عندما تغيب العدالة وتختفي أضواء شمس الحرية، عندما تموت الديمقراطية ويعلو صوت الديكتاتورية، عندما تنصب المحاكم العسكرية ضد المدنيين وتقضي بإعدامهم، وهم لم ينتهكوا أي قانون، ولم يرتكبوا أي جرائم، إنهم السياسيون عبر العصور يعبرون عن مجتمعاتهم التي حبست أصواتها خوفًا وقهرًا وإذلالاً ، يرفعون أصواتهم ويصدعون بها، يحملون العبء وحدهم، ومن أجل نضالهم وشجاعتهم في مواجهة الباطل، يلقون حتفهم، إما في غيابات السجون والمعتقلات، أو الموت البطيء بالإهمال الطبي والتعذيب الممنهج أو الحكم بالإعدام.

إنه لمن المخجل أن تتلاعب الكثير من الدول بشكل أساسي بأرواح الناس وفق أحكام جائرة، إنهم يقومون بإعدام أبرياء بتهمة الإرهاب، حيث يجبرون معارضيهم تحت وطأة التعذيب على اعترافات كاذبة، فهم يرون ذلك دعمًا لبقائهم، إنه جنون السلطة وجبروت الحاكم، هكذا وبكل بساطة، وبدون وجود أدلة حقيقية أو منطقية ينطق القاضي الذي مات ضميره، وينفذ خارطة سياسية ويقضي بالإعدام في قضايا يعلم الجميع ببطلانها، والمدانون فيها لم يرتكبوا أي جرم مما نسب إليهم، إن جريمتهم الوحيدة هي آراؤهم ومعتقداتهم التي لا يهواها الحاكم، الحاكم الذي ولي أمر البلاد بالقوة والبطش والتنكيل والذي استمد شرعيته من البندقية ومن كذب وتضليل الإعلام الموجه.

فعندما غابت الحرية وغاب العدل أصبح الحكام في البلاد التي انتشر فيها الظلم، لا يأمنون وسط حراساتهم المشددة وقصورهم المنيعة، لم ينظروا للفاروق عمر حينما ملأ الأرض عدلًا، فنام تحت شجرة، فقيل له: حكمت فعدلت فنمت ياعمر، إنه الصراع بين الحق والباطل عبر آلاف السنين، بل منذ بدأ الخليقة حينما قرر قابيل قتل أخيه هابيل، إن سوء نفسه سول له إصدار ذلك الحكم على أخيه البريء الذي لم يقترف أي إثم، هابيل قدم قربانًا طيبًا لله، فتقبله منه، ولم يتقبل من أخيه؛ لأنه كان مخالفًا، وكذلك كل باطل، كفرعون والنمرود وغيرهم، يقترفون ما يقترفون من جرائم بما تسول أنفسهم، هم ومن حولهم، من معاونين ومؤيدين فقد قال فرعون لهامان: ابن لى على الطين صرحًا لعلي أبلغ الأسباب، وقال الله في فرعون واستكبر هو وجنوده، ونرى أيضًا عندما ذهب إخوة يوسف بيوسف، كان أول حكم أصدروه: اقتلوا يوسف، ثم بعد انعقاد غرفة المشورة، قرروا أن يجعلوه في غيابات الجب، أي الحبس الانفرادي والنفي بحيث إن التقطه أحد المارة أخذه وأصبح ببلدة بعيدة، فلا يحظى بحب واهتمام أبيهم يعقوب عليه السلام، وكان قول يعقوب لهم، بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل، وبادعاء كاذب يسجن يوسف بمصر ظلمًا، ثم يخرج من محبسه مكرمًا، وقد ظهرت براءته مما قد نسب إليه وولي أمر خزائن البلاد، وقد عوضه الله جراء صبره على هذا البلاء، والشاهد أن كل تلك المحن التي تتعاقب وإن طال زمنها تتبعها انتصارات، فقد كتب الله النجاة لقوم موسى منذ أن كان رضيعًا، فصبرًا إنها حسابات السماء.

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7). سورة القصص.

فهي سنة الله في كونه ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، وكما رأينا أن كل فعل إجرامي أو عدائي كان يرتكب وأحكام تصدر كانت تسول نفس مرتكبيها لهم أنها خير وصلاح، وانظر لقول إخوة يوسف بعدما صدر حكمهم الأول: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين. سورة يوسف.

ليس تسويل النفس لمن يقضي بالأعدام، دون دليل فقط لخصومة سياسية، يعفي مرتكبيه من المساءلة والحساب، إنما هو قتل نفس بغير نفس، وإنه لفساد في الأرض، مرتكبه كأنما قتل الناس جميعًا، ونتساءل من المجرم الجاني أم المجني عليه الظالم أم المظلوم السجان أم السجين، السجين الذي أودعوه ظلمًا، دون أي دليل في غيابات المعتقلات والسجون السجين الذي كل جريمته انتماء سياسي أو أنه يحب أو يؤيد فصيلًا دينيًا، أو سياسي أو جماعه بعينها إنه قمع للحريات وإعدام لحقوق الإنسان، إن دول الاتحاد الأوروبي لا تطبق تلك العقوبة، كما أن الأمم المتحدة ذهبت للتصويت بمنع تطبيق الإعدام، إلا أن نسبة تقترب من 60 % من شعوب العالم يطبقون تلك العقوبة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والهند والصين، هذا ولا تزال هذه العقوبة موضع جدال في تلك الدولة بسبب ارتفاع معدل الجرائم العنيفة كالقتل والاغتصاب، ومن بين بلاد العالم التي أبطلت معظم الدول الأوروبية، ودول منطقة المحيط الهادي أستراليا ونيوزيلندا وتيمور الشرقية وكندا، العمل بهذه العقوبة. أما في أمريكا اللاتينية فقد ألغت معظم الدول هذه العقوبة تمامًا، بينما لا تزال دول مثل البرازيل تقر هذه العقوبة في حالات استثنائية مثل الخيانة العظمى أثناء الحرب، وبالرغم من أن نحو 104 دولة ألغت هذا الحكم، إلا أن العام السابق 2016 شهد إعدام حوالي 1032 شخص، كما يشهد التاريخ على هذا الحكم بأنه أداة قمع سياسي، فمن المرجح أن يُحكم عليك بالإعدام إذا وجدت السلطات فيك تهديدًا لها، فالسلطات في إيران والسودان والسعودية ومصر الآن تمتلك سجلًا حافلًا بإصدار أحكام الإعدام على ناشطي المعارضة.

عقوبة الإعدام تنتهك اثنين من حقوق الإنسان الأساسية، وهما الحق في الحياة والحق في العيش دون التعرض للتعذيب، وهذه الحقوق مكفولة ومكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الأمم المتحدة في 1948، ونرى القوانين الدولية تحظر صراحة استخدام عقوبة الإعدام، إلا في أوقات الحرب أو عند ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل العمد، لسنا ضد العقوبه إذا دعت الحاجة لذلك من أجل المحافظة على المجتمع وبقاء القيم الإنسانية والأخلاقية فهناك حالات تستوجب هذا العقاب الرادع كالقتل الذى توعد الله مرتكبه باللعنة والعذاب العظيم لما جاء في قول الله: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا. 93 سورة النساء. وهنا يجب أن يتكاتف المجتمع المحلي والدولي إذا ظهر فساد عام، وخاصة في أحكام الإعدام بالجملة، وأعني الأحكام المسيسة، والتي تفتقر إلى الأدلة الدامغ، فالخصومة غير عادلة، فإن السيطرة على كل أنواع السلطة، تنفيذية وتشريعية وقضائية، لتكون كلها ملك يدي الحاكم، فتصبح سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وهذا ما يصرح به المشهد الموجود في كثير من تلك البلاد المسيطر الحاكم فيها على كل مقومات السلطة، حيث يتبين لنا كيف تتم الهيمنة على من يجب عليهم تطبيق العدالة، فيأخذون مكان الجاني من على منصتهم القضائية فيقضون بالإعدام، أي القتل، دون دليل دامغ مجرد إدعاءات كاذبة غير منطقية أقرها خصمهم السياسي، وهو الحاكم ومن يعاونونه من أجهزه قمعية، إن حكم تلك المحاكم وقرارت هؤلاء القضاة المسيسة، إنما هي قتل عمد، وسوف يتمخض عنه نوع جديد من الإرهاب: إرهاب دافعه الأول الانتقام من الأجهزه القمعية داخل تلك الدول التي تنتهج تلك السياسات.

وكما قال موسى بن ميمون اليهودي الشرقي إنه من الأفضل أن يتم تبرئة ألفٍ من المذنبين على أن يحكم على إنسان بريء بالإعدام.

وقال إن تنفيذ حكم الإعدام على مجرم دون تأكد مطلق سوف يقود إلى ما هو أسوأ من ذلك وهو التقليل من تحمل عبء الإثبات حتى يصل بنا الحال إلى أن يتم إدانة شخص على هوى القاضي، إن مشكلة تلك العقوبة يكمن في أنه لا يمكن التراجع عنها بعد تنفيذها والخطأ وارد، فالإعدام هو العقوبة القصوى التي لا يمكن التراجع عنها عقب تنفيذها إذ لا يمكن أبدًا استبعاد احتمال إعدام شخص بريء.

إن الحكم بالأعدام وفق إدعاءات غير منطقية أو خصومة سياسية دون دليل دامغ أو قرائن تستوجبه هو حكم باطل غير عادل والقاضي فيه مدان، إن حياة الإنسان غالية، ولها قدسية يجب أن تحترم وتصان، وإن الدم كله حرام إلا ما أخذ بحق، وما جعلت الحدود والأحكام والقوانين إلا لتكون سياج يحمى المجتمع ويحافظ عليه، فباسم عدالة السماء وبمقتضى قانونها العادل نرفض الحكم بلا دليل وبدون ذنب على إنسان بريء بالإعدام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد