الفُراق هو بداية كل شئٍ مُرّ، ونهاية كل ضيقٍ، لا أعلم لِمَ جعل الله بيننا الحُب والعشق والمودة ما دامت نهايتهم هي الفُراق، نحنُ نحب ونعشق ومن ثم نُفارق، لا إنسان تبكي وتتضايق على فُراقه، إذا كان ذلك بقراره أو رغمًا عنه، ما دام قد هجرك أحدهم بروحه اهجره أنت بجسدك قبل روحك.

لا تكُن أبله، تعتقد أن الحُب هو الباقي لنا مهما حدث، ولا تظُن أنك لن تهجُر الذي قد هجرك سابقًا؛ لأنك بمُنتهى البساطة تحبه، لا.. كن قويًا منذ البداية، لا تسمح لأي شخص أن يقدر على صناعة مساحة لوجوده، يملؤها وهو موجود، وعندما يغيب يتركها خالية كصحراء جرداء، وتضطر – للأسف – أن تبحث عمن يسد لك هذه المساحة ويفعل كما فعل الشخص السابق وهكذا دواليك.

تَعلّم أن سُنة الحياة تقتضي أن الفُراق سيحدث لا محالة في ذلك، ولا تُصدق – أبدًا – مقولة «إن الضربة التي لا تقصم ظهر صاحبها، تقويه»، لا بالعكس إنها إذا لم تقصِم الظهر – حقًا – فإنها تترُك أثرًا لا يُمحى مهما تقدم بك العُمر، لذا إن كانت لديك فرصة الاختيار بين الموت والعيش بجرح عميق، فاختر الموت فورًا وبلا تردد، لمَ تختار أن تعيش بهذا الجسد الهازل النحيل والصدر المهشم والفؤاد الملكوم، لِمَ تُعذب نفسك بهذه القسوة؟!

أنا أعلم علم اليقين أن قرارات الإنسان التي يتخذها مُجاراةً لقلبه تنقلب عليه بعد ذلك، إن الوقت الذي يغفل الإنسان عن رؤى عقله ويسير وراء تفاهات قلبه هو من أسوأ الأوقات في تاريخه على الإطلاق، وهذا لا يعني أنني أقول إن الأرض ما هي إلا جحيم يملؤه البغض والكراهية؛ فمن الممكن أن تجد كنزًا ثمينًا مُغطى بالطين والوحل.

أتذكر قصة طريفة قد قصّها عليّ أحد أصدقائي، وتدور حول صبي لم يتجاوز عمره الحادية عشرة تقريبًا، رأى فتاة فأحبها من قلبه؛ حيثُ إن هذه السن ليست ثوبًا للنفاق أو الرياء، ولم يعرف كيف يُحدثها أو ماذا ينبغي عليه أن يقول لها، وبينما هو سابح في تلك الأسئلة إذا به يجد نفسه يمسك بورقة رثة بجانب يده ويلتقط قلمًا ليكتُب بعض الكلمات عليها وهي على النحو التالي «إن الحب نائلة مهما تغلف بثوب من الجمال»، مرت الأيام ونجح صبينا في مخاطبتها والبوح لها بما في نفسه، وتوالت الأيام والشهور والسنون وإذا هما يكبران ويكبر معهما فكرهما، أحدهما كان خياليًا بعض الشيء يعتقد أن القدر سوف يرحم قلبًا قد انفطر من العشق، والثاني كان واقعيًا تمامًا لدرجة تكاد تصل إلى لا مُبالاة، وعندما وجد صبينا – الذي أوشك أن يكون شابًا – أن ما كان يتخيله ليس إلا عبث الشعور الذي شعر به منذُ أن رآها، قرر أن يبذل قصارى جهده أن يبتعد عنها بجسده وروحه معًا.

وتعقيبي على هذه القصة أن صبينا – وللأسف الشديد – قد أعزَّ من ذله، وقد ضحى بكرامته في سبيل حبه؛ فمثلما قال ابن أبي سُلمى «وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ»، نفسك عزيزة للغاية فلا تؤذِها أبدًا بحجة أنك تفعل هذا لأجل أحدهم، إن الإنسان يحل عليه سخطه على نمط حياته؛ لأنه منذُ البداية قد أنكر ما تنطوي عليه مشاعره، فكان لابُد لصبينا ألا يتشبث بعبث طفولته الذي خيل له أنه بذلك يحافظ على ما أقسم عليه – وهو ألا يهجُر حبيبته مهما كانت الظروف والعوائق -.

من وجهة نظري من الممكن أن تكون الظروف الاجتماعية والأحداث المحيطة والأشخاص أسبابًا ربما كافية لجعلنا نمقُت أن نُحدِث بعضنا البعض، لا أدري صحة هذا من بُطلانه، لكن الشيء الذي أعرفه أن الذي يحب بصدق لا يهجُر حبيبه – مهما حدث بينهما – إلى أن يتلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن يصعب على المرء أن يقوم بكل شيء يقوله.

وحتى لا أنسى أن أذكُر إنه ربما يكون تطور الحياة وتعقدها – من حولنا – أدى إلى إبادة المشاعر وهدم أواصر المحبة بين قلوبنا، وأصبحت مدفونة فقط في قلوب كبار السن والعاشقين، وبات كل شيء في استطاعتنا فعله – مهما تجاوزت درجة صعوبته – إلا شيئًا واحدًا، وهو أن نجد الشق الثاني لنا كما قال ابن حزم الأندلسي عن الحب في كتابه طوق الحمامة: «والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع».

وفي النهاية أود أن ألفت النظر إلى شيء ما، وهو أن هذا المحتوى لا يُعدّ مقالًا بالدرجة الأولى، هو فقط بواعث ما بعد منتصف الليل التي تختلط بشجون النجوم والنيكوتين ورشفات القهوة والأوراق البيضاء الرثة والقلم، كل هذا مشوبٌ بموسيقى الناي التي تنزف دمًا يروي قلوب العاشقين أو صوت نجاة وهي تغني «القريب منك بعيد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سرد, فلسفي, قصة
عرض التعليقات
تحميل المزيد