كل زمن له حروبه، وكل حرب لها أغراضها ونتائجها السيئة، ليس فقط على الدول الواقع عليها هذا النوع الدموي من الاستغلال ولكن على العالم أجمع. أنت الشاب تجد نفسك واقعا بين حرب بينك وبين نفسك، في عملك، والمتطلبات المادية، تجاه أهدافك، حربك ضد العقل، مع القلب. حرب بين عقائدك وبين ما تشاهده. دول قاربت على الاختفاء من خريطة هذا العالم، أطفال اعتادوا على ملامسة الدماء بدلا من ملامسة الدُمى، جثث، أشلاء، ضحايا بشكل يومي. أنت أمام عالم لا يطيق نفسه، لا يطيق الاختلاف، أنت شاب ضائع. ومن يتفوهون بأحاديث عن التفاؤل، هم مجانين إما أنهم لا يعيشون على أرض الواقع،  إما أنهم يُكذبون أنفسهم ويتوهمون الأمل والتفاؤل ويوهموننا بهما. يمكن لهذا التفاؤل المتصنع أن يكون الحل الوحيد إزاء كل هذا الدمار والتشوه: بيع الوهم!

انت كشاب، مكبل اليدين، تائه بين دينك ودنياك اللذين على وشك الضياع وخسارتهما معًا. كيڤين كارتر، كان مصورًا صحفيًا من جنوب إفريقيا، قد حاز على جائزة بوليتزر عن صورته التي صورت مجاعة السودان عام ١٩٩٣، وقد تم انتحاره وهو في العقد الثالث من عمره تاركًا خلفه رسالة كأنه شاهد على ما يحدث الآن: «أنا مكتئب، بلا هاتف، بلا مال للسكن، بلا مال لإعانة الطفولة، بلا مال للديون.. المال! أنا مُطارد بالذكريات الواضحة لحالات القتل والجثث والغضب والألم، وأطفال جائعين أو مجروحين، مُطارد من المجانين التواقين لإطلاق النار، من الجلادين القتلة».

هناك من يخلطون التعاسة باليأس، وهم بعيدون كل البعد عن المقارنة. اليأس هو القنوط والاستسلام ويمكن إلى حدٍ كبير أن يؤدي إلى الاكتئاب. أصبحنا جميعا مرضي ومشوهين نفسيًا بسبب الضغوط النفسية التي نتعرض لها بشكلٍ يومي، لا أتحدث هنا عن حياتنا الشخصية لكن عن العالم الذي نواجهه اليوم. ألحد البعض، فقد البعض الآخر الأمان والإيمان.

يمكن أن تكون مكتئبا وأنت في جمعٍ من الناس، تمارس عملك بشكلٍ طبيعي، ليس بالضرورة أن تكون في عُزلة. وهذا النوع من الاكتئاب الخفي، يمكن أن يؤدي بشكل كبير إلى الانتحار.

أصبح الانتحار هو السبب العاشر للوفاة؛ حيث انه المسؤول عن وفاة نحو ٨٠٠.٠٠٠ إلى مليون شخص سنويًا. الموضوع ككل ليس بهذه البساطة والتفاهة، يجب أن ننتبه جميعًا لهذا المرض النفسي الذي يفوق بمراحل المرض العضوي، هو ليس ضربًا من ضروب الجنون، ولكنه مرض معرضون له جميعًا! أيًا كانت ديانتك، حتي وإن كان ليس لديك أي ديانة يجب أن نعي أن الباطل له نهاية هذه سُنة الكون، من الصعب والمستحيل أنتصار الظلم.

وسائل التواصل الاجتماعي من أكبر مميزاتها أنها تمنحنا حقًا القدرة على البوح والتعبير عن النفس، في وسط هذا الهرج والمرج وحالة التيه التي نعيشها يجب أن «نفضفض» عما بداخلنا، كتمان المشاعر يؤدي إلى الإحباط ثم الاكتئاب ثم الحاجة للتخلص من الحياة بالانتحار. ليس فقط الموت الجسدي، ولكن يسبقه موت المشاعر، مشاعرنا تجاه موت الآخر.. الاعتياد على التعاسة، والدماء والبيوت المنهدمة والعنف! يجب حماية أنفسنا من هذا التشوه وتفريغ هذه الشحنة من الطاقة إلى شيء إيجابي وكل فرد وله أساليبه في التفريج عن نفسه.

و قد أقامت شابة أمريكية عام٢٠١٣، بعد انتحار والدها، مع عدد من الشباب مشروع «الفاصلة المنقوطة»، هي مبادرة هدفها مكافحة الاكتئاب والإدمان واستعادة الثقة بالنفس. واختير هذا الرمز ليتم رسمه على الأوردة خصيصًا، وهو دليل على اأن الحياة لا تقف على فصل واحدٍ من خلال النقطة ولكن يمكننا إكمال أجزائها بالفاصلة. وهذا النوع من المبادرات مفيد لحماية الشباب من التطرف والتيه والضياع والشعور بروح الجماعة والالتفاف حول هدف سامٍ وهو الحفاظ على حياتنا وما تبقى من مشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد