لم يكن مجال كتابة السيناريو في مصر بعيدًا عن «الشللية» التي تضرب الآن قطاعاتٍ وأنشطةً كثيرةً تتعلق بالإبداع، وتعتمد في الأصل على الموهبة لا العلاقات والتربيطات، مثل الكتابة الإبداعية، التقديم التليفزيوني، الإعداد بالفضائيات، حتى الفرص المحدودة الموجودة في مجال العمل الصحفي أصبحت تحكمها أيضًا «الشللية».

لكن أخطر ما في هذا الأمر، أنَّ تلك «الشللية» في مجال كتابة السيناريو، طالت عددًا من كبار «أسطوات» هذا النوع الإبداعي المهم، والذي يعد العمود الفقري لأي عملٍ، تليفزيونيًّا كان أم سينمائيًّا، فاختفى هؤلاء من الساحة، لدرجة أنني سألت زميلًا صحافيًا متخصصًا في «الفن» عن كاتب سيناريو كبير: «هل مات أم ما زال على قيد الحياة؟».

الحديث السابق تؤكده واقعتان حدثتا فعليًّا، وتتعلقان باثنين من كبار «كُتاب السيناريو» في مصر؛ هما: الكاتب والسيناريست المصري يُسري الجندي، والمؤلف المعروف أيضًا، وصاحب الأيقونات التليفزيونية الشهيرة محمد جلال عبد القوي.

في شهر يوليو الماضي، ظهر السيناريست يُسري الجندي في برنامجٍ تليفزيوني على إحدى الفضائيات المصرية، كاشفًا عن أنَّ لديه أربعة سيناريوهات لمسلسلاتٍ، ولكن كل هذه المشروعات «مُجمَّدة»؛ بسبب عدوم وجود جهةٍ أو شركة إنتاج تتولى تنفيذ هذه الأعمال.

وقال «الجندي» إنَّ هذه الأعمال هى: «شجر الدر»، وهو عمل ينتمي لمسلسلات السير الذاتية، و«أمس جذور المدينة»، و«الوجه الضائع»، و«الهانم».

أما الواقعة الثانية التى تتعلق بالكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي، فقد حدثت في العام الماضي، وتحديدًا في شهر ديسمبر (كانون الأول) عندما أعلنت «سينرجي»، إحدى الشركات التي أصبحت تسيطر على سوق الإنتاج التليفزيوني والسينمائي في مصر، أنها تعاقدت مع «عبد القوي» لتنفيذ سيناريو لمسلسل أُطلق عليه اسم «زين الحسنى»، لتُعيد هذا السيناريست الشهير بعد 11 عامًا من الغياب عن الساحة التليفزيونية.

وعلى الرغم من أنَّ الشركة أكدت في بيان لها، أنَّها «تهدف إلى عودة كبار صناع الدراما التليفزيوينة الكبار والقدامى، والذين ابتعدوا عن الساحة الفنية، بسبب التخبط الذى شهده الوسط الفنى»، فإنَّ مشروع مسلسل «زين الحسنى» للسيناريست المصري الشهير محمد جلال عبد القوي يبدو أنه خضع لـ«التجميد»، أو أنَّ هناك ما يعوق تنفيذه.

هذان الواقعتان كاشفتانِ عن مدى «تهميش» كُتاب سيناريو كبار، في وقت تُنتج فيه الشركات المصرية أعمالًا مستواها متدنٍ جدًا؛ بل قُوبلت بهجومٍ وسخريةٍ شديدتين من المشاهدين المصريين، كان من هذه الأعمال: «فرصة ثانية»، و«رجالة البيت»، و«شاهد عيان»، «جمع سالم»، وهي مسلسلات عُرضت في موسم رمضان الماضي، ولم تحقق نجاحًا.

أنت هنا تتحدث عن كاتبين عملاقين؛ فيسري الجندي، واحد من أهم كُتاب المسرح في مصر، تميز بتقديم أعمالٍ مستوحاةٍ من التراث الشعبي، بمجمل أعمالٍ تجاوز 19 عملًا مسرحيًّا، حصدت عددًا من الجوائز المهمة، كان منها: «الهلالية»، «رابعة العدوية»، «عنترة»، «عاشق المداحين»… وغيرها.

وفى مجال السيناريو التليفزيوني، يُعد الكاتب يسري الجندي رائدًا في تقديم الأعمال الدرامية التاريخية، كان أشهرها مسلسلات: «السيرة الهلالية»، «جمهورية زفتى»، «الطارق»، «جحا المصري»، «على الزيبق»، وغيرها من الروائع التليفزيونية الخالدة في وجدان المصريين.

أما الكاتب محمد جلال عبد القوي، فهو أحد عمالقة «السيناريو»، وصاحب الأيقونات التليفزيونية الشهيرة: «المال والبنون»، «حضرة المتهم أبي»، «سوق العصر»، «الليل وآخره»، «هالة والدراويش»، وغيرها.

هناك كاتب ثالث أيضًا تقريبًا اختفى من الساحة التليفزيونية، وهو السيناريست والكاتب المسرحي الكبير كرم النجار، صاحب الأعمال المهمة، مثل: «الأصدقاء»، «الرقص على سلالم متحركة»، «يا غولة عينك حمرا»، «محمد رسول الله»، «سور مجرى العيون»، «بابا نور»، «أولاد الغضب والحب»، و«الصرخة».

الحقيقة أنّ «النجار» صاحب حوارٍ متميزٍ في أعماله التليفزيونية؛ تشعر أنّك أمام كاتبٍ «رصينٍ متزنٍ»؛ الرجل الذي كتب مسلسل «الأصدقاء» مُسلطًا الضوء على قيمة عظيمة في الحياة هي «الصداقة» التي تُزيل الفوارق بين ثلاث شخصياتٍ في المجتمع المصري؛ أحدهم مستشار، والثاني «عالِم»، والثالث مواطن بسيط لكنه شخصية ثرية بخبراتٍ حياتيةٍ تجعله يتحرك أحيانًا لإنقاذ صديقيه من أزماتٍ تعصف بهما.

عندما كنا صغارًا فإنَّ خريطة المسلسلات التليفزيونية التي كنا نشاهدها كانت لا تخرج عن خمسة كُتاب سيناريو؛ منهم الراحلان أسامة أنور عكاشة، سيد الدراما العربية (27 يوليو (تموز) 1941م، 28 مايو (أيار) 2010م)، ومحمد صفاء عامر (22 يناير (كانون الأول) 1941م – 13 أغسطس (آب) 2013م)، ثم محمد جلال عبد القوي، يسري الجندي، وإلى حدٍ ما الكاتب كرم النجار، لا سيما مسلسلا «الرقص على سلالم متحركة» و«الأصدقاء».

يُمكن اعتبار هؤلاء الكُتاب السبب إلى حدٍ ما في أن يهتم الجمهور المصري والعربي باسم مؤلف العمل، مسلسلًا كان أم فيلمًا، إلى جانب السيناريست العملاق أيضًا محمود أبو زيد (7 مايو 1941م – 11 ديسمبر 2016م)، صاحب الثلاثية السينمائية الشهيرة: «جري الوحوش»، «العار»، «الكيف»، وهى مجموعة الأعمال التي كانت سببًا في ارتفاع أجور كُتاب السيناريو في وقتٍ ما.

ولهذه الأسباب، فإنّه لا يصح إطلاقًا «تجميد» أعمال «أسطوات» السيناريو الذي مازالوا على قيد الحياة؛ على الأقل احترامًا لتاريخهم الكبير، وعطائهم الفني، والسعادة التي أدخلوها على المشاهدين بأعمالهم الفنية التي أصبحت روائع وكنوزًا و«أيقونات» فى الوسط الفني المصري.

والحقيقة أننا لا نعرف وجهة نظر المسئولين عن إنتاج الأعمال الفنية في إبداعات هؤلاء مثلًا؛ هل أصبح هؤلاء «دقة قديمة» مثلًا؟ هل أعمالهم تحتاج إلى ميزانياتٍ ضخمةٍ لتنفيذها وخروجها إلى النور والجمهور الذي عرف هؤلاء الكُتاب وارتبط بأعمالهم؟

ظني أنَّ أغلب هذه الأسئلة ستكون الإجابة عنها بـ«النفيا» إذا كان هناك صدق في التعامل مع هؤلاء الكُتاب، فسنويًّا تُنفذ شركات الإنتاج مسلسلاتٍ وأفلامًا ميزانياتها ضخمة جدًا، وأبرز مثال على ذلك مسلسل «النهاية» الذي عُرض في شهر رمضان الماضى، فضلًا عن الاستعداد لإنتاج مسلسل «الملك» من بطولة الفنان المصري عمرو يوسف، والذي يتناول قصة تحرير مصر من «الرعاة الهكسوس»، وهو مأخوذٌ عن إحدى روايات الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، والتي تحمل عنوان «كفاح طيبة».

على جانب آخر، فإنّ الاستمرار في تجاهل هذه القامات الإبداعية في مجال كتابة السيناريو بمصر يفتح الباب أمام كثيرٍ من التفسيرات والتساؤلات مثل: هل رفض هؤلاء المبدعون الدخول إلى الحظيرة ليصبحوا «مطيعين طيعين» مثل كثيرٍ من الكُتاب حاليًا الذى يقدمون أعمالًا «تفصيل» على مقاس النجوم؟ هل مصر لا يوجد بها إلا هؤلاء الكتاب الذين يقدمون أعمالًا لا همّ لها سوى «تلميع» جهاتٍ معينةٍ وبالتالي فإن تنفيذها يكون سهلًا يسيرًا لإرضاء «الناس اللى فوق»؟

الحقيقة أنّ هذا الملف يحتاج إلى تسليط الضوء عليه؛ فليس من المعقول أن نترك أعمال هؤلاء المبدعين الحقيقين، «أسطوات» كتابة السيناريو بمصر، «حبيسة الأدراج»، بينما يجرى تنفيذ أعمالٍ متواضعة المستوى تُقابل بهجومٍ من المشاهدين، بينما الإبداع الحقيقي يصبح مشروعاتٍ مُجمّدةً تنتظر «الفرج».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد