قامت الدولة السلجوقية في عام 429 هـجريًا الموافق 1037 ميلاديًا بعد هزيمة الغزنويين والاستيلاء على إقليم خراسان بقيادة طغرل بك حفيد سلجوق بن دقاق، وأصبحت مرو حاضرة الإقليم.

تعتبر الدولة السلجوقية إحدى الدول الكبرى في تاريخ الإسلام وإقليم وسط آسيا، إذ قامت بدور كبير ومحوري وبارز في تاريخ الدولة العباسية وإنقاذها من المد الشيعي في ذلك الوقت والقضاء على البويهيين كما تصدت لكثير من الحروب الصليبية أثناء الصراع الإسلامي البيزنطي.

والسلاجقة سلالة تركية تنحدر من قبيلة قنق التي تنتمي، مع  22 قبيلة أخرى، إلى مجموعة أتراك الأوغوز أو الغز، وأصبحت إيران وأفغانستان ووسط آسيا والعراق والشام والأناضول وحتى مشارف القسطنطينية تحت سيطرة الدولة السلجوقية عندما بلغت أوج ازدهارها وازداد نفوذها.

تأسست دولة السلاجقة في عام 429 هجريًا 1037 ميلاديًا كما ذكرنا آنفًا، عندما دخل طغرل بك، المؤسس، مدينة مرو في إقليم خراسان في وسط آسيا، وظلت السلطنة حتى عام 552 هجريًا 1157 ميلاديًا عندما قتل السلطان أحمد سنجر، وضعفت الدولة بمقتله وتفككت إلى ولايات منفصلة. قبل تلك الفترة قام الغزنويون بقيادة محمود الغزنوي بمعارك عدة ضد السلاجقة الذين ازداد نفوذهم وأصبح يشكل خطرًا على الغزنويين، مني السلاجقة بهزائم متلاحقة من الغزنويين، لكن حسم السلاجقة بقيادة طغرل بك الأمر في النهاية وقويت شوكتهم وزاد نفوذهم.

اعتنقت قبيلة قنق، التي ينحدر منها السلاجقة، الإسلام أثناء عهد زعيمها ومؤسس السلالة سلجوق بن دقاق سنة 960 ميلاديًا، ودخلوا بعدها في خدمة القراخانات، وهي أول دولة تركية مسلمة مقابلة لأتراك الشرق، وحازوا (السلاجقة) على نفوذ كبير في دولة القراخانات.

بعد هزيمة الغزنويين وانتزاع مدينتي مرو ونيسابور في إقليم خراسان وإقامة الخطبة له على منابرها وذكر اسمه مقرونًا بلقب السلطان الأعظم، واصل طغرل بك انتصاراته ضد الغزنويين في معركة داندقان، التي أنهت دولة الغزنويين وكانت بداية للظهور الحقيقي للسلاجقة.

بعد ذلك استولى السلاجقة بقيادة طغرل بك على بلاد الديلم وكرمان في عام (433 هجريًا 1041-1042 ميلاديًا) وفي سنة 438 هجريًا حاصروا مدينة أصبهان وفي السنة التالية عقد الصلح بين أبي كاليجار البويهي والسلطان طغرل بك السلجوقي وحدث بينهم مصاهره.

كان البويهيون الشيعة يسيطرون على العراق قبل قدوم السلاجقة وأسسوا إمارات وراثية في العراق وفارس وكرمان والأهواز وهمذان والري وأصفهان حيث حققت لهم استقرارًا سياسيًا في دولة الخلافة العباسية، لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلا نتيجة بعض الاضطرابات بسبب النزاعات المذهبية بين البويهيين أنفسهم وبالتالي أدى ذلك إلى إضعاف شوكتهم.

ظهر تنافس واضح بين جلال الدولة البويهي وبين ابن أخيه أبي كاليجار، وخطب لهذا الأخير في بغداد، ولذا أصبحت المدينة مسرحًا للشغب والمنازعات المذهبية.

قبل دخول السلاجقة العراق، كان أبو الحارث أرسلان البساسيري، أحد قادة بني بويه الأتراك المتشيعين الأقوياء، يسيطر على بغداد وما جاورها ويخطب له على المنابر في العراق والأهواز، وقد شكل خطرًا حقيقيًا على الخلافة العباسية والدولة البويهية أيضًا.

في ظل تلك الأجواء المضطربة، استنجد الخليفة العباسي القائم بأمر الله بطغرل بك وطلب منه المساعدة لمهاجمة البساسيري، وعلى الفور انتهز السلطان السلجوقي تلك الفرصة وسيّر جيوشه إلى بغداد، ودخلها في عام (447 هجريًا 1055 ميلاديًا) وقضى على البويهيين واعترف الخليفة به سلطانًا على جميع المناطق التي تحت يده وأمر بأن يٌذكر اسمه في الخطبة.

بعد ذلك قام البساسيري بعدة حملات عسكرية، بهدف إخراج السلاجقة من بغداد، ونجح في الاستيلاء على الموصل، بعد أن هزم السلاجقة قرب سنجار في عام (448 هجريًا 1056 ميلاديًا)، وأخذ يستعد لدخول عاصمة الخلافة وأعلن انضمامه إلى الفاطميين ليستمد منهم الدعم المعنوي والغطاء المذهبي ضد الخلافة العباسية السنية، وتزامنت هذه الأحداث مع وجود اضطرابات داخلية واجهت طغرل بك الذي سار في عام (449 هجريًا 1057 ميلاديًا) إلى الموصل لوضع حد للمشاكل التي أثارها البساسيري ضده هناك.

وبعدما بسط طغرل بك نفوذه على ديار بكر عاد إلى بغداد واستقبله الخليفة بالترحاب ولقبه بملك المشرق والمغرب.

في خضم تلك الانتصارات، واجه طغرل بك مشكلة جديدة عندما قام أخوه إبراهيم ينال بتمرد في بلاد الجبل، فاضطر للخروج من بغداد لقمع هذا التمرد، في تلك الأثناء انتهز البساسيري تلك الحدث، ودخل بغداد في 450 هجريًا 1058 ميلاديًا، وخطب فيها للخليفة الفاطمي لعام كامل، وخرج الخليفة العباسي إلى عانة، بلدة في محافظة الأنبار العراقية وأخذ يستغيث بطغرل بك.

لم تستطع الخلافة الفاطمية في مصر تقديم الإمدادات للبساسيري، أو لم تكن تهتم بالأمر، وتركته يواجه الموقف منفردًا أمام قوة طغرل بك الذي عاد إلى العراق بعدما قضى على تمرد أخيه وقتله جزاء خيانته وتمرده، ولذا خرج البساسيري من بغداد مضطرًا وقُتل في عام (451 هجريًا 1059 ميلاديًا).

بعد أن دخل طغرل بك عاصمة الخلافة العباسية –بغداد– وطلب من الخليفة العودة إليها واستقبله في النهروان، وبذلك استتب الأمر للسلاجقة في العراق وأصبحوا يمثلون ظاهرة جديدة في حياة دولة الخلافة العباسية.

بعد علاقات طيبة دامت حوالي 18 عامًا منذ إعلان قيام الدولة السلجوقية في خراسان، نشب خلاف بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية عندما حاول طغرل بك الاستئثار بجميع السلطات في العراق، بما فيها التي تتعلق بالخليفة، فضلًا عن أنه حمل موارد العراق المالية إلى الخزانة السلجوقية، وأناب عنه في حكم بغداد موظفًا سلجوقيًا، قبل العودة إلى عاصمته الري، وعين موظفًا آخر لحفظ الأمن يأتمر بأمره، ويتمتع بنفوذ كبير حتى على الخليفة.

لكن هذا الخلاف لا ينكر فضل السلاجقة على الخلافة العباسية وإنقاذها من البويهيين وحركات التشيع ولولا فضل الله أن سخّر طغرل بك وجيوشه لما بقيت الخلافة العباسية لمدة قرنين من الزمان.

وطبقا لكتاب دراسة سقوط 30 دولة إسلامية للدكتور عبد الحليم عويس، يقول: (امتاز السلاجقة الأتراك في معاملاتهم بالتدين، وكانوا مظهراً للإنسان الفطري الذي هذبه الإسلام.. وباستثناء صور قليلة تحتمها الطبيعة البشرية التي لا تخلو من بعض القصور، فإن هؤلاء السادة كانوا نموذجاً طيباً حتى في معاملتهم للخليفة العباسي الذي حفظوا له عرشه. وكان لهم – كذلك – فضل كبير في رفع راية الإسلام، وفي مد عمر الخلافة العباسية أكثر من قرنين من الزمان. كما أنهم بدأوا مرحلة جديدة من التوسع الإسلامي في اتجاه آسيا الصغرى).

ويضيف كان من مآثر السلاجقة تمسكهم الشديد بالإسلام، وميلهم القوي إلى أهل السُّنة والجماعة. ووصل المسلمون في عهدهم إلى درجة عظيمة من التقدم في كثير من علوم الحضارة، وازدهرت في عهدهم الفنون بجميع أنواعها.

لكنه أيضًا يذكر عيوب السلاجقة ويقول: (لقد لجأ السلاجقة –كما ذكرنا– إلى نظام الإقطاعات وأسندوا معظمها إلى شخصيات سلجوقية، وقد حسبوا أن هذا من شأنه أن يشغل السلاجقة عن التفكير في الحكم، وأن يرضيهم بالبعد عن السلطة، لكن الإقطاعيين السلاجقة سرعان ما حاول كل منهم أن يكون لنفسه من إقطاعاته إمارة صغيرة حاولت كل منها الانفصال عن السلطة وهو عكس ما كان يهدف إليه السلاجقة الحكام، وقد أدى هذا إلى تفكك وحدة السلاجقة وإلى إجهاد السلطة السياسية الحاكمة، وإلى توزع الدول بين عديد من الأمراء).

توفي طغرل بك في الثامن من رمضان سنة 455 هجريًا 1063 ميلاديًا عن عمر ناهز السبعين عامًا، بمدينة الري عاصمة مملكته.

كان طغرل بك –بجانب جهاده وغزواته الكثيرة– خيرًا مصليًا ومحافظًا على الصلاة في أول وقتها في جماعة، ويصوم الإثنين والخميس، وأول من أعاد هيبة الخلفاء واحترمهم، وكان يقبل يد الخليفة القائم، وقد أمر بلعن كل الطوائف المخالفة للسنة على المنابر، ومنها المعتزلة والأشعرية.

تولى ألب أرسلان السلطنة بعد وفاة عمه طغرل بك الذي لم يكن له عقب، وللحديث بقية إن كان في العمر بقية..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب دولة السلاجقة – على الصلابي
كتاب الدولة العثمانية – على الصلابي
دراسة سقوط 30 دولة إسلامية – عبد الحليم عويس
عرض التعليقات
تحميل المزيد