأشد من العقوق وهو وضع الوالدين في دار للمسنين.

 

في كل قصة تكون الذروة عندما يقوم أحد الأحفاد بإخبار والده أنه سيفعل به كما فعل هو في جده، فيخاف الأب الجاحد من نتيجة فعلته على نفسه في المستقبل ويسارع إلى استرضاء والديه حتى لا يلاقي مصيرهما نفسه عندما يصل إلى أرذل العمر، فلا تنس أنه (كما تدين تدان).

 

كيف أصبحت الأنانية هي المتحكم الرئيسي في أطهر وأعمق وأصدق علاقة إنسانية؟ كيف تجاهل هذا الشخص حب أبويه له وتضحيتهم من أجله بعمرهم وصحتهم وراحتهم وجعل بره لهم سبيلاً لبر أبنائه به فقط؟ منذ متى أصبح حب الوالدين وبرهم مشروطـًا؟! هل استأصل هؤلاء جزءًا من قلبهم كان فيما مضى ينبض بالحب الخالص للوالدين ؟!

 

وماذا عمن حرمه الله نعمة الأبناء، هل يصوغ له ذلك عقوق والديه، بما أنه لن يجد من يعقه عندما يكبر؟ انتقلت عدوى فعل الخير والحق والصواب بدافع الأنانية من موضوع عقوق الوالدين إلى موضوعات أخرى كان آخرها التحرش، والوقوف بجانب الفتيات اللاتي يوقعهن حظهن العسر ضحايا له.

 

اكتشف القائمون على محاولة دفع الناس، وخصوصًا الرجال، لمساعدة الفتيات ضد المتحرشين، أن مناشدة الرجولة والنخوة والتدين لم يعد يجدي، فاتجهوا إلى مناشدة الأنانية. لم يعد منطق أترضاه لأختك يؤثر، فمن تتعرض أخته للتحرش قد يتهمها بسوء الأدب واللبس المثير ويمنعها من الخروج من المنزل لتجنب الفضائح.

 

لذلك لم يجد هؤلاء المهتمين بمحاولة الحد من التحرش غير مخاطبة أنانية المجتمع وتوضيح الأثر المباشر للتحرش على حياتهم حتى لو كانوا رجالاً بلا أم ولا أخت ولا زوجة ولا ابنة. في محطة المترو تم وضع ملصق كبير لمحاولة حث الناس على الوقوف ضد التحرش. هذه الفتاة التي تتجاهل حضرتك أنه يتم التحرش بها قد تكون مدرستك التي ستتحول لمدرسة عصبية جدًا غير مهتمة بالشرح أو التدريس بسبب الضغوط النفسية الواقعة عليها.

 

قد تكون موظفة تخطئ في وضع الدمغة على أوراق حضرتك فيضيع تعبك ولفك على المصالح الحكومية لشهور. قد تكون المهندسة التي تصمم بيتك أو الكوبري الذي تسير عليه سيارتك، ولكنها للأسف تقع في أخطاء قاتلة بسبب حزنها واضطهادها اليومي، مما يتسبب في كارثة لحضرتك.

 

قد تكون طبيبة اختارت أن تتجنب النزول من منزلها بعد تعرضها للتحرش المستمر، وعندما تصاب حضرتك بأزمة قلبية لن تجدها في المستشفى كي تنقذ حياة حضرتك. يا سيدي الفاضل، التحرش لا يضرها فقط بل يضرك أنت أيضًا.

 

لا تساعدها لأن هذا هو الصواب. لا تساعدها لأن الله أمرك بالوقوف في وجه الظالم ومساعدة المظلوم. لا تساعدها لتنصر الحق. لا تساعدها لأنك إنسان. ساعدها فقط حتى لا يقع عليك ضرر جانبي بسبب التحرش بها. هكذا أصبحت الدعوة الحديثة لعمل الخير والالتزام بالحق والصواب، لا تفعل الخير إلا إذا كان فعله سيدفع عنك ضررًا أو يجلب لك منفعة.

 

 

يا عزيزي: كن أنانيًا تدخل الجنة.

 

أ1

 

 

 

 

 

 

 

 

أ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد