«فصلُ الدينِ عن العلمِ أفضلُ لكليهما». هذة العبارة حقيقية وصادقة بقدر ما هي خاطئة ومخادعة. تتوقف صحة العبارة أو خطؤها على أي جزءٍ من الدين وأي جزءٍ من العلم نقصد!

الدين – كما أفهم – يتفرع إلى عقيدة وطقوس وشرائع وأخلاق؛ العقيدةُ هي التصديق أو الإيمان كأن تؤمنَ بالله والملائكة والرسل والبعث بعد الموت والحساب، الطقوسُ هي العبادات البدنية التي يؤديها المتدينُ بمفرده أو في جماعة كالصلاة والصيام والحج ومطلوباتُ تمامِها كالوضوء والإحرام، الشرائعُ هي الأحكام التي تنظم علاقةَ الإنسانِ بمجتمعه ويكون على مخالفها عقابٌ – سواء حدد الشارعُ العقابَ أو تركه للحاكم – واجبٌ على الحاكم بالشريعة تنفيذه كالزكاة وأحكام الميراث والزواج والطلاق والحدود، والأخلاقُ هي الأوامر والنواهي التي تتمم الدين وليس على مخالفها عقاب دنيوي.

والعلم – كما أفهم – هو أفكار وأسلوب وتطبيقات؛ الأفكارُ تبدأ في أسفل سلمِ القوة كفرضياتٍ ثم تترقى بالأدلة والشواهد إلى نظرياتٍ ثم بالصمود أمام الاختبار وإعادة الاختبار – الذي هو الأسلوبُ العلمي – إلى حقائق، وتطبيقاتُ العلومِ مثلًا الطب كتطبيقٍ لعلوم الخليةِ (Histology) ووظائفِ الأنسجة (Physiology) والتشريحِ والكيمياءِ أو الهاتف الذكي كتطبيق لعلوم الفيزياءِ والرياضياتِ، كل شيء نستخدمه في يومنا مهما كانت بساطته هو تطبيقٌ لفكرةٍ علميةٍ ما أدركنا ذلك أو لم ندرك.

فإذا كان العلمُ يتعامل مع الظواهر المحسوسة الخاضعة للاختبار فقط فلن يكون له قولٌ في أمر العقيدة لا بالإثبات كما يحب أن يقول المؤمنون ولا بالنفي كما يحب أن يعتقد الملحدون، بالطبع يجب أن نستدل بأساليب المنطق والتدقيق التاريخي على صدق مصادر الدين لكن يظل حكمنا على صدق المصدر وليس على صحة ما ينقله، فمثلًا نستطيعُ أن نستدلَ على نسبةِ «القرآنِ الكريم» للنبي – صلى الله عليه وسلم – بقوة تراتب النقل جماعاتٍ عن جماعات متصلينَ إليه – صلى الله عليه وسلم – وبمطابقة النسخ القديمة للأحدث منها على مر العصور، لكننا «نؤمنُ» بأنه ليس من عند النبي وإنما من عند الله سبحانه، نؤمن بذلك وفقط إذ لا يوجد وسيلةٌ لنختبرَ ذلك ليتحول بعد الاختبار من يقينٍ وحقيقةٍ إيمانية إلى حقيقة علمية.

وبالطبع يستطيع العلم أن يبحث في مسائل العبادات والشرائع سواء كان بحثًا حقيقيًا أو لمجرد إثبات وجهة النظر المسبقة كأن يبحثَ في تأثير الصيام على الجسم أو تأثيرِ الصلاة على الصحة النفسية مثلًا، لكن يظل رأيه في هذه الأمور رأيًا ثانويًا فالعبادة تظل واجبة على المؤمن وإن لم يكن لها فائدةٌ دنيوية معروفة ولا تكون عبادة عند غير المؤمن وإن فعلها طلبًا لفائدتها، كأن يصوم أحدهم كجزء من نظام غذائي.

وعلى الجانب الآخر فإن الإسلام ترك الحرية كاملةً للعلم في التفكير، بل إن بعضَ الفقهاء يضعون العلوم الطبيعية وتطبيقاتها في مرتبة فروض الكفاية، بالطبع يتدخل الدين بشقه الشرائعي والأخلاقي لتنظيم الإجراءات العلمية كأن يمنع إجراء التجارب على البشر إلا بضوابط معينة أو لتنظيم التطبيقات العلمية كما ينظم كل مناحي الحياة كأن يرفض أن تحمل المرأة في «طفل أنابيب» إلا من بويضتها والحيوان المنوي لزوجها، لكنه لا يتدخل أبدًا بصورة عقائدية للمنع من التفكير في موضوع ما إلا في خيال البعض!
أغلبُ المسلمين يظنون – كما يظن أغلب أهل الديانات الأخرى في نصوصهم – أن الوحيَ أجاب عن الكثير من الأسئلة التي يُعنى العلمُ بالإجابة عليها وأنه لا حاجةَ للبحث عن إجابة وأن أي إجابة مخالفة لما يظنونه إجابة الوحي فهي مؤامرةٌ أو إجابةٌ خاطئة على أقل تقدير ومع افتراض حسن النية.
والحقيقة – في رأيي – أن الوحي أجاب عن أسئلة الفلسفة إجاباتٍ واضحةً محددة لكنه فتح الباب للبحث في أسئلة العلم ولم يتدخل إلا ببعض الإشارات في بعض الأحيان، فأجاب عن كل «ماذا؟» وكل «لماذا؟» مهمةٍ ومؤثرةٍ في حياة الإنسان لكنه لم يجب عن «كيف ذا؟».
والمثال الأوضح في هذة النقطة هو مسألة الخلق، فالوحي ذكر أن الله – سبحانه – خلق وذكر السبب والمصير لكنه لم يذكر كيف خلق بل أعطى إشارات عن الكيفية وفتح الباب للبحث لكن هذا أمرٌ فيه تفصيلٌ وله أوجه أخرى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك