لم يكن الجدل ليبدأ مع إعلان نبأ محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بطائرة مسيرة مفخخة أوائل الشهر الماضي، حتى عاد ليحتدم مجددًا مع إعلان نتائج التحقيق الأولية حول الحادث.

قد يكون من الخطأ تسمية ما حدث في المؤتمر الصحافي لمستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي قبل أيام على أنه إعلان يجيب على التساؤلات، ويضع النقاط على الحروف ولو بشكل أولي، بقدر ما هو أقرب إلى كونه صورة واضحة تضاف إلى عشرات الحالات السابقة حول أحداث شغلت الشارع العراقي منذ عام 2003، وظلت التساؤلات حولها قائمة، والاحتمالات والتكهنات بشأنها مستمرة، حتى مع إعلان الرواية الرسمية الحكومية حول تلك الأحداث.

سيكون ما نقوله مفاجئًا إذا ما جرى عزله عن سياقه الطبيعي، والتعامل معه بانفراد دون مراجعة التجارب السالفة، لكن هذه المفاجأة من المحتمل أن تبدأ بالتلاشي إذا ما وسعنا النظر قليلًا لنستكشف حالة الدولة ومؤسساتها، ثم نطل من خلال ذلك على الكيفية التي تعاملت بها مع الأحداث السابقة وصولًا إلى معالجتها لمحاولة الاغتيال الأخيرة.

لقد تعاملت الحكومات المتعاقبة في العراق منذ عام 2003 على الأقل – دون التوسع في البحث نحو الفترة السابقة لذلك العام – باستخفاف مع عقول المواطنين ووعيهم. وتصورت أن الروايات الضعيفة والركيكة والمشبعة بالثغرات العقلية والمنطقية ستنطلي على سكان هذه البلاد. ولا تقتصر نظرة الاستخفاف هذه على الأحداث السياسية والأمنية فحسب، بل حتى فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يمس مصالح البلاد وشعبها. وليس أدل على ذلك من حادثة أعلن فيها منذ أكثر من عام عن تلف مليارات الدنانير داخل قبو البنك المركزي العراقي بسبب وصول مياه الأمطار والمياه الآسنة إليه، والتي أصبحت الرواية الرسمية بشأنها مادة للتندر والسخرية داخل العراق وخارجه. وهذا مثال واحد فقط فيما يخص الجانب الاقتصادي للبلاد تقاس عليه عشرات الحالات التي ذهبت فيها الأموال الطائلة هدرًا تحت ذرائع وأسباب هي أقبح من الذنب الذي يحاول أصحابه التستر عليه من خلالها.

عام كامل انتظره العراقيون منذ مصرع الباحث والخبير الأمني هشام الهاشمي في يوليو (تموز) 2020 لمعرفة الجناة، وكشف حقيقة الجريمة التي اكتنفها الغموض، وكانت – مثل نظيراتها في بلد كالعراق – محط جدل ونقاش وتقاذف متبادل للاتهامات بين مختلف الأطراف المتصارعة على الساحة العراقية.

غير أن الإعلان المفاجئ في يوليو الماضي عن اعترافات منفذ عملية اغتيال الهاشمي، وبالطريقة التي جرى عرض تلك الاعترافات من خلالها عبر التلفاز الرسمي العراقي، لم تغلق أبواب تعدد الاحتمالات التي كانت مشرعة منذ حدوث العملية، بل إنها فتحت أبوابًا جديدة حول طريقة إخراج تلك الاعترافات إلى الجمهور.

كان يفترض بتلك الاعترافات المسجلة أن تكشف كامل خيوط الجريمة، والتي ربما كانت الجهة المحرضة والمخططة فيها لا تقل أهمية عن العنصر القائم بالتنفيذ، بل لعلها الأهم في تسلسل العملية. لكن التسجيل الذي لم يزد عن 10 دقائق كان يحمل في طياته طابع إخفاء الكثير من التفاصيل، أو بعبارة مخففة قليلًا: التفاصيل الأكثر أهمية.

في بلد كالعراق لم تكن «الاعترافات المتلفزة» يومًا لتخرج عن دائرة الحسابات السياسية والأمنية. ومنذ سنوات طويلة كانت «الاعترافات» وسيلة لحرف المسار، أو تصفية الحسابات، أو خلق حالة جديدة لصرف النظر عن أمور أخرى وفق معطيات الجهات الحكومية والأمنية التي تتحكم في مسار إخراج تلك الاعترافات إلى العلن.

مشهد اعترافات قاتل الهاشمي، وبغض النظر عن اسمه وصفته ورتبته العسكرية التي يحملها ضمن السلك الأمني، لم يكن ليرقى إلى مستوى الإخراج المحترف، وربما كان الأجدى أن يُستعان بخبرات متخصصة في هذا المجال كي تضفي نوعًا من مسحة الإقناع، ولو في حدها الأدنى الواجب إيصالها إلى الجمهور.

لا يحتاج الأمر كثيرًا من الجهد لتفحص سياق ردود الأفعال على مشهد «الاعترافات» الذي خرج حول مقتل الهاشمي. وكان واضحًا فيه أن أكثر الأسئلة منطقية، والتي كان يجب أن يجيب عليها شريط الاعترافات المتلفز، قد طرحها الجمهور غير المتخصص أو المتخصص غير القريب من دائرة البحث والقرار الأمنيين، بينما بدا أن تلك الأسئلة قد غابت عن ذهن تلك الدائرة ليُجاب عنها في تلك الاعترافات.

لكن هل كانت غائبة حقًا؟ إذا ما نُظر إلى الموضوع بموجب فرضية «الحسابات» التي أشرنا إليها في سياق تاريخ «الاعترافات المتلفزة» في العراق، فقد يكون الجواب المنطقي أن التفاصيل الحقيقية والمهمة قد غابت عن قصد، والقصد هنا يفتح أبوابًا مشرعة أخرى أمام سيل من الاحتمالات، منها ما يتعلق بطبيعة الظرف السياسي والأمني العراقي، والتشابك المعقد لخيوط الاطراف المتحكمة فيه، أو قد تكون تلك التفاصيل معلومة ومعروفة، ولكنها مدخرة لوقت يراه المطلعون عليها أنه لم يحن بعد كي تظهر إلى العلن، وبالتأكيد فإن الأسباب التي تجعل تلك التفاصيل «مدخرة حتى حلول وقت الحاجة إليها» لا يتعلق بتحقيق العدالة أو سير التحقيقات، بل لعله يميل بشدة نحو فرضية حسابات الوضع العراقي المعقد، والتي ضاعت وستضيع تحت وطأتها كثير من الحقائق والتفاصيل لأجل غير مسمى.

عاد المشهد ليتكرر مجددًا في حادثة محاولة اغتيال الكاظمي، تركت تفاصيل الحادث، وما جاء في إعلان النتائج الأولية للتحقيق بشأنه وفق الرواية الرسمية، الأبواب ذاتها مشرعة أيضًا أمام سيل جارف من الأسئلة والتحليلات حول الأسلوب والجهة التي تقف وراء العملية، والطرف المستفيد والتعامل الرسمي الحكومي مع الموضوع.

يتبادر إلى ذهن البعض أن يدًا – أو حتى أيادٍ – ثقيلة كتمت وتكتم فم المؤسسات الرسمية العراقية في الماضي القريب والحاضر، وتمنعها من قول الحقيقة بكاملها. وهذا التصور – إن صح – فهو يمثل طامة حقيقية في كيفية سريان أمور وشؤون البلاد على مختلف الأصعدة. لكن جانبًا آخر من الصورة يفرض نفسه على طاولة البحث والتساؤل، مفاده أن هذه الحوادث مفتعلة وموظفة بعناية في لعبة الصراع السياسي بين مختلف أقطاب الكتل الحاكمة. ومحاولة اغتيال الكاظمي – وفق الرواية الرسمية – لا تخرج عن هذا التصور إذا ما وضعت في سياق أزمة نتائج الانتخابات، وما يتفرع منها حول لعبة كسر العظم بين رئيس الوزراء، وبعض الأطراف السياسية، خاصة تلك المنضوية تحت ما يسمى حاليًا «الإطار التنسيقي». ولا يبدو أن الأطراف المتناحرة في صراعها هذا، وما سبقه وما سيلحقه في الغالب، ستكف عن لعبتها المفضلة في تجيير مؤسسات الدولة بأقصى ما تستطيع لضمان استمرارها في تلك اللعبة وصولًا نحو هدفها، حتى أصبحت تلك المؤسسات بشخصيتها المعنوية والمهنية ضحية الانحدار المستمر لمكانتها أمام أفراد المجتمع، بعد أن تنازعت تكوينها وهيكليتها مفاسد السياسات المتصارعة، وأطاحت بها المصالح الحزبية الخاصة في سقطات لا يمكن تصورها.

من هنا يبرز السؤال الأهم: ترى من الذي يستخف بالآخر؟ الروايات الحكومية الرسمية التي تتعامل مع المواطنين على أنهم بسطاء يسهل حشو رؤوسهم بما لا يمكن أن تصدقه عقول سوية؟ أم المواطنون الذين يتمتعون بكون تلك الروايات بضاعة لا تفنى تصلح للسخرية والتندر اللذين يمثلان بديلًا مفضلًا للمواطنين – أو ما يمكن أن يسمى: أضعف الإيمان – يغنيهم عن عناء التفكير في معالجة حقيقية لواقع بلدهم المتهالك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد