في مرحلة ما من العمر وبالتحديد في أواخر التسعينيات وبداية القرن الواحد والعشرين، كنا نخرج من المدارس للاحتفال بعيد 26 سبتمبر، كل المرافق الحكومية تحتفل بهذا اليوم بطريقتها الخاصة، وعلى الرغم من أنها عطلة رسمية وكل المدارس تغلق أبوابها في هذا اليوم احتفاء بهذه المناسبة، إلا إننا في مدارس المدنية كنا نُدعى للحضور من أجل الخروج بعروض كرنفالية لتمثيل مدارسنا، من مدرسة عمر بن عبد العزيز في مدينة حجة كنا ننطلق للاحتفال بالسادس والعشرين من سبتمبر ونحن نحمل أعلامًا بيضاء وحمراء وصفراء وبأشكال متعددة.

كنت في ذلك الوقت في المرحلة الإعدادية، وكانت الاحتفالات كالعادة تقام في ميدان حورة أكبر ميدان للمناسبات بمدينة حجة. كنا حينها أطفالًا، وكان خروجنا فرحًا بذلك اليوم عادة وتقليد لمن سبقونا ليس إلا، لم نكن نستشعر عظمة هذا اليوم لأننا لم نعش تفاصيله وأحداثه ولم نكن نعي ونفهم حجم التضحيات الجسمية التي قدمها آباؤنا وأجدادنا في سبيل التحرر من الكهنوت والاستبداد، كنا نسمع هذه الألفاظ في مدارسنا وفي الأعلام وفي الاحتفالات لكننا لم نكن ندرك معناها الحقيقي ولم نشعر حينها بمدى الألم الذي عاشته الأجيال السابقة من الكهنوت والاستبداد.

فعيد الثورة هو يوم يفرح به أكثر ويشعر بعظمته من عاش أحداث تلك الثورة وتضحياتها الجسام! كنت حينها أقول في نفسي ما الداعي لهذا العرض الكرنفإلى الكبير وما قيمة هذا اليوم حتى يُحتفل به بهذا الزخم الكبير؟، مرت الأيام ونحن نكبر ونزداد وعيًا ومعرفةً لما يدور حولنا. مرت الايام وأبت إلا ندرك حجم تضحيات من سبقونا، أراد الله لنا أن نعرف مقدار تضحيات الزبيري والعلفي والثلايا وعلي عبد المغني ورفاقهم الأحرار وأجدادنا الذين عاشوا تفاصيل تلك الثورة المباركة.

في السنوات الأخيرة وبعد عام 2006 أدرك صالح أنه أصبح حاكمًا مستبدًا، فبدأت مظاهر الاحتفالات الكبيرة بعيد 26 سبتمبر تخف تدريجيًا ليس هذا فحسب بل عمد صالح لطمس كل ما من شأنه تذكير الشعب بالثورة ضد الاستبداد والكهنوت فهو وإن لم يكن كهنوتيًا لكنه أصبح مستبدًا بل أنه فاق الإمامين (أحمد ويحي) في استبداده واستفراده بالحكم والسلطة لقرابة ثلاثة عقود بل ونيته في توريث الحكم لنجله. بدأت ملامح الطمس التدريجي لكل ما يمت إلى الثورة ضد الاستبداد بصلة، تم تغيير أسماء بعض المدارس التي تحمل اسم الشهيد محمد محمود الزبيري، بل وكانت هناك نية لإلغاء قصائد الزبيري الثورية من المناهج الدراسية.

دارت الأيام وجاءت ثورة فبراير لتكمل ثورة سبتمبر، تلك الثورة التي تم اختطافها من أبناء اليمن ليستلم حكم اليمن حينها صالح الذي حكمها بعقل شيخ وزعيم عصابة. بعد أن أدرك صالح فشل مشروعه في مواصلة استبداده وتوريث السلطة لنجلة. ذهب حينها لأعداء سبتمبر الذين أوجدهم مسبقًا وعمل على إحيائهم ودعمهم ليوم رحيله من السلطة. ليس هذا فحسب، فقد عمل أيضًا على دعم الحراك الجنوبي واستغل القاعدة وجعل اليمن قنبلة موقوتة عمل على توقيتها بنفسه ليضع الشعب اليمني أمام خيارين أحلاهما مر، إما الرضا بصالح ونجله واستبدادهما أو تفجير القنبلة التي عمل على توقيتها طيلة 33 عامًا لينتقم من الشعب إن فكر في الثورة ضده. لقد قالها بنفسه يومًا ما وفي أكثر من خطاب ولقاء تلفزيوني إن اليمن قنبلة موقوتة أي (إما أنا أو الطوفان من بعدي) وذلك حتى يقف الشعب والعالم مستسلمًا لما يريده الرجل.

تجاهل الشعب تهديدات صالح وقرر الإطاحة به، فألم المخاض ساعة، وذلك بعد أن أدرك الشعب أن الرجل يريد أن يحكم اليمن بالأزمات ليبقى إلى ما لا نهاية، وسيبقى الشعب في الحضيض ما بقي صالح. خرج صالح من السلطة بثورة شبابية شعبية كان يتوقعها صالح ويحس أن الثورة ضده قادمة بعد أن تجاوز الثلاثين عامًا في الحكم. خرج صالح من جمهورية الصالحية ثم توجه إلى قنبلته الموقوتة ليعمل على تفجيرها، ويهدم المعبد عليه وعلى أعدائه وقد تم له ذلك بالفعل. فجر صالح تلك القنبلة الموقوتة في 21 سبتمبر، فسقط اليمن صريعًا بيد الإماميين الجدد، واستلمت الملكية الثانية اليمن من صالح بمعسكراته ومؤسساته، وسيطروا على كل مقدرات الشعب، وبدؤوا فتوحاتهم في المحافظات وصولًا إلى غزوة عدن. كان صالح حينها في قمة السرور، وكان أنصاره يتغنون بتفجيره لقنبلته الموقوتة التي أطاحت بأعدائه، ويرقصون طربًا لسقوط اليمن بأيدي الملكية الثانية.

جاءت عاصفة الحزم وبدأ أحرار الجمهورية الثانية مواجهةً جديدةً مع الملكيين الجدد، الذين تحالفوا للإطاحة بالوطن والعودة لما قبل 26 سبتمبر. ذاق الشعب مر الكهنوت والاستبداد، وعرف معناهما بعد أن سيطر الملكيون الجدد على مفاصل الدولة في 21 سبتمبر. قضى الملكيون الجدد على الحرية، وكمموا الأفواه، وزجوا بالشعب في السجون، وأصبح لا صوت يعلو فوق أصوات مشرفي الكهنوت. هب أحرار الجمهورية الثانية للدفاع عن حرية وكرامة أبناء اليمن، ووقفوا بقوة في وجه الملكية الثانية لتحرير اليمن واستعادة الجمهورية، وهذا ليس بغريب على أحفاد سبتمبر فقد عملت ثورة سبتمبر على بناء جيل من الأحرار الذين تتكسر أمام عزائمهم كل المحاولات لعودة الإمامة والكهنوت. قدم الأحرار قوافل من الشهداء في سبيل استعادة الجمهورية الثانية، وبعد كل هذه التضحيات التي قدمها أبناء اليمن، أدركنا أخيرًا معنى 26 سبتمبر وقيمة هذا اليوم العظيم!

أدركنا أخيرًا عظمة 26 سبتمبر بعد إن عشنا تفاصيل استكمال هذه الثورة! أدركنا أخيرًا حجم الألم والتضحيات التي قدمها أحرار الجمهورية الأولى! سنحتفل بـ26 سبتمبر بوعي ومعرفة لعظمة هذا اليوم! سنحيي يوم 26 سبتمبر وفاءً لشهداء الجمهورية الأولى والثانية! وسنواصل ثورة 26 سبتمبر حتى ننتصر ونستعيد الجمهورية الثانية ولا عزاء للخونة! نحن جيل سبتمبر الثالث، جيل فبراير وجيل الجمهورية الثانية! سننتصر وسيهزم الملكيون الجدد وسيذهب كل من ساندهم إلى مزبلة التاريخ!

26 سبتمبر ثورة مستمرة
تحيا الجمهورية اليمنية
تحيا الجمهورية اليمنية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد