القصة فن، تجربة، وحياة، في هذه الحياة هناك عدد لا حصر له من القصص، القصة لها بداية ونهاية، وإن كانت بدايتها أو نهايتها مجهولة أكملتها ذواتنا، ذواتنا المتعطشة لملاحقة النهاية، تلك النهاية التي كلما ابتعدت عنا ازددنا شغفًا للوصول إليها، إضافة لهذا تحولت القصة إلى صناعة، وهي صناعة قديمة في تاريخ البشرية دائمة التطور.

هذه الحياة أكاد أسميها عالم القصص، إنها مكتظة بالقصص، خاصة القصص المكررة، وفي الحياة نعيش قصصًا، ونسمع عن قصص، ونشاهد أخرى ثم نحكيها، وهكذا لا تتوقف دائرة القصص، أو بالأحرى استمرارية الحياة، لكن ما لفت انتباهي وأصبح ظاهرًا للجميع بشكل واسع وعميق، هو سيطرة شكل في حكاية القصة يتخذ مسافة من الأمان بينه وبين المتتبع، أو ما يمكن تسميته بالمشاهد والمستمع إلى هذه القصة، هذا الشكل صنع ليجذبك إلى قصصه، صنع من عقل الإنسان، ومن عواطف الإنسان، ومن كل أزمنة الإنسان، الإنسان الذي يمثلنا جميعًا، نعم! بهذه الدرجة من الحرفية والإتقان، هذا الشكل هو المسلسلات بالضبط، المسلسلات قد تكون جزءًا أو أجزاء من عدة حلقات، هذه الحلقات تشكل سلسلة، وبالمعنى الحرفي سلسلة صنعت لتقييدك!

فهل أنت قادر على الهروب؟

المسلسل هو الحياة، جودة هذه الحياة مرتبطة بجودة المسلسل نفسه، أقصد جودة لب القصة، أي الحدث الجوهري فيها، لكن لا نحصر هذا الأمر هنا، في الجانب الآخر نتحدث عن جودة النص أو السيناريو وبراعة الممثلين، وأنا صراحة أطرح سؤالًا على الممثلين! ألا يمكن أن تنسوا من أنتم وسط هذا العالم من الشخصيات والأدوار؟

إن الممثل الذي يدعى زيدًا وفي المسلسل يصبح اسمه عَمرًا، ألن يظل جزء من عمرو مختبئًا في زيد؟

هذا الممثل في القصة، أما إذا كنت مشاهدًا للقصة عندها قد تنتقل إليك بلا شك أفكار، وأحاسيس، ثم تأتيك الفكرة تليها الفكرة، هنا إذا كنت واعيًا قد تختار الأفكار الجميلة، أما إذا تركت المسلسل يهضمك في أفكاره وأحداثه دون أن تعي ما تشاهد، عندها قد تتدفق إليك أفكار لا تريدها دون وعي منك، وأكثر من هذا قد تجد نفسك تمثل أحد الأدوار في حياتك الشخصية عمدًا أو بدون وعي، فأي شخصية ستتأثر منها، وما صفاتها؟

هذه القصص في المسلسل تكون موزعة على مواقيت يوميًّا أو أسبوعيًّا، وقد تستمر لأقل من سنة أو أكثر، والحلقة الواحدة فيها يحرص المشاهد على ألا يضيع من بدايتها ولو دقيقة واحدة، وإن ضيعها لعذر مهم يصبح همه أن يشاهد الإعادة، كم هو جميل أن يحصل هذا الانضباط في علاقتنا بربنا، سبحانه وتعالى عز وجل، وفي دراستنا، وفي مواعيدنا، أو أثناء بناء ذواتنا وتطويرها، إن السر هنا هو أن القصة التي نشاهدها تحتوي شيئًا نريده ونسعى له، شيئًا لم نستطع بعد الوصول إليه، أو أنها أحيت ذكرى عميقة فينا، لكن الملفت هنا أن المسلسلات تتغذى من أمانينا، ورغباتنا، وأحلامنا، وما تشتهي أنفسنا، إنها تتغذى علينا، إذ نحن أمام صناعة، أعني عالم مميز له قواعده الخاصة، وعلومه، وتراثه، وتراكماته المعرفية، وأمام خبراء في التمثيل يعرفون جيدًا معنى الغضب، الحزن، الفرح.

من الألف إلى الياء، حتى تجد نفسك تبكي معهم أو تضحك حتى تسيل دموعك، والأخطر أن تكتسب بعض القيم السلبية التي تملأ ذاتك بالاستياء الذي قد يصل إلى الكآبة، هذه الأحاسيس تتفاوت في تأثيرها بين الناس إيجابيًّا أو سلبيًّا، كلٌّ ومدى ارتباطه بالقصة، وتوازنه الذاتي قلبًا وعقلًا.

فما النتائج؟

إنها تسحبنا في حلقات سلسلتها، وتغذينا بما نريد أن نكون عليه، وتشعرنا بلذة الوصول إلى غاياتنا ورغباتنا، أو تلهمنا أننا أصبحنا مستعدين للانطلاق!

لكن الحق أن شخصيات المسلسل أو القصة عندما يؤدي الممثل إحداها أو عددًا منها، فهو ينساها ما إن يبدأ عملًا جديدًا؛ لأن هذا عمله، وهذه قصة حياته، وهذا مسلسله، والمعضلة هنا هي قصة وحياتك أيها المشاهد، هل تعمل حقًّا بمقدار ما تحلم أن تصل إليه؟ هل عندك برنامج يومي، شهري، أو على مدى سنوات؟ هل تسعى لتحقيق نجاحك كما يسعى الممثل إلى إتقان عمله وتطوير ذاته؟

لا أقول إني أعارض مشاهدة الأفلام أو المسلسلات، لكن فلتعلم، أنت هو الحاضر، حاضر كل شخص منا هو الباب الذي سيقوده إلى الحياة، استيقظ من غفلتك، واصنع قصتك في مسلسل الحياة، عندها لا مانع من مشاهدة المسلسلات إن تبقى لديك الوقت لمشاهدتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد