كنت قد ذكرت في المقال السابق أني بصدد شرح كيفية استقبال الحواس للمؤثرات الخارجية وكيف تفهمها، ولكن حتى لا تكون المقالة طبية علمية بأكملها وجدت أن أتكلم بشكل أكثر تركيزًا عن أدوات الإنسان الإدراكية ومنها الحواس وكيف تكلم عنها بعض الأقدمين.

 

وأحب أن أنوه إلى أني أحاول أن أتجنب الكثير من سرد الأسماء والإحالات على مصادر مطولة مفصلة، فالمقالة تحرص في الأساس على مخاطبة من لم يألف هذا الموضوع، والمقالة السابقة احتوت على كثير من الإجمال في مظان التفصيل، وذلك لأنها كانت بمثابة المقدمة أو النظرة العامة لطبيعة المقالات القادمة، ولعلنا نفرد مقالًا لكل نقطة فيها بالتفصيل.

 

اعتبر القرآن أن الحواس مع العقل هي مناط التكليف والسؤال عن العلم! وليس فقط عن العمل، قال الله تعالى: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” الإسراء 36، فكانت الحواس والفؤاد (والذي يأتي في القرآن بمعنى القوة العاقلة المدركة) مسئولة عن العلم وعما ينبغي الحديث فيه وتبيانه وعما لا يسع الحواس والعقل الكلام فيه.

 

أي أن الله تعالى جعل علينا حجة في أدوات التفكير والبحث العلمي، من حواس وقوة مدركة عاقلة، هذه الملكات هي حجة على الإنسان فيما سيُسأل عن معرفته وتعلمه مثل التوحيد وغيره من الواجبات، وهو كذلك حجة أخرى عليه فيما يجب عليه التوقف فيه مما ليس له به علم.

وهذه نقطة مهمة لعلنا نتطرق إليها لاحقًا فيما يتعلق بإمكانات العقل ودوره في المعرفة الإنسانية. وأما الآيات التي تحض على التفكر والتعقل فهي معروفة، إنما يعنينا هنا الاستدلال بعلاقة الحواس مع العقل.

 

وقد قسم بعض المناطقة المسلمين المدركات العقلية أو الذهنية – وهي أسس أدوات التفكير والإدراك – إلى:

 

1. حواس ظاهرة، تنقل إلى الذهن – العقل\المخ – ما تستقبله أو تستطيع الإحساس به من صور العالم الخارجي عنا، (وقد تناولنا ذلك سريعًا في المقال السابق وسنعود له لاحقًا).

 

2. ما أسموْه المشاعر الوجدانية الداخلية وهذه المشاعر تنقل إلى أذهاننا ما نحس به داخلنا من وجدانيات، أو بتفصيل آخر، تصبغ ما نشعر به حولنا بصبغة اللذة والألم، أو الحقد والحسد والخوف والطمع ..الخ ولنا في هذا المبحث توقف طويل لاحق أيضًا عن كيف يفهم علماء الأعصاب هذه المشاعر.

 

3. ما يتحصل لدينا من معرفة سابقة لم نتوصل إليها بأذهاننا وإنما تلقيناها معرفة جاهزة ممن قبلنا. ولهذا مبحث أيضًا.

 

ويعتبر العلماء أن هذه العناصر الثلاثة هي المواد الخام للأعمال الفكرية الذهنية الاستنتاجية. أضاف بعضهم عناصر أخرى هي محل نزاع مثل الحدس وغيره.

 

وقد فرق العلماء المسلمون بين الحاسة أو الجارحة وإدراكها، يقوال النويري في كتابه “نهاية الأرب في فنون الأدب”: “وللإنسان عقل وخمس حواس، ولكل حاسة إدراك، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ” وذكر ما تدركه وتستلذ به كل حاسة، وعلى الناحية الأخرى، فإن مدرك كل حاسة قد ينفر مما يستلذه مدرك الحاسة الأخرى، فما أبشع طعم العطر! وهذا يعود بنا إلى كيفية تلقي المدرك الحسي أو العقل أو حاكم العقل لطبيعة المحسوس.

 

وقد كان سؤال كيفية فهم المحسوسات من بصر وسمع ولمس وشم وتذوق سؤالًا صعبًا جدًا على علماء المخ والأعصاب، وحتى هذه اللحظة لازالت كثير من جوانب هذا المبحث مظلمة لم نؤت من العلم فيها إلا قليلًا.

 

ومع ذلك فإن المكتشف منها غاية في الإثارة. ولله در ابن سمعون الواعظ الذي يقول: “سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم، وأسمع بالعظم”.

 

الخريطة العامة لعملية الإدراك تبدأ من العصب الذي يستقبل الحس سواء كان ذلك أعصاب خاصة باستقبال المستثيرات الضوئية كالخلايا العصبية المبطنة للعين المعروفة بالشبكية Retina ، أو العصب السمعي vestibulocochlear nerve (وهو ينقل أيضًا إشارات تتعلق بوضع الجسم وتوازنه)، أو عصب الشم olfactory nerve … إلخ إلى نواة العصب في جزع المخ أو في المخ نفسه في حالتي الشم والبصر، ومنها إلى عدة مناطق تقوم بإجمالها بوظيفة الوعي المستوعب للمحسوس، ومنها:

1. الجهاز الحوفي Limbic system وهو مناط المشاعر والانفعالات والذكريات. وهو في قلب المخ، ولمدة اعتقدت أن وجوده في هذا المكان مع وظيفته تلك له دلالة مع كلمة القلب.

 

عقل

2. جزء في الفص الجبهي prefrontal area/cortex وهذا الجزء مسئول عن الذاكرة الواعية، واتخاذ القرارت، ومن الجدير بالذكر أن هذا المكان في مقدمة الرأس، أي الناصية كما نعرف من اللغة، وسبحان من أوحى لنبيه أن يستعيذ من كل دابةٍ هو آخذ بناصيتها، وسبحه ونزهه بقوله “ناصيتي بيدك”. (المنطقة رقم 9 وحتى 10 في الصورة).

عقل 1

3. جزء في الفص الصدغي Temporal lobe وهو موقع فهم المرئي أو المسموع، وإصابته هي ما ينتج عنها ما تكلمنا عنه سريعًا في المقال السابق تحت اسم الـ agnosia أو العمه، وعمه الوجوه. وهو من أوجه عدة أحد أهم عناصر الحاكم العقلي الذي تكلمنا عنه سابقًا. (المنطقة 37 في الصورة).

 

4. جزء الفص الجداري Parietal lobe ويُعنى بإدراك المساحات والأبعاد.

 

5. جزء في مركز اللغة في الفص الجبهي لتحديد الاسم أو الأسماء المرتبطة بما استُقبل. (44-45)

وغير ذلك مما يطول ذكره، ولكننا بهذه النظرة السريعة نستطيع أن ننظر كيف يتعامل المخ والعقل (أي العضو العصبي والقوة المدركة) مع ما يستقبله من الحواس، فهو يحدد اسمه، ويفهم طبيعة وظيفته وأبعاده ومشاعره أو ذكرياته عن هذا المنظور أو المسموع … إلخ.

 

وكل وظيفة من هاتيك الوظائف يمكن أن تصاب بعطب! فيخرُج لنا نوع مختلف من الأعراض والأمراض الإدراكية.

 

فإذا أصيب جزء معين من جهاز اللغة (وهو جهاز شديد التعقيد) يفقد الإنسان القدرة على تسمية ما يراه مع قدرته الكاملة على استخدامه!

 

وهو ما يعرف بحبسة التسمية Anomia وهي جزء من علم كبير يتعلق بأعطاب اللغة وفقدانها بعد صحتها أو ما يعرف بالعِيّ Aphasia ولها أنواع كثيرة نتكلم عنها مفردة إن شاء الله.

 

وإذا أصيب الجزء الخاص بوظيفة المرئي يفقد الإنسان القدرة على استعمال الآلة التي يعرفها ويستعملها كل يوم، مع معرفته لاسمها ووظيفتها، لكنه ببساطة لم يعد يعرف كيف كان يستخدمها!

تناولنا هذه المرة نظرة عامة أوسع على طبيعة المجال الذي نحاول القراءة من خلاله وربطه بمظانه في علم المنطق وعلم النفس والفلسفة خاصة فيما يتعلق منها بالدين ومباحثه. وسيكون كل مبحث مررنا عليه في هذا المقال قضية نتناولها سويًا بالفحص والفهم بين ما قرره علماء الفلسفة والمنطق وعلماء النفس وبين ما يكتشفه علماء الأعصاب.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طب, عقل, قرآن

المصادر

1. ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة – الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (وقد اعتمدت عليه في الجوانب المنطقية من هذا المقال بشكل شبه كامل لما فيه من استعياب الأوجه المختلفة).
2. كتاب الحكمة العربية – دليل التراث العربي إلى العالمية – الدكتور محمد الشيخ
3. Principles of Behavioral and Cognitive neurology 2nd Edition – M.M. Mesulam – Oxford 2000
4. The Cognitive Neurosciences 4th edition – Gazzaniga et. Al, MIT 2009
عرض التعليقات
تحميل المزيد