لطالما اختلفت مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في بعض الرؤى حول كثير من القضايا، كالمشروعات القومية التي يعمل عليها ويمنحها صدر أولوياته على حساب قضايا أهم في رأيي كتطوير التعليم والصحة، كما اختلفت معه – ولا أزال – مع مسألة التضييق على الحريات، لكنني أجد نفسي متفقًا معه تمامًا في عبارته الشهيرة التي وصف فيها مصر بأنها «شبه دولة».

في الحقيقة، هذه العبارة تتردد على مسامعي يومًا تلو الآخر، كلما شاهدت كيف تتحول الأشياء والقيم والمعاني في بلادنا إلى «مسخ»، نعم. كل شيء يتحول عندنا إلى مسخ، وبمناسبة أننا نعيش كرنفالًا ديمقراطيًا في الوقت الراهن متمثلًا في الانتخابات الرئاسية! فيجب التوقف هنا بالدراسة لتلك التجربة الفريدة من نوعها. تجربة لا تليق إلا بـ«شبه دولة». فنحن بلا فخر لدينا رئيس – لديه شعبيته التي لا يمكن إنكارها – مرشح لفترة ثانية، ظل أيامًا وأسابيع ينتظر تقدم مرشح لينافسه كأنه يبحث عن إبرة في كوم قش. طبيعي جدًا في ظل تواري شخصيات مرموقة مثل عمرو موسى أو مصطفى حجازي وابتعاد الدكتور محمد البرادعي للأسباب التي نعرفها، ألا يكون هناك مرشح بنفس القدر والقيمة لمنافسة الرئيس، لكن أن يصل المستوى لرئيس حزب «نفرين وطفاية» الفارس المغوار عميد السياسة العربية ورائد الحياة الحزبية الحديثة المهندس موسى مصطفى موسى، فهذه فضيحة بجلاجل، خصوصًا أن الرجل كان ولا يزال مؤيدًا للرئيس وأحد المشاركين في حملة دعايته!

وبمناسبة المرشح المغوار موسى مصطفى موسى، أتذكر صديقًا لي يعمل صحفيًا، وفي فترة من الفترات قبل عامين أو ثلاثة، عمل مع أحد قيادات حزب «الغد» – الذي يرأسه موسى – يكتب له البيانات وينشرها في المواقع الإخبارية والصحف نظير مبلغ مالي. تصريحات من هنا وهناك حول القضايا في الداخل والخارج، سب الإخوان والتطبيل والتهليل للجيش والشرطة على «الفاضية والمليانة»، حتى وصل الأمر إلى أن هذا الزميل كان يؤلف الأخبار والتصريحات دون الرجوع إلى ذاك القيادي، فالمسألة فعلًا لا تحتاج إلى مراجعة، هناك خطوط عريضة وواضحة، تطبيل وتطبيل وتطبيل أيضًا. هذا هو واقع الحياة الحزبية والسياسية في البلاد.

نعود إلى السباق الانتخابي المحموم! ما يثير دهشتي ليس المسرحية الهزلية ذاتها، وإنما تصديق المسرحية، فالرئيس يصدق أنه يخوض انتخابات حامية الوطيس رغم درايته الكاملة بحجم المنافس، والمرشح «الطفاية» يصدق نفسه أنه مرشح حقيقي وليس كومبارسًا، ونواب البرلمان يصدقون أنفسهم بأن البلاد تعيش عرسًا ديمقراطيًا لا مثيل له! والمشكلة الأكبر أنهم جميعًا تخطوا مرحلة تصديق الكذبة، ووصلوا لمرحلة البلادة والبرودة، فلا السخرية من الداخل أو الخارج تشكل فارقًا معهم، ولا القراءات الجادة للمشهد تجدي نفعًا. والسؤال: هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا أبدًا، كيف هذا ونحن الذين عرف عنا إبهار العالم دومًا.

منذ أيام قرأت تصريحًا للداعية الإسلامي خالد الجندي يقول فيه إن من لن يشارك في الانتخابات لا وزن له يوم القيامة والقرآن يكرهه! إي والله قال هذا الكلام. في نظري وبدون ضغائن أو حقد، أراها محاولة جيدة من الشيخ الجندي لترهيب المواطنين بـ«قال الله وقال الرسول» لحثهم على المشاركة وحفظ ماء وجه الدولة. محاولة يستحق عليها برنامجًا جديدًا في التليفزيون وبأجر أعلى.

فتوى خالد الجندي ليست هي اللقطة الوحيدة الفريدة من نوعها في العرس الديمقراطي، بل إن فتوى الشيخ أحمد عمر هاشم التي يقول فيها إن جماهيرية «السيسي دلالة على رضا الله» ربما هي الأنقح!

المسألة طبعًا لم تتوقف عند رجالات الفتاوى المقدسة بل تصدرها كذلك رموز الإعلام وهنا أتذكر الإعلامي عمرو أديب في إحدى حلقات برنامجه، أن ظل بعض الوقت يحث المواطنين على النزول والمشاركة في الانتخابات ليس لانتخاب الرئيس السيسي حتى، ولكن لمجرد المشاركة فقط ولا مانع لو قاموا بالتصويت العقابي! كوميديا سوداء والله.

للأسف نحن أمام مسرحية فصولها متعددة وأحد تلك الفصول عمليات التصويت التي جرت للمصريين في الخارج، تابعت المشهد كأي مواطن يبحث عن قتل ملل الحياة اليومية بروتينها، وبالفعل وفت الانتخابات بوعودها، ووقف الخلق بمقار السفارات يرقصون ويغنون في حالة سعادة مفرطة لا أعلم حقيقة من أين جاءوا بها خصوصًا وأن مؤشر السعادة أثبت أن مصر تحتل المركز 122 من أصل 156 دولة ويسبقها في الترتيب الصومال وفلسطين والعراق. ربما لأن هؤلاء الرقاصين يعيش أغلبهم في دول الخليج حيث الدينار والريال والدرهم! ربما.

في الختام، لا يسعني إلا أن أناشد الشيخ خالد الجندي والشيخ أحمد عمر هاشم البحث والتمحيص في القرآن والسنة عن أي دليل شرعي يدعم فكرة التصويت لموسى مصطفى موسى كنوع من الزكاة أو الصدقة. «علشان الصورة تطلع حلوة، والفيلم الهابط يجيب تكاليفه». ولو أنني أشك في المخرج؛ فهو مصري وليس روسيًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد