من الملاحظات المثيرة للاهتمام، أن الإمام الشهيد «حسن البنا»، لم يترك لنا تراثًا كبيرًا من الكتب!

فقط كتاب «الرسائل» الذي يعد العمود الفقري، أو الإطار الفكري لدعوة «الإخوان المسلمين»، و«مذكرات الدعوة والداعية»، التي تمثل مذكرات شخصية للإمام.

وبالرغم من أن الرسائل الواردة في كتاب «الرسائل» عديدة، إلا أننا ـ بعد بحث ـ نستطيع أن نقول إن هناك ورقتين بالعدد – ورقتين، وليس رسالتين – هما العماد الرئيس لدعوة الإخوان، والإطار الفكري لها، والتي يميزها عن غيرها من الدعوات الإسلامية، والتي يمكن اختزال فكر الإخوان فيهما دون إخلال!

شمولية الإسلام

الورقة الأولى هي الأصل الأول من «الأصول العشرين»؛ لشرح الركن الأول من أركان بيعة الإخوان، وهو «الفهم»؛ ففي هذا الركن شرح الإمام حسن البنا، أن من يريد أن يكون من الإخوان المسلمين فعليه أن يفهم الإسلام، كما يفهمه الإخوان!

وقد كان حريصًا على التأكيد على أن من لا يشترك مع الإخوان في هذا الفهم، ليس بكافر، ولم يخرج عن الإسلام، لكن أي أخ من الإخوان المسلمين لابد أن يفهم الإسلام على هذا النحو!

وهذا الفهم، فصله الإمام البنا في 20 نقطة. الأصول العشرون مستقاة جميعًا من القرآن والسنة؛ محاولًا تصحيخ الكثير من المشكلات الفكرية والعقائدية والسلوكية والتعبدية التي أصابت المسلمين في زمنه!

وأول وأهم نقطة في هذه النقاط هي أن الإسلام دين ودولة، قاطعًا الطريق على محاولات الغرب لعلمنة المسلمين، و«فصل الدين عن الدولة والمجتمع»، مثلما فصلوا الكنيسة عن الحكومة في الغرب، بعد استبداد الكنيسة!

التدرج

الورقة الثانية التي تعد الإطار الفكري لدعوة الإخوان المسلمين، هي ركن العمل! وفيه شرح الإمام البنا الخطوات السبع التي يجب على الجماعة أن تسلكها؛ حتى تصل إلى مبتغاها!

بدءًا من الأخ المسلم بصفاته الواجب توافرها فيه، مرورًا بالأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، ثم تحرير الأوطان، ثم الحكومة المسلمة، ثم الخلافة (اتحاد الحكومات إسلامية بأي نظام سياسي مقبول)، ثم أستاذية العالم.

والملاحظ في هذه الخطوات أنها تعتمد على «التربية» كوسيلة للتغيير، لا على قفزات سريعة، أو تغيير من الرأس دون القواعد!

كما يلاحظ أن كثيرين اعتقدوا خطأ، بعد ثورات الربيع العربي، أننا بدأنا ننتقل من مرحلة «المجتمع المسلم» إلى مرحلة الحكومة المسلمة، فقام نفر يردوا على هؤلاء قائلين: إننا تسرعنا في الانتقال من مرحلة المجتمع المسلم إلى الحكومة المسلمة، واسمحوا لي فكلا الطرفين خطأ!

كلا الطرفين لم يقرأوا كلام الإمام بدقة، ونسوا مرحلة كاملة، من مراتب العمل، وهي المرحلة الرابعة، وهي تحرير الأوطان من أي سلطان غير إسلامي،  سياسي أو اقتصادي أو روحي  «ثقافي».

وغني عن الذكر أن هذه المرحلة هي التي نخوضها الآن؛ فقد كان الإمام البنا واعيًا أن تحرير الأوطان يكون سابقًا على إصلاح الحكومة؛ لأن الوطن الذي يقع تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر، لا يصل حقيقة إلى حكم مستقل، أو يملك قراره!

وعليه فإن ما حدث بعد الثورة: من اشتراك في الانتخابات: البرلمانية ثم الرئاسية، كان صراعًا أخذ أشكالًا عدة، ضد من يحتلون هذا الوطن بالوكالة؛ لفضحهم، وتحرير الوطن من قيودهم!

وعليه، فإن من يطالب بالفصل بين الدعوي والسياسي، أو الدعوي والحزبي، من باب إعطاء الأمر للمتخصصين، وأن إمام المسجد أو أستاذ التجويد لا يفتي في أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع فهذا من صميم الإسلام، وكل ميسر لما خلق له!

أما من يطالب بالفصل بين الدعوي والسياسي، ويقصد بذلك أن تتحول الدعوة إما إلى حزب سياسي لا يتحدث في الدين، ولا يهتم بسلوك الفرد والمجتمع، ويستبدل برباط الدين رباطًا قوميًا وطنيًا ضيقًا، أو التحول إلى جمعية خيرية، لا تتحدث في السياسة والحكم، فقد نقض فكر الإخوان، وفهمهم للإسلام، المستمد من نصوص الكتاب والسنة، وقطع ورقة الشمول من كتاب الرسائل، وقبل بعلمانية جزئية، تفصل بين الدين والدولة، لا بد وأن تفضي إلى علمانية شاملة كما قال «الدكتور المسيري رحمه الله».

وإن أراد أن يفعل، فليجتهد ولا بأس، دون أن يفعل ذلك تحت راية الإخوان، فهذا ليس من الإخوان في شيء! وإن وصل لشيء، فسنكون أول المهنئين بصدق!

إن السياسة جزء من الإسلام، ولا يأخذ بهذا الدين، إلا من أحاطه من جميع جوانبه، والشريعة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، والسياسة جزء لا ينفصل عنه، ولا يجب إغفاله، وفي نفس الوقت لا يجب اختزال الدين فيه! وهذا فكر الإخوان!

فكما قال الإمام حسن البنا في رسالةٍ من أوائل رسائل دعوته – حملت عنوان «بين الأمس واليوم»:

«إذا قيل لكم – أيها الإخوان–  إلامَ تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام، والحكومة جزءٌ منه، والحرية فريضةٌ من فرائضه، فإذا قيل لكم: هذه سياسة! فقولوا: هذا هو الإسلام، ولا نعرف نحن هذه الأقسام».

وأحب أن أختم هذا المبحث بالتأكيد على أنني أتحدث عن الأفكار، لا عن الأشخاص، ولا أتوجه بهذا الحديث لأنتصر لطرف على طرف، ولا لأدافع عن أحد بعينه؛ فالاجتهاد مطلوب، ومحاسبة المخطئ ـ أيا كان ـ ضرورة، ومنهجي القرآن، وإسناد الأمر إلى المتخصصين سبيل النجاح!

لكن أن نتنازل عن أفكارنا وننسلخ عن جلدنا، ونقبل بعلمانية مغلفة؛ فقط لنرضي خصومنا، فهذا ما وجب التحذير منه!

إننا لا نتمنى لقاء العدو، ولم نكن نريد أن ندخل في «معركة صفرية»، لكن أما وإن المعركة فرضت علينا، وصار الثمن أن نتخلى عن ثوابتنا، فالنجاح كل النجاح أن نثبت على مبادئنا، حتى يحدث الله أمرًا كان مفعولا!

إن أية تضحية، من أي أخ أو أخت، ومن كل رافض لهذا الانقلاب، هي غالية وعزيزة، لكن معيار النجاح، ليس بقلة التضحيات أو كثرتها، بل بالثبات على الحق؛ حتى تتحقق الأهداف، حتى وإن لم نر نصرًا قريبًا! وكما قيل «السفن أكثر أمانًا على الشاطئ، لكنها لم تصنع لذلك»!

لقد ثبت الإخوان بفضل الله في فتنة الصدام، وعليهم أن يثبتوا في فتنة الأفكار. يجب ألا يدفعهم تأخر النصر إلى التخلي عن ثوابتهم!  يجب التجديد دون تبديد، والتطوير دون تفريط، ويجب تعاطي كل الحلول السياسية، دون أن نتنازل أو نفرط في الثوابت، حتى نلقى الله ـ عز وجل ـ غير متحرجين من قول شعارنا الأثير «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، دون أن نخشى من إرهابهم الفكري، الذي قد يتهمنا بالتطرف أو الإرهاب!

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد