كنا نعتقد أن أحداث الانفصال الأخيرة قاصرة علينا فقط فى العالم العربي، وأن هناك خطة محكمة تدبر لتقسيم الوطن العربي وما نحن إلا منفذين، ولكن انتقل الوضع إلى العالم الغربي، تتلاقى محاولات الانفصال عند نقطة واحدة وهي المصلحة العامة في نظر كل فصيل أو إقليم.

جاءت أحداث إسبانيا لتثبت لنا أن أسباب الانفصال واحدة، وأن من لم يستوعب الدرس ويحاول احتواء المطالبين به لا يلوم الخطط، ولكن يلوم البطء في التصرف وقلة الحكمة.

ويكون تطبيق الديمقراطية مفيدًا عندما تقع الأحداث خارج حدود دولتك، أو خارج الدول التي تؤيدها، ولكن عندما تتخبط الديمقراطية مع مصالحك وحمايتك لها، فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم .

400 جريح يعتبر رقمًا عابرًا في العالم العربي، مقارنة بصور القتلى التي نشاهدها بالآلاف كل يوم، ولكن في العالم الغربي هذا الرقم يمثل استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين.

إذا وقعت هذه الأحداث في العالم العربي لكانت التصريحات متوالية علينا من الاتحاد الأوروبي، ولكن بسبب الخوف من شبح الانفصال أن يجتاح مناطق عديدة في أوروبا، كان هو وراء الصمت المبرر من الاتحاد الأوربي، فإسبانيا دولة مؤسسة واقتصادها الرابع في أوروبا، وسيكون تأثير الانفصال كبيرًا خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد ومن هنا تظهر ازدواجية المعايير.

يسعى الكتالونيين منذ سنين إلى الانفصال واستجابت الحكومة الإسبانية لمطالبهم وتم الحصول على الحكم الذاتي في الإقليم، والاعتراف باللغة الكتالونيا لغة رسمية، بجانب الإسبانية ولكن التيار المطالب بالاستقلال يزداد في الصعود وخاصة بعد فوز «كارلس بيغديمونت» وهو من أبرز الداعين للانفصال، ولم تستطع الحكومة احتواء النزعة القومية لديهم.

دائمًا الانفصاليون هم الأعلي صوتًا والأكثر تنظيمًا على الرغم من أن الأغلبية الصامتة ترفض المشاركة فى الاستفتاء والجدال حوله.

وبالفعل تم الإعلان عن موعد الاستفتاء، ولكن تباطأت الحكومة فى مدريد فى احتواء الموقف، واكتفت بإعلان القضاء عدم دستورية الاستفتاء، وكان من الممكن أن ينتهي المشهد هنا لولا الإدارة غير الحكيمة حيث تدخلت الشرطة وتم السيطرة على المقار الانتخابية، ومصادرة الصناديق، والاعتداء على المتظاهرين.

ويستغرب البعض من التعامل بالقوة مع الاستفتاء مع أنه غير معترف به، لماذا لم تعتبره الحكومة المركزية مجرد تسلية كما يجري في العالم العربي، أما أن مصير الدول في الغرب لا تقع تحت التسلية حتى إذا كان استفتاء صوريًا.

قال رئيس الوزراء الإسباني «رخوي» أن ما حدث هو محاولة لضرب الوحدة والشرعية في إسبانيا، وأنه لم يكن هناك استفتاء وبرر استخدام الشرطة للقوة بأنه كان تطبيقًا للقانون، وكان استخدامًا متوازنًا ولا أحد يلوم دولة في دفاعها عن وحدة بلادها.

وجاءت تصريحات الجيش الأسباني مماثلة مع تصريحات الحكومة، حيث تم التأكيد على أنه مستعد للدفاع عن الدستور. ولم تستفد إسبانيا من طريقة تعامل كندا، وبريطانيا مع محاولات الانفصال فى كل من أسكتلندا، وكيت فقد تم احتواء المطالب وإظهار الامتيازات في حالة تمت الوحدة والاستمرار تحت رعايتهم.

على الرغم من أن نتيجة الاستفتاء لا يمكن الاعتراف بها، وتعتبر مجرد استطلاع رأي وتم التصويت في غياب الأحزاب المعارضة، والأغلبية الصامتة التي ترفض الاستفتاء، ولكن تغير مجرى الأحداث بعد استخدام العنف مما أدى إلى إثارة النزعة القومية لديهم، وتم المطالبة بإضراب عام في كتالونيا احتجاجًا على عنف الشرطة.

وأثناء حديث رئيس وزراء إسبانيا أظهرت وسائل إعلام كتالونيا بأن المتحدث هو «رئيس الوزراء الإسباني» وكأن الانفصال تم بالفعل.

وتمثل كتالونيا نسبة 16%من سكان إسبانيا، وهى مهمة اقتصاديًا حيث تساهم بنسبة 19%من الدخل القومي، ولديها مقومات زراعية، وتعليمية، بالإضافة إلى السياحة وهي مقومات لإقامة دولة.

أما عن كرة القدم فقد تم الإعلان أن في حالة رفض إسبانيا مشاركة برشلونة في الدوري الإسباني، سيشارك في الدوري الفرنسي، وبالطبع سيتأثر الدوري الإسباني بخسارة نسبة كبيرة من مشجعي الفريق.

إذا لم تحصل كتالونيا على الاستقلال ستكون ضمنت ورقة ضغط على الحكومة الإسبانية، وأثارت القضية فى الإعلام، ما حدث في كتالونيا لن يمّحي من الذاكرة، والشرخ النفسي هو بداية الانفصال الحقيقي على مر العصور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد