لا شكّ أنّ موضوع الذات قد خاضت فيه الكثير من المدارس الفلسفيّة باختلافها، لكن الأمر المهمّ الذي جعلني أتطرّق للموضوع، هو الرغبة الحقيقيّة في تفكيك كلّ تلبّس عن الذات، وجعل الأمر طبيعيًّا جدًّا من خلال الانطلاق من التفسير الذاتي للذات.

إنّه من الضروري القول، إن الذات غريبة بطبعها، تتمحور حولها الكثير من الشكوك والأسئلة المحيّرة. عندما تسمع كلمة ذات يتبادر إلى ذهنك مباشرة الكلمة الواسعة، التي تتضمن عديد المعاني، وما خاضه الفلاسفة الأوائل من تفسيرات حولها وغير ذلك؛ ممّا يجعلك تتساءل عن ماهيتها، ومحاولة التعمق فيها لفهم كل حيثياتها والظروف المحيطة بها.

عندما ترى نفسك في المرأة تكتشف مظهرك الخارجي. بمثل هذه الطريقة، يجب أن ترى ذاتك من تصوراتك، وكيفية قراءتك للعالم من حولك.

العصور التي خلت تميزت بسياسة المسلك الواحد والنور الوحيد الذي تراه، بينما العصر الحاضر يتميز بتشعب المسالك والرؤى المتعددة لأشياء بسيطة لا تتطلب الكثير من التعمّق. لقد أفرط الناس في تبسيط الأمور حتى أخرجوها من سياقها الطبيعي، ليلبسوها ثوبًا آخر. هذا يضر بشدة شخصية الفرد، التي تحتوي على قدرات عقلية وتحليل عميق، إذا كان طبعًا مدروسًا بدقة، وليس نابعًا من مجرّد إحساس وقتي ينطفئ بعد دقائق معدودة.

بالنسبة لمفهوم الذات، يمكن أن نفسّرها على أنّها شخصيتك الكامنة في داخلك ونظرتك لشيء ما.

إنّ الذات هي نظرتك لنفسك بكل بساطة، قبل النظر للآخرين، فإذا كنت تنظر لنفسك نظرة القادر على صنع التحوّلات وحبّ شيء ما، فإنّك ستكون صاحب ذات سامية،عالية،ثابتة في مواقفها، ومدافعة عنها تحت أيّ ظرف يعتريها. سينعكس ذلك تدرجيًّا على نظرتك للواقع، ونجاحك في الصراع اليوميّ مع الكون.

أمّا إذا كنت تنظر لنفسك نظرة استصغار ونظرة العاجز الذي يحركه القلق ولا يحركه الفعل الجاد، فإنّ ذاتك ستصبح سفليّة،ومن المستحسن في هذه الحالة، أن تقف وحدك في مكان معزول، وتراجع النظرة وتفكّك الأفكار واحدة تلو الأخرى، مع محاولة قطع الاتصال بكل شيء يثير الإزعاج من هاتف، أو أي شيء يشتت التركيز. أعتبر هذه الوقفة التأملية مع الذات مهمّة جدًّا.

لا أبالغ عندما أسميها الاختبار الأصعب في الحياة، إذ ستحدد موقفك وسط جوّ من ازدحام الأفكار، وتوتّر المشاعر، واضطراب النفس.

إنّ الذات تتسم بالغموض. هذا الغموض رائع في حدّ ذاته لأنّه يدفعك نحو التفكير، والتأمّل، والإبداع. هذا الطريق هو طريق الوصول للذات واكتشافها. إذا وقفت عند ذلك الغموض واعتبرته عابرًا، بالتغاضي عنه، فهنا قد ضعت حقًّا وزاد غموضك! بكلّ بساطة نتائج أعمالك وانفعالاتك في الواقع اليوميّ هي جوهر الذات.

إنّ العلاقة مع الذات يجب أن تبنى على أساس الثقة التامّة، وعدم المراوغة لأن المراوغة، ستعطيك نتائج سلبيّة كالخضوع للمتغيرات الاجتماعية التي تحوم حولك، أو تقمّص شخصيات أخرى، ونماذج ركيكة في المجتمع. يجب أن تنظر لنفسك نظرة تجعل منك مركز الكون. هذا لا يعني بتاتًا الاستعلاء، بل أقول إن لم تنظر لنفسك نظرة المتميّز عن الآخر. لن تستطيع اكتشاف ذاتك وستكون عبئًا على كوكب الأرض، الذي أفرط البشر فيه بصفة كبيرة في صنع قوالب متشابهة، عاجزة عن معرفة نفسها أي ما تريد، و ماهية أهدفها في الحياة؟

نحن كبشر لدينا الحقّ في أن نحبّ الآخر، نكرهه، أو نعتبره مصدر إزعاج؛ لأنّ النتيجة تأتي من السبب، والعبرة دائمًا بالنتائج، وإن كانت غير مرضية.

إنّ الإنسان مريض بطبعه وهذا المرض في الحقيقة هو نفسه الدواء، أي مرض؟

أن تحبّ قيادة كلّ شيء والتحكّم فيه. هذه الرغبة الجميلة التي تنتابني من حين إلى آخر، هي الأساس التي بنيت عليه فهمي لذاتي. فكما أنّ الآخر صانع التاريخ ومحرّك العجلات، لمَ لا أكون أنا صانعًا لشيء ما بنظرتي؟

إنّ فهم الذات اندثر، بسبب تغيّر صبغة الأرض من صبغة تقليدية تدور في فلك الإنسان، إلى صبغة تدور حول الآليات التي تحقق العيش الإنسان. فأصبحت العلاقة بين الذات والأداة المساعدة لمعرفة الذات علاقة عكسيّة مرضيّة، زادت الحياة تعقيدًا، ولم تساهم في استرخاء الروح. بل جعلت أشياء لا تنطق سيّدة في هذا الكون، والإنسان مجرّد راكض وراء رفاهية الوسائل، التي من المفترض أن تكون سببًا في راحته، ودعمًا لقدراته الذاتية.

إنّ الذات أصبحت مكوّناتها متشابكة كخيوط العنكبوت، لأنها حملت الكثير من الخلفيّات، ولعبت أدوارًا فوق أدوارها. تحاصرها أسوار التفكير من كلّ الجبهات، فتقرع طبول الفزع أحيانًا ولا تستطيع الهرع إلى الطريق المضيء.

إنً أخطر شيء يهدّد الذات، وينحرف بها عن مفاهيمها الأساسية، هو الصراع الداخلي الذي لا تجد له إجابة،ولا تستطيع فكّ شفراته. يجب أن تتحلّى بالقوّة الروحيّة الكامنة في داخلك، لتنتصر بها على القوة الشريرة، التي تحظى بنفوذ قوي داخل الذات، ولها أنصارها.

إنّ الذات لن تستطيع الوقوف على حياد في هذا الصراع، بل هي موضع الصراع وجوهره. يجب أن نعوّد أنفسنا على التفكير في كلّ شيء،لكن بانتظام، حتى لا يتحوّل تراكم الأفكار إلى عامل سلبي، يهدّد كياننا فنخرج عن تفكيرنا السليم والطّبيعي. يجب أن نتعلّم تقنية الاستنباط، أي استنباط الفكرة من فكرة أخرى، أو عدة أفكار من فكرة صغيرة. فالعالم مركّب بطريقة تشبه ألعاب الأطفال، وتحديدًا لعبة المكعبات، إذ يستوجب أن تفكّك قطعة تلو الأخرى، وعلى مراحل حتّى تفهم التركيبة والتسلسل المنطقي من وراء ذلك، إضافة إلى أن عامل التكرار يلعب دورًا مهمًّا.

كذلك الذات هي جزء من العالم، والعالم مسرحها الذي تلعب فيه. فهي بحاجة للتفكيك، لكن ليس تفكيك قطع هذه المرة، بل تفكيك أفكار وأحاسيس وخواطر… إلى جزئيّات صغيرة حتى تسهّل على نفسك فهمها ببساطة، وإيجاد التفسيرات المناسبة.

ليس المطلوب أن تغوص في الأعماق إلى أن تضيع في الطريق، وإنّما المطلوب أن تسأل أسئلة مهمّة في حياتك بصفة مستمرة وملحّة. ماذا أريد؟ إلى ماذا أتطلع؟ ما الغاية من الحياة اليومية المتكرّرة؟

أسئلة رائعة ونراها للوهلة الأولى بسيطة. لكنّها بدورها تخفي الكثير من التساؤلات، فتدخلك في متاهة. لكن لنا الشرف إن دخلنا في تلك المتاهة، فعلى الأقل نفهم ذواتنا الفهم السليم، وندخل معها في حوار بناء. من حين إلى آخر، ومن زمن إلى زمن آخر، وجب التحدّث مع الذات حديثًا عقلانيًّا بناءً بعيدًا عن التشنجات.

لا يجب أن ننسى أنّ الإطار الخارجي رغم رفضي القاطع لهيمنته على الذات، والانسياق وراءه انسياق الغنم خلف الراعي، لا يجب نفيه بالإطلاق، فنفي كل ما هو خارج عن الذات، يولّد الحماقة في النفس، ويمنعها القدرة على الفاعليّة، والتقدّم، والازدهار؛ لأنّ الأطر الخارجيّة هي الدافع الذي يجعلنا نتطوّر. عند رؤية الآخرين والأمور كيف تتجلّى في الواقع، نستطيع أن نستخلص رؤية شخصيّة، تمثل عصارة لفهمنا الشامل،تمكننا من بناء ذات متميزة وفريدة تستطيع أن تخلق الجديد.

لا أخفي عليكم أنّي أختلف مع الفيلسوف الألماني جورج زيمل الذي يقول إنّ للمكانة الاجتماعيّة دورًا كبيرًا في تغيير رؤية الذات، إذ أرى أنّ المكانة لا تمثل أيّ قيمة بالنسبة للذات. صحيح أن الاختلافات الطبقية تؤثر، لكن تأثيرها طفيف جدًّا فالذات يصنعها ويهيكلها الإنسان بنفسه لا غيره، وبذكائه وإبداعه، يستطيع كسر قواعد الانتماءات الاجتماعية ومستويات الناس، ليصبح من السهل عليه التعامل مع الكل من دون أن يخسر موقفه. وحتى لو انتقل إلى مكانة أخرى، سواء حدث تغيّر مفاجئ في منزلته الاجتماعية، أو تغيّر مقصود، لن يكون هذا سببًا في تغيير الذات، بل بالعكس أرى أنّ ذاته ستتداعم أكثر؛ لأنّها أصبحت ثريّة من خلال مرورها بجميع الظروف المختلفة. هكذا تتشكل عنده في داخله صورة مجتمعيّة شاملة، إن لم أقل متكاملة، يستطيع حينئذ التقييم ودرس المشاكل الاجتماعية والاقتصادية… إلخ.

عندما ترى الإنسان يقيّم الناس على أسس ظاهريّة خالية من معايير عقلية ومنطقية، فاعلم أنّه سطحيّ جدًّا، أو تغلب عليه العاطفة الجيّاشة التي تجعله لا يرى الصورة بشكل كامل.

يجب أن نقول إنّ الذات تعرف نفسها، بمدى اكتشافها لمن حولها، وكلّ ذات تتميّز عن الأخرى في نظرتها الحياة، رغم القواسم المشتركة. إلا أنّه إذا أردنا أن نفهمها فهمًا شاملاً، وجب العودة إليها عودة عقليّة خالية من العاطفة، وبكل حيادية عن المواقف المسبقة.

إنّها فلسفتك الشخصيّة تبنيها كيفما تشاء، وتشكل واقعك بنظرتك أنت لا غيرك، وإن كان للصدفة دور مهم في تشابه الرؤى.

فكيف ترى ذاتك بعد هذا القول، أين تضعها؟ أين تريد أن تكون؟ وأين تصنّف نفسك في مجتمعك وعلاقتك بالأشياء؟

والأهم من هذا، كيف تعرّف ذاتك تعريفًا ذاتيًّا نابعًا منك بدون تدخل من أحد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد