ما زال السودان يتضرر من أزمة اقتصادية حادة منذ عام 2011، وهو العام الذي انفصلت فيه دولة الجنوب التي تحصلت علي مجمل عائدات النفط، ارتفع معدل سعر الدولار إلى 60 جنيهًا في مطلع عام 2019، أجهزة الصراف الآلي العاملة في الخرطوم أضحت محدودة لا تسمح للمواطنين بسحب أكثر من 10 دولارات في اليوم خوفًا من تحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية والمتاجرة بها في السوق السوداء.

أزمة السودان تشخص في وجود أزمة سياسية خانقة أدت إلى ضياع 100 مليار دولار دخلت الخزينة السودانية في العشر سنوات الماضية، وحلها لا يكون إلا عبر إزالة النظام القائم بثورة شعبية؛ لتتاح للبلد فرصة أن تاتي بقيادات جديدة توقف الحروبات الدائرة، وتضع برنامج سياسي اقتصادي يسترد الأموال المنهوبة في العشرين سنة الماضية، وتشجع على الاستثمار. وأكد دكتور حامد كذلك بأن السياسات المعلنة من قبل الرئيس عمر البشير إذا تم تطبيقها سوف تزيد من الفقر الذي وصل إلى 95% بين السودانيين، وستلجأ الحكومة بعدها إلى بيع ما تبقى من قطاعات حيوية مثل مصافي البترول ومصانع السكر، بالإضافة إلى بيع كل الأراضي الخصبة التي قال بأنها الآن معروضة للبيع في الأسواق العالمية للمستثمرين الأجانب، مشيرًا إلى أن هذه السياسة أيضًا ستزيد لهيب الحروب الدائرة الآن، وتمتد لتشمل كل أنحاء السودان، الأمر الذي سيؤدي برأيه إلى تفكيك السودان ودماره. وأكد أن السودان وكي لا يصل لتك المرحلة فيجب على كل أفراد الشعب السوداني تحمل مسؤولياتهم الفردية بالخروج إلى الشارع للإطاحة بهذا النظام، وانقاذ البلاد من الضياع.

بات السقوط وشيكًا في ظل الأزمة الراهنة، وهو ما يمكن تسميته بالسقوط بنمط الأزمة، بمعنى أن الأزمة هي التي قد تؤدي إلى سقوط النظام نتيجة لفشلة في إدارة الاقتصاد وتخطي الأزمة.

سقوط النظام لابد أن يقود إلى إعادة الجدل الفكري حول أولويات الحكم الجديد، هل نبعد الدين عن السياسة أم الأولى هو إبعاد الجيش عن السلطة؟

جدلية الغربي/الإسلامي

عتقد بأن التّحاور والتّجاور بين الشّرق والغرب لن يكون سهلًا ولا ممكنًا في الأفق القريب، فعوائق التحاور والتجاور كثيرة، ومن ناحية أخرى لم نؤسس لها وفق القاعدة القرآنية «وتعارفوا» إن التعارف هو الذي ينبغي أن نستبدله بمقولات الصراع والتصادم، فالتعارف يؤدي إلى التآلف، والتآلف يؤدي حتمًا للتقارب، ومن ثمة يصبح التجاور ممكنًا بين الأمم والحضارات.

توصلت البشرية بأن استخدام الدين كأيديولوجيا سياسية فقط يؤدي إلى نظام استبدادي تسلطي، هذا لا يقلل من شأن الدين الإسلامي، الجدل الذي دار في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة لم يكن حول الدين والدولة، بل كان حول من هو الأجدر بالخلافة، فمن هنا يجب أن نتجاوز هذه الجدلية المستهلكه جدلية الديمقراطية/الشورى، بل نستوعب كافة الفئات السياسية بمختلف أيديولوجياتها، الأمر الذي تعيه جيدًا النخب السودانية عامة وقوى نداء السودان خاصة.

الجيش والسلطة

في عام 638 ميلادية عزل الخليفة عمر بن الخطاب قائد الجيوش الإسلامية «خالد بن الوليد»، الذي ما هُزم له جيش في جاهلية أو إسلام، وكتب ابن الخطاب للأمصار يقول: «إنني لم أعزل خالدًا من سخطة أو خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع». وفي صيف عام 2010 قام الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بعزل الجنرال «ماكريستال» قائد الجيش الأمريكي في الحرب على أفغانستان. وقال أوباما في معرض تفسيره لهذا القرار: «لم أتخذ هذا القرار لشعور شخصى بالاهانة، أو لاختلاف حول السياسة المتبعة. ولكن لأن ملاحظات الجنرال بشأن مسئولى الإدارة تمثل سلوكًا يقوض السيطرة المدنية على الجيش، الذى هو جوهر ديمقراطيتنا». وبرغم المسافة الزمنية التي تفصل بين الحدثين، فإن الأصل فيهما واحد كما سنرى.

المعضلة الأساسية تقع في الجيش والسلطة، كيف يتحول النظام العسكري إلى نظام مدني؟ عادة ينقسم العسكر إلى عدة أصناف بناء على ثلاثة عوامل: وهما درجة الإبداع في برامجهم وأفعالهم ودرجة الالتزام بفكر معين في تبرير سياساتهم، ومستوى التسيس للجيش.

قلة من العسكر من يحاولوا إلى تحويل أنفسهم إلى نظام مدني كما حدث في مصر، هنالك نوع من الأنظمة العسكرية التقليدية غير ملتزمة بفكر معين تحول نفسها إلى نظام مدني لمبررات شخصية.

استطاع السودانيون أن يزيحوا الحكم العسكري إبان فترة عبود عام 1964، ببمارسة بعض المدنيين الضغط على القيادة العسكرية لإرغامها على التخلي عن السلطة. في بعض الدول يصر بعض المدنيين على بقاء الحكم العسكري، وذلك لحماية أنفسهم من أي تغيير اجتماعي أو سياسي، كما الحال في الأرجنتين قبل عودة بيرون، إلى السلطة عام 1973، أيضًا يمكن أن يحدث تحول مدني واع حسب تسمية موشى ليسك إعادة التحول إلى حكم مدني.

وهنا تتحول النخبة العسكرية تدريجيًا إلى مدنية، ومن ثمه يتحول النظام إلى حكومة تسيطر عليها المدنيون. يعود العسكر إلى ثكناتهم ويسلموا السلطة للمدنيين يحدث هذا التنازل غالبًا بانسحاب الجيش طوعًا أو نتيجة لضغط سياسي خارجي من قبل المدنيين أو بتفكك القيادة العسكرية الحاكمة، وينسحب العسكر طوعيًا في حالة تحديدهم موعد لتسليم السلطة للمدنيين، ويعني هذا الاتفاق علي وسيلة يتم بها اختيار رئيس الدولة أو رأس الجهاز التنفيذي دون أن يكون من العسكريين، وقد يعني ذلك أجراء انتخابات برلمانية، مثلما حدث في غانا، قبل الانقلاب الثاني عام 1972. وقد تضع القوات المسلحة قواعد وإجراءات محددة لهذا التحول، مثلما حدث في نيجيريا منذ 1966 إلى 1977. أو يحدث أن ينسحب الجيش مرغمًا عندما ينهار النظام العسكري نتيجة لتلاشي مقدرته على الحكم، والضغط الشعبي.

وإذا كانت نظرية الشوري قد أشارت بوضوح إلى السيطرة المدنية على الجيش كمبدأ رئيس، فإن الأمر لم يكن بهذا الوضوح في دول العالم الثالث التي عانت من تخلف في تطورها الاجتماعي وبنيتها المؤسسية، حيث لعبت الجيوش باعتبارها المؤسسات الأكثر تنظيمًا دورًا رئيسًا في السياسة وإدارة المجتمعات بعد الحرب العالمية الثانية فيما عرف بزمن الانقلابات، التي بدأت عربيًا بانقلاب «حسنى الزعيم» في سوريا في 1949.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد