تبادرت إلى ذهني أسئلة كثيرة في الأيام القليلة المنصرمة، لا ريب أن أهمها هو السؤال الآتي «ما الغرض من مواقع التواصل الاجتماعي؟»، هذه المواقع التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والشباب والكهلة أيضًا، بالمختصر هي جزء من كل منزل حيث إنها أصبحت تدخله دون استئذان.

يقال إن هذه المواقع تقربك إلى كل ما هو بعيد ولكني أرى أنها تبعدك عن كل ما هو قريب، ينتابني قلق شديد على ما ستؤول إليه الأمور أصبحنا وللأسف الشديد نفتقد للذة الحياة رويدًا رويدًا حتى إننا أصبحنا عندما نجلس مع أجدادنا الذين هم بمثابة الكل بالكل نستخدم الهاتف الذكي الذي أصبح يسيرنا كيف ما أراد. ذهبت عاداتنا وتقاليدنا التي ترعرعنا عليها منذ نعومة أظفارنا إلى أدراج الرياح. هل يحدث كل هذا فقط لولعنا بفيسبوك وتويتر وإنستغرام.

حسب الإحصائيات الأخيرة فإن المراهقين هم أكثر المستخدمين لهذه المواقع من خلال هواتفهم الذكية. وكما نعلم جميعًا أن المراهقين لديهم أمور أكثر أهمية من التواجد على مواقع التواصل فعلى سبيل المثال يجب عليهم أن يبذلوا أقصى ما لديهم للتوصل إلى نتائج ممتازة من الناحية الأكاديمية، ولكني أتساءل كيف سيتسنى لهم ذلك إذا كان الهاتف الذكي يسير معهم في كل خطوة يخطونها في داخل المنزل وخارجه حتى عندما يمسكون الكتب بغية الدراسة فهم يضعون الهاتف الذكي إلى جانبهم ليتلقوا إشعارات مواقع التواصل الاجتماعي، عن أي تركيز واستيعاب وتحصيل دراسي تتحدثون إذن؟

وللأسف الشديد أصبحنا نقضي وقت فراغنا بالدخول على مواقع التواصل الاجتماعي لنضع التعليقات والإعجابات ونكتب المنشورات، ولكن يمكننا أن نقضي وقت فراغنا بأشكال مختلفة دون اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي فبإمكاننا أن نقرأ الروايات ونشاهد الأفلام لا سيما الوثائقية، ويمكننا أيضًا أن نمارس رياضتنا المفضلة أو أن نستمع للدروس الدينية. هذه كلها كانت أساليبَ تخولنا أن نقضي وقت فراغنا دون اللجوء إلى الروتين الممل والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي ذات الفائدة المعدومة.

كثيرون منكم يتساءلون الآن لماذا قلت إنها ذات فائدة معدومة؟ ببساطة شديدة لأن كل المنشورات ولا سيما على فيسبوك هي مقرفة إن صح التعبير فمثلًا: ستجد منشورًا يقول اللهم أعمِ كل من شاهد الصورة ولم يكتب الله يشفيه، وآخر يقول عار عليك أن ترى شجرة مكتوبًا عليها لفظ الجلالة ولا تكتب ما شاء الله وكأن الله سبحانه وتعالى لديه حساب على فيسبوك وبإمكانه أن يعطينا الأجر والثواب إن علقنا على صورة الشجرة هذه وكتبنا ما شاء الله، وستجد أن هذه الصورة ليست حقيقية من الأساس وهي عبارة عن فوتوشوب ليس إلا وتم نشرها على مواقع التواصل لجلب الإعجابات والتعليقات فقط، وآخر يقول إن كانت صورة ميسي قد حصلت على عشرين ألف إعجاب فكم إعجاب ستحصل عليه صورة المسجد الأقصى، كما أن بعض الصفحات التابعة لوكالات الأنباء تسعى فقط للسبق الصحفي ونشر الأحداث المتعلقة بموضوع ذي أهمية كبيرة دون التأكد من مدى صحة الخبر فالأهم بالنسبة لديهم هو نشر الأخبار والحصول على التعليقات والإعجابات بصرف النظر عن الخبر إن كان إشاعة أم لم يكن كذلك.

ناهيك عن تطبيق سناب شات الذي كثيرًا ما نرى مستخدميه يصورون أنفسهم أثناء قيادتهم للسيارة ألا يشعر هؤلاء الناس بالخطر  على حياتهم من القيادة والتصوير في آن واحد؟ حتى إن كل تفاصيل حياتنا صغيرة كانت أم كبيرة أصبحت على هذا التطبيق لدرجة أننا إن احتسينا القهوة أو تناولنا وجبة الإفطار والغداء والعشاء أو ذهبنا إلى رحلة أو استيقظنا من النوم نقوم بأخذ الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بهذه اللحظات، والأمر المستفز أكثر هو التصوير أثناء تقديم واجب العزاء لذوي فقيد ما.

هل تعتقدون أن الغربة في هذه الأيام مقلقة لهذه الدرجة في ظل تواجد تطبيقات الفايبر والواتس آب والتي تتيح لك التواصل مع أقاربك في أي وقت تريد فبالمحصلة إذا قارنا غربة هذا الزمان بالغربة في الأزمنة السابقة فسنجد أن غربة هذه الأيام ليست إلا غربة مزيفة، فحتى وأنت بعيد عن أحبتك آلاف الكيلومترات فأنت بنهاية المطاف تعد قريبًا لهم أكثر مما تتصور وكل هذا بفضل التطبيقات على الهواتف الذكية. قبل عقود كان الطالب المبتعث للدراسة في الخارج ينتظر أشهرًا عديدة لتصل الرسالة لأهله وأشهرًا أخرى ليصله رد منهم. فعن أي غربة في هذا الزمان تتحدثون إذن؟

مع الأسف الشديد، أصبحنا نعبث بالهواتف الذكية عندما نحضر لحفل زفاف أو نؤدي واجب العزاء أو نجلس مع بعضنا البعض على مائدة الطعام أو يناقش بعضنا بعضًا في مواضيع ذات أهمية كبرى ونتحدث إلى شخص كبير في السن أو نشاهد مباراة بين فريقين من على أرض الملعب مباشرة، أو نشاهد حفلًا غنائيًا لمطرب مشهور. ذهبت لذة الحياة وافتقدنا للقدرة على عيش اللحظة دون الحاجة إلى التصوير والعبث في هواتفنا وتعريض أنفسنا لمشاكل صحية لا يرجى حدوثها نتيجة الاستخدام المفرط لهذه المواقع والتطبيقات.

كان يجدر بنا أن نطور من أنفسنا ونسير التكنولوجيا كيف ما نشاء نحن لا أن نكون ضحية لها تسيرنا هي كيف ما تشاء. لمَ لا نحاول أن نعيش فقط ليوم واحد دون الحاجة إلى أي إلكترونيات بتاتًا وبذلك سنرى التغير بأم عينه حينها فقط سنرى تواصلًا اجتماعيًا حقيقيًا.

إذن، بعد ما تم سرده هل تتفقون معي أم لا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد