في عام 2006م وفي أدنى جنوب مملكة تايلاند كنت مع بضعة أصدقاء من العرب نعيش في غربة مركبة، غربة المكان والبيئة والبعد الجغرافي، وكذلك غربة اللغة والثقافة والعادات مع قلة الأنيس والصديق.

مر صديقي ـ الذي لم أستأذنه في نشر اسمه ـ بأزمة كبيرة كادت تعصف به وبنا جميعا، حين رزقه الله بابنته الأولى وهي آية في الجمال والبراءة كغيرها من الأطفال حديثي الولادة.

ساعات وأيام وتبدأ معاناة الملاك الصغير بعد أن قرر الأطباء استمرار حجزها بسبب استمرار التقيؤ ورفض اللبن تماما، مع البكاء والنحيب والصراخ الشديد، كنا لا نزال حديثي العهد بتلك البلاد ولغتها العجيبة التي تُشكِل على من تعلمها حديثا، ولم يتقنها بعد، فهي لغة يتغير المعنى تماما باختلاف نبرات الحرف الواحد، حتى أن درجة تفخيم حرف أو ترقيقه تغير المعنى تماما.

زادت المعاناة بالطبع حتى أكرمنا الله بصديق يعرف العربية تعرفنا عليه في الغربة، جاء من قرية أخرى صابرا محتسبا. ظل صديقنا يتحدث طويلا طويلا مع الطبيب ومساعديه في حوار يبدو عليه العمق والتأثر والجدية، ويبدو بوضوح حرص صديقنا على المزيد من الاستفسار والتبين قبل أن يترجم لنا.

كانت أعيننا تدور ذات اليمين والشمال، نتطلع لكل همسة وسكنة وحركة في العين والوجه واليدين، حتى الصمت بين الكلمات كان له وقع وأثر كبير علينا، وكان صراخ المولودة يفُت في عضدنا ويزيدنا كمدا وألما، ولم تكن النصائح المتضاربة التي تأتينا من القريب والبعيد ومن المحبين والمقربين تخفف أو تهون، بل كانت تزيد نفوسنا اشتعالا وحيرة وترددا.

المهم سكت الجميع وحانت لحظة الحقيقة والترجمة، بدأت الترجمة في كلمات ثابتة هادئة: أخبرنا صديقنا أنه يبدو أن سبب كل ذلك ورم في المعدة! كانت بالفعل أزمة عصيبة إذ فُتح علينا من حيث لا ندري باب البحث في الأورام والسرطانات، وما أنواع تلك الأورام وتصنيفاتها وخطورتها على هذه المسكينة .

طار عقل الأب والأم، لكنهما كانا بفضل الله صابرين محتسبين برغم تلك الكارثة، ولا يمكن هنا سرد تلك اللحظات والأيام قبل أن نقرر سرعة السفر والعودة إلى البلاد واختيار طبيب ومستشفى أفضل لنا.

وفقهم الله هذه المرة إلى طبيب مختص، وبعد الفحص حدد التشخيص أن الأمر بسيط، وليس كما يعتقدون فهو التهاب، وليس ورمًا، وحاول الطبيب أن يخفف من هول الصدمة ـ المفرحة بالطبع ـ  نعم هو التهاب، وليس ورماً، وهو أمر بسيط وربما عدة أشهر فقط بعلاج بسيط ورعاية ستكون الأمور على ما يرام.

بدأت سحب الإحباط والخوف والقلق تتبدد شيئا فشيئا حتى عاد العقل يعمل في هدوء وروية، وبقليل من التدقيق والمراجعة تبين أن الخطأ الذي بدا بسيطا من صديقنا الخبير المتمكن ـ كما كنا نظنه ـ لم يكن خبيرا ولا متمكنا في اللغة، ولم يكن أهلا للترجمة أصلا فقد ترجم كلمة “التهاب” إلى كلمة “ورم”!

لقد كان موقفا مأساويا وتلك السطور لا توفيه حقه، فقد عشنا أياما ولحظات في كدر وضيق وقلق وحزن وخوف، ولم ننتبه لحظة أنّ هناك خللا أساسيا في أصل التشخيص، أو بالأدق في وصف وفهم ترجمة هذا التشخيص، مما أتبعه حالة وأفكار وحركة وتصرفات كادت أن تعصف بنا جميعا لولا أن الله سلم.

إن النتائج تعتمد حتما على مقدمات، ومخرجات أي شيء تعتمد وتتأثر بالمدخلات، وإن التقصي والتعب والتروي والتفكير السليم في التشخيص، وفهم هذا التشخيص بدقة أمر بالغ الأهمية ، بل تعلو أهميته في هذه اللحظات على سرعة التصرف والإقدام والثبات والصبر والاحتساب.

ليس الخطأ في التشخيص أو في فهم التشخيص هي أكبر مشكلات التعامل مع الأزمات، بل هناك أيضا استسهال الاستنتاجات الخاطئة مع عدم تطابق تلك الاستنتاجات أحيانا مع المقدمات، فكثيرا ما نجمع المقدمات ونتسرع في القفز على نتائج دون تدقيق منطقي دقيق، وهو ما يذكرني بالطرفة التي كنا نضحك عليها صغارا وأصبحت تؤلمنا كبارا عن رجل باحث يريد أن يجري تجربة علمية وتجريبية على ضفدعة وهيأ لنفسه بيئة البحث العلمي.

بدأت التجربة ورحلة الاستنتاج العلمي بقطع رجلها الأولى، ثم صرخ فيها لتققز فقفزت، وفعل ذلك في الثانية فقفزت، وفي الثالثة فقفزت، كان باحثنا في كل مرة يدوّن ويسجّل كل ما يشاهده بدقة مع تثبيت كافة العوامل الأخرى حوله، حتى إذا قطع الرابعة كانت المفاجأة، فلم تقفز الضفدعة، وهنا ظهرت النتيجة ساطعة كالشمس لباحثنا المتميز:

“إذن الضفدعة فقدت حاسة السمع!”

إن للحياة سُننا وكلما تقدمت الإنسانية في العمر اكتشفت مزيدا من السنن كانت مجهولة في الماضي، ولا زالت هناك سننٌ أخرى مجهولة سيتم اكتشافها قريبا وفي المستقبل، لقد أصبح للطب الكثير من القوانين والسنن، وأصبحت للنفس البشرية الكثير من القوانين والسنن، وكذلك للجماهير وتحريكها وقيادتها وأيضا للمجتمعات.

كما أصبح لقيام الدول وسقوطها سنن، وللحركات والتنظيمات سنن وغير ذلك، مما لا يعد ولا يحصى، وأولى لكل من يقع في أزمة ألا يستسهل ويتسرع في تشخيص حالته، أو في القفز على استنتاج وتثبيته كحقيقة دامغة ساطعة بغير بحث دقيق.

فكم من حقائق قامت عليها دول ومنظمات وسُعّرت في سبيلها حروب، ولم تكن تلك الحقائق دقيقة أو صحيحة، بل أحيانا ليس لها أساس من الصحة، لكنها كانت في عيون أصحابها وحيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إن صراعات الحاضر تتطلب التحري وإتقان التشخيص وفهمه وفق السنن والقوانين للمختصين لا المدعين، فكيف يكون هناك فهمٌ وتشخيصٌ بلا علم، وبحث وتشخيص يتحرى أعلى درجات الدقة الممكنة.

إن من أوجب الواجبات رفع الغشاوات والغمامات والتفريق بين الحقائق والنظريات والافتراضات والظنيات والتوقعات والتمنيات، وكذلك التفريق والتمييز بين ما هو ثابت حقاً بالدليل والبرهان وبين ما يتغير بتغير الزمان والمكان، وما يتغير فهمه من شخص لآخر أو من زمن لزمن أو من سياق يختلف عن سياق آخر، أو ما يكون فهمه خاضع للمحاولة والتجريب والتصحيح أو التغيير، وهو في رأيي واجب كل فرد كما هو واجب كل مجموعة ومجتمع ودولة.

ياسر فتحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد